Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

السبت 27 مارس 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

رسالة إلى الدكتور صالح أمجاور

لم أتوقع أن أجدك على الشبكة العنكبوتية بعد أكثر من ربع قرن على فراقنا أيها الصديق الذي تعرفت عليك بالقسم الداخلي عندما كنا طلبة بالجامعة ،حينما جئت أنا من أقصى الشرق وأنت من عمق الصحراء ، أنا متأكد من أنك ستعرفني كما عرفتك من خلال مقالتك التي ذكرت فيها موت خالك إثر حادث أليم عقب حضوره لمراسم عرس احد أقربائه ، إذ كنت من المعزيين لك في فقد خالك الذي كان يزورنا في القسم الداخلي .. كم كان طيبا خالك يا صالح .
بالتأكيد: إن اسمي ليس( حسين علي) كما هو موضح أعلاه فلولا خوفي عليك ومنك لذكرت لك اسمي كاملا ولسردت لك بعض المواقف التي عشنا – أنا وأنت - دهشتها بالقسم الداخلي وبالكلية .
مازلت أذكر تلك الغناوة التي ترددها باستمرار والتي تقول : سيوره يطيح يطيح سعد الياس مو ديمه قوي ، رغم سذاجة هذه الغناوة لكنك من المعجبين بها وبشدة ، ومازلت أذكر كذلك مطاردتك لتلك الفتاة التي كادت أن تفقدك عقلك وتذهب برشدك عندما لوت لك عنقها وأحبت ذلك الشاب الدرناوي والذي كانت غرقته ملاصقة لحجرتنا. فقد كان وسيما حتى أننا أطلقنا عليه جون ترافولتا ، فيما أنت سحنتك الصحراء بسمرتها فتجعد شعرك واصفرت أسنانك ، وعلى ذكر اصفرار الأسنان مازلت أذكر زجاجات اللاقبي التي كنت تحضرها مخبأة من واحتك النائمة في حضن الصحراء ، رغم قرصة الحموضة التي تختلط بعصير النخل إلا أننا كنا ننتشي في أواخر الليالي بتلك الكؤوس التي تلعب برؤوسنا ، ومازلت أذكر عندما تتمدد على سريرك يسرح بك الخيال بعيدا ليعبر بك البحار نحو أوروبا ، لا شيء يعجبني فيك أكثر من تصميمك على اتخاذ القرار، فكم كنت تتمنى الهجرة إلى الشمال وكثيرا ما كنت تقول لي " اقعد فيها " عندما أحاول أن أثنيك عن أفكارك التي اعتبرها عقيمة وقتئذ ، كم كنت محقاً تلك الفترة العصيبة .. وكان لك ما أردت ،ملعونة الغربة - يا صالح- حتى وأنت داخل بلادك وبين أحضان أسرتك !
صحيح كانت الجامعة موحشة رغم كل ما فيها من صداقة وضحك ولعب ورحلات ومغامرات ، كانت مثل ثكنة عسكرية نازية ، لا يمكنك التحدث مع زميل على انفراد ، فقد تضاف بذلك إلى قائمة الخونة والمتآمرين ، لجان ثورية فوضوية ، عسف ، وشنق وقتل في وضح النهار دون خوف من الله، وبلا رأفة، والمختصر المفيد منتهى الفوضى والهمجية والدموية ،لدرجة أننا صرنا نشك فيمن حولنا حتى أولئك البلهاء والسذج .
أراك يا صديق مترددا كثيرا في العودة إلى الديار !! وأراك قد بلغت من العمر عتياً من خلال وهن كلماتك ، وهبوط نبراتك ، ويبدو أنك قضيت أغلب سنوات حياتك في الغربة التي ذبحت شرايين وأوردة قلبك ، هكذا تراءى لي من خلال مقالاتك التي أعدت قراءتها حينما قبضت على الفقرة التي دلتني علي شخصيتك التي لا يعرفها أحد غيري ، فأنت كما أنت لم تتغير ، هل مازلت متحالفاً مع العناد ،لاحظت أنك مازلت تخطيء في اللغة التي كنت ضعيفا ً في أصولها ، فقد كنت تلعن أخوات "كان" وشقيقات "إن" وتنظم السب والشتائم للفاعل والمفعول به باتصال ، لكنك على ما يبدو واصلت دراستك العليا التي حرمت منها في ليبيا والتي حظي بها أبناء الذوات والمقربين وأعضاء اللجان الثورية، ففي زمننا ذاك لن تنال قرار الإيفاد إلا بعد الحصول على مصادقة اللجان الثورية متمثلة في مكتب اتصالهم المرعب ،وهي شهادة كانت مثل الخل الوفي أو العنقاء .
هل تذكر محاولاتنا اليائسة عندما سافرنا إلى طرابلس برًا في رحلة من أجل الحصول على إيفاد عن طريق أبن عمك ذلك الضابط الذي كنت تظن أنه على علاقة فوقية وقوية بالدولة ، وهل تذكر كيف رجعنا خائبين نجر أذيال الهزيمة المرة ، مفلسين نقتسم عقب السيجارة ولا نبرح سيارة الأجرة عندما تتوقف عند المطاعم والاستراحات لتناول الوجبات .
على فكرة قبل شهر من كتابة هذا المقال قمت برحلة برية إلى طرابلس رفقة زميل طيب وشهم ومررنا بنفس المكان الذي حدثتني عنه ذات ليلة وقلت :إنه هناك يبيعون فيه اللاقبي الممتاز وبالفعل ابتعنا منه قنينتين لذيذتين طازجتين ، وصدقني تذكرتك وترقرقت عيناي أسفا على تلك الأيام وحدثت رفيقي عن مغامراتك وعفويتك وعنادك وقسوة رأسك وكلمتك المعهودة : " هنا حمار ميت " مشيراً بطرف أصبعك إلى دماغك .
طرابلس تغيرت يا دكتور ......بل البلاد برمتها طرأت عليها تغييرات كثيرة ، ليس نحو الأسوأ كما تتوقع بل إلى الأفضل ، بالإمكان الآن أن تتحدث عن الوضع وتكيل اللعنات للحكومة جهاراً نهاراً ولا أحد يستطيع أن يعتقلك أو يعاقبك ، وبالإمكان أن تكتب على صفحات الصحف وعلى الإنترنت ما تشاء ، فالأمور تحولت بالكامل نحو انفتاح كامل على العالم ،وعلى الحرية ، وبالإمكان أن ترفع صوتك بالحق على كل منتسبي اللجان الثورية الذين كانوا يصولون ويجولون في ربوع ليبيا الحبيبة دون رادع ، وبالإمكان أن تعود إلى الوطن وتخرج منه بلا رقابة ، فكم من مهاجر مثلك عاد وخرج وعاد دون أن يتعرض للمساءلة ، فالأمور تغيرت يا صديقي !! لم نعد نسمع عن زوار الفجر الذين يتسورون البيوت ويدخلون غرف النوم دون استئذان بحجة القبض والاعتقالات التي يذهب فيها الظالم مع المظلوم .
أنا لا أقدم لك الإغراءات من أجل العودة لكنني أطمئنك بأن الأوضاع السياسية الداخلية حدث بها ما يمكن أن نطلق عليه "تطور ووعي" في التعامل والمعاملة الطيبة وهذه حسنة تضاف للمهندس سيف الإسلام الذي دأب على تغيير وجه ليبيا والصورة القاتمة التي ألفناها منذ مطلع السبعينيات واستمرت طيلة العقدين الأخيرين من القرن العشرين . أنا مثلك كنت لا أثق في النظام ، وكنت دائم التوجس منه ومن عسكره وحراسه ، ولكن ما حدث جعلني أتخلى عن الأفكار القديمة ، وهو أنني صادفت أكثر من عائد وعندما سألتهم أكدوا لي بأن دخولهم إلى أرض مطار طرابلس لم يستغرق أكثر من ثلث ساعة ولم يمثل أي منهم أمام أحمد إبراهيم أو موسى كوسه أو عبدالله السنوسي أو أي قحصي عتيد بغرض التحقيقات والاستجواب والسين جيم التي تعود عليها أبناء الوطن في المنافذ والمطارات .
بل أن بعضاً منهم عاد إلى سابق عمله ، والبعض الآخر رجع ومعه مؤهل من دول اشتراكية ، اقصد المجر وبولندا وبلغاريا ، وفي وطننا العربي ما يشبهها كالسودان مثلا ، ولعلك تعرف قدر هذه المؤهلات التي عليك أن تسجل بالجامعة إياها وتدفع ثم سرعان ما تتحصل على دكتوراة ، هل تعلم أن كثيراً من العائدين يعملون كأساتذة بالجامعة وهم من حملة هذه الشهادات ،أخشى يا صديقي أن تكون شهادتك هي الأخرى والتي تضع لها حرف الدال أمام اسمك من مثل هذه الشهادات الممنوحة من جامعات ( سجل وأدفع وخذ دكتوراة ) والتي لا يمكن أن تسقيك شربة ماء في بلادهم ، تصور يا صالح هناك من جاء بشهادة دكتوراة من بريطانيا ولا يعرف التحدث باللغة الإنجليزية ، ومثله من فرنسا ولا يعرف كلمة فرنسية .
هل تعلم يا صديقي أنني حاولت الهجرة مثلك لكنني تورطت في أسرة مكونة من ثمانية أفراد ، وكنت أجرم فعلتي هذه وكنت أفضل أن أهاجر وأتزوج من أوربية أو حتى عربية مهاجرة مثلي ، لكنني حمدت الله بعد أن رأيت وسمعت عن مشاكل لا حصر لها إثر الزواج من أجنبية ، أرجو ألا تكون قد ارتكبت جريمة في حق نفسك واقترنت بأجنبية ، أشك في تصرفاتك ما لم يحدث أي تغير فيها ، فأنا أعرفك جيداً لا تحتمل العين السوداء ، هل تذكر تلك البدوية القادمة من الريف وكانت طالبة معنا ، ليست بدفعتنا ، بل بالدفعة التي تلي دفعتنا وكيف أصابت عقلك بلوثة العشق إذ سحرتك بكتابة عناوي العلم لدرجة جعلتك تترك الامتحان وتنساق خلف ألاعيبها حتى أنك تأخرت لعام إضافي من أجل عينيها ؟ أنت طيب يا صالح ومن سلالة طيبة ومن واحة يمتاز أهلها بالطيبة والكرم ، ولكنك دائم الاندفاع خلف النساء وكؤوس الخمر وليست لديك الروح مع التجريب في كل شيء .
على كل حال لا أريد أن أطيل عليك ولا أريد أيضا أن أكون ثقيلاً على القراء ، أنصحك بإعادة حساباتك والتفكير بشكل جدي في موضوع العودة ، وقد تصفني بأنني انتظمت في طابور النظام ،وانضممت للجان الثورية ، فأنا مازلت كما عهدتني ، مازلت أقسم بحياة الملك رغم رحيله عن الدنيا ،ومازلت مدرسا فقيرا والحمد لله محال للتطوير يأتيني مرتبي بعد شهرين من المعاناة والإفلاس ، ولدي سيارات نوع بيجو صالحة للاستعمال صيفاً ، ومتزوج من ابنة عمي تلك التي كنت أحدثك عنها مراراً، أمية لا تعرف استعمال الهاتف النقال ، وأولادي انخرط اثنان منهم في سلك الشرطة قهراً بعد إحالتهم على مركز التطوير ، وآخر طفلين مصابين بمرض التوحد نظراً لزواج الأقارب وأدفع نصف مرتبي على علاجهما الباهظ الثمن ، ولا شيء يجعلني مدافعاً عن النظام أو داعياً لأطروحاته والحمد لله ...لنا عودة وربما لقاء في القريب العاجل . فقط أرجو ألا تذكر اسمي فأغلب عناصر اللجان مازالوا يتربصون بفلول الملكية لولا مواقف سيف الإسلام المتعثرة بين الحين والآخر .

بقلم : حسين علي


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home