Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

السبت 27 فبراير 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

لماذا هذا الحب وهذا الحنين للعهد الملكي ؟ (1)

الذي يتابع كتابات وأقوال وأراء الليبيين ، سواء في الداخل أم في الخارج ، يجد فيها حنيينا عميقا وحبا جارفا للعهد الملكي (1951-1969) .

وإذا كان مبررا ومقبولا أن يكون هذا هو واقع حال الجيل الذي عاش الفترة الملكية ، بكل ما فيها ، فإن الأمر المثير للملاحظة والدهشة ، أن الجيل الحاضر الذي لم يعايش العهد الملكي ، هو أكثر حنينا للعهد الملكي ، ولهذا نراه دائم المقارنة بين ما كان عليه الحال في الفترة الملكية ، سواء على مستوى السلطة السياسية أم على محيط الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، أو على أي صعيد من الأصعدة .

وإذا كانت الفترة الملكية ، وفي أي ناحية من النواحي تشير على نحو صريح وجلي إلى وجود دولة حديثة تسعى لتحقيق الرفاهية والرخاء في كل المجالات كتعويض عما لحق الشعب الليبي من حرمان وفقر وضياع سواء في الحقبة الإيطالية أم في الحقبة العثمانية .

ولهذا كانت الحكومات الملكية المتعاقبة ، تسعى بكل ما أوتيت من جهد إلى تحقيق النهوض االاجتماعي والاقتصادي والثقافي وبما يكفل لبناء شخصية المواطن الليبي الفرد .

ولهذا كان الشغل الشاغل لهذه الحكومات ، يدور حول تلك المعاني ، ولم تكن لديهم أي اهتمامات بالشعارات أو الدعاية أو المسائل التي لا معنى لها ولا غاية .

بل كانت هذه الحكومات تعمل في إطار أهداف وغايات محددة ، وفي ظل ظروف اقتصادية واجتماعية بالغة السؤ . لاسيما وأننا ندرك أن الدولة الليبية كانت في هذه الحقبة التاريخية ، في دور التكوين والبناء ، فلم نكن في الماضي نحظى بوجود الدولة الليبية ، ولأن هذه الدولة هي دولة وليدة ناشئة ، فإن طريقها كان محفوفا بمختلف المصاعب ، ومن ثم كانت المعاناة هي الملازم الأول لمختلف الحكومات الليبيية منذ ولادة الدولة ، وسبب هذه المعاناة يرجع في جانب كبير منه إلى حرص وإصرار الحكومات الملكية على القيام بأعمال وطنية كبيرة ، وتحقيق مطالب رئيسية على مختلف الأصعدة ، فوق مقدورها ، وخارج نطاق إمكانياتها المحدودة ، ولكن هذه الحكومات كان لديها من الصدق والوطنية والانتماء والتصميم ، ما جعلها تتجاوز العقبات والواقع الصعب المحيط بها من كل جانب ، وثم تمكنت بالإرادة القوية والإيمان بمستقبل البلاد وحق الشعب الليبي في الظهور على المستوى الدولي والإقليمي بمظهر الدولة . رغم أن هذه الدولة هي دولة وليدة أو دولة ناشئة من العدم .

كان ذلك في فترة قاسية وفي ظروف بالغة الصعوبة ، فهذه الدولة الوليدة لا موارد اقتصادية لديها ولا إمكانيات مالية ولا بشرية تؤهلها للقيام بالأغراض والأهداف المبتغاه ، حيث كان الجوع والفقر والتشرد هو الطابع الغالب على كل مظاهر الحياة في تلك الفترة التي تلت مباشرة الحرب العالمية الثانية والتي دارت كثير من معاركها على الأرض الليبية ، ومن ثم ترتب عليها كوارث اقتصادية واجتماعية على المواطنيين .

على أن هذه الصعوبات والعقبات الكبيرة لم تكن مبررا للاستكانة أو الاستسلام ، ولهذا فإن الحكومات الليبية المتعاقبة وقد آمنت بضرورة إثبات الوجود ، فإنها وبكل العزيمة والاخلاص ، دخلت معركة بناء الدولة رغم أنها مجردة من الأسلحة المادية الضرورية لكسب هذه المعركة التاريخية .

ورغم أن السيد محمود المتصر وهو أول رئيس وزراء في ليبيا ، بعد الاستقلال ، سافر إلى مصر بغرض الحصول على سلفة او قرض بمبلغ مليون جنيه مصري ، كي يضمن دوام واستمرار الحركة الحكومية الناشئة عقب قيام الدولة اللييية لكنه ، لم يوفق بسبب رفض الحكومة المصرية تقديم هذا المبلغ ، لأنها أي الحكومة المصرية ترى عبثية الدولة الليبية وعدم صلاحيتها للحياة ، وإن شعبها بسبب ظروفه وأحواله الاقتصادية ، غير مؤهل كي تكون له دولة .

وعاد الرجل إلى بلاده وهو أكثر إيمانا وإصرارا بتحقيق المطالب الوطنية وإثبات وجود الدولة الليبيية مهما كانت المشاق والتحديات .

ولو تصورنا مثلا أنه قبل قيام الدولة الليبيية (1951) لم تكن هناك مدرسة واحدة ولا مستشفى واحدة ولا مرفق عام ولا مؤسسة عامة ولا جهاز للأمن أو القضاء أو الصحة أو التموين أو البريد . فكل مظاهر الحياة أو المجتمع السياسي ، لم تكن قائمة على الأرض الليبيية قبل 24ديسمبر1951 .

غير أنه وبعد الاستقلال ، ظهرت الدولة الليبية كحقيقة رغم المصاعب والتحديات ، ولم تمض سنتان على الاستقلال إلا وكانت المدارس منتشرة في مختلف المناطق ، وأقيمت الملاجئ للقطاء والمشردين والضائعين وتم تجميع هؤلاء وإعالتهم وإيوائهم وتعليمهم على نفقة الدولة وبمساعدة القادرين على الإعانة ، وتم تنظيم أجهزة الأمن والدفاع ، وصار لدينا ولأول مرة في التاريخ جيش ليبي ، ومصلحة للجوازات ودائرة للسجل المدني . وأخرى للكهرباء وثالثة للطرق ، الخ ....وأقيمت الولايات والبلديات والمتصرفيات ، ثم أصبح لليبيا ولآول مرة بنك مركزي هو بنك ليبيا وصار لهذه الدولة عملة وطنية ، وهذه الأمور لم تكن تخطر على بال أحد ، قبل قيام الدولة ، ولم نكن نتصور أنها ستصبح في يوم من الأيام واقعا وحقيقة .

على أن الفلافت للنظر ، أن الحكومات الملكية المتعاقبة ، لم تحصر اهتمامها بالمسائل التي تبدو هامة ، أو بالجوانب الكبيرة المتعلقة بالدولة كسلطة ذات سيادة ، كالجيش والأمن والولايات والبلديات .

بل أن هذه الحكومات أولت الجانب الاجتماعي والتعليمي والتربوي قدرا كبيرا من الاهتمام والتركيز والعناية الفائقة .

ولهذا ركزت جهودا ملموسة في هذا الجانب الي يشمل الطبقات الفقيرة والمعدمة والمحرومة من كل متطلبات الحياة الكريمة ، وذلك بسبب الأحوال والظروف القاسية التي عانت منها البلاد خلال الحرب العالمية الثانية ، بل وقبل ذلك .

ولعل البداية ، كانت بتقديم العون الكامل والمساعدة المباشرة للأطفال الضائعين ومجهولي النسب واللقطاء والأيتام ومن لا كافل له ، وهؤلاء هم من يطلق عليهم تعبير أولاد أو اطفال الشوارع .

وقد رأت هذه الحكومات الملكية أن الواجب الإنساني والوطني ، يستدعي العناية بهذه الشريحة ، لأنها تستحق ذلك ، بسبب صغر السن وحالة التشرد ، وفقدان الأبوين أو عدم وجودهما . ولهذا فإنها جعلت نفسها في مقام الأم ومقام الأب ومقام الأسرة بالنسبة لمجموعة كبيرة من المشردين واللقطاء والمجهولي النسب والضائعين والمهملين وكل من ليست له أسرة او عائلة معروفة .

ولو أخذنا ملجأ سبها ، في أقصى جنوب المملكة الليبية المتحدة في منتصف الخمسينات ، مثالا على ذلك ، وهو الملجأ الذي جمع اللقطاء والمشردين والضائعين ومجهولي النسب ، في ولاية فزان ، ولم يكن هذا الملجأ ، مجرد ملجأ للإيواء فقط ، بل كان مدرسة تربوية واجتماعية ونفسية لإعادة تنشئة وتربية أعداد من الأطفال وصغار السن المحرومين من كل مظاهر العناية الأسرية والعائلية . وهذا يبين لنا كم أن الدولة الليبية في العهد الملكي كانت تضم رجالات دولة عظام من طراز رفيع ، فهم رغم صعوبات ومشاق الظروف ، لم يهملوا الجانب الاجتماعي والإنساني .

ولعل ( معمر القذافي ) وهو كما يصف نفسه ويصفه المنافقون والدجالون ، مبدع النظرية العالمية وملك الملوك وقائد الثثورة وصانع عصر الجماهير..الخ ..الخ ......هو من أولئك الذين كانوا في حالة تشرد وضياع ، فلا أسرة ولا أم ولا أب ، ولكنه وبفضل الحكومات الملكية في ذلك الظرف الصعب من تاريخ البلاد ، وجد ملجأ يأويه ويكسيه ويعلمه ، ويحميه ويضمن له حياة وإقامة كريمة ، ويكون بديلا له عن التشرد والضياع ، والحرمان .

ولو لم يكن في ليبيا رجال من أمثال أولئك الرجال العظام الذين أهتموا باللقطاء والمشردين والمعدمين . فماذا سيكون عليه حالهم ..؟؟؟؟

ولو أن هؤلاء الرجال ، تجاهلوا موضوع اللقطاء والمشردين والضائعين ، ولم يهتموا بهم ، ولم يكرسوا جهودهم لبناء الملاجي ، ودور المأوى ، فماذا سيكون مصير هؤلاء المشردين واللقطاء ؟؟ وما هو مستقبلهم ؟ والسؤال هنا كي يكون واضحا ، ولكي تكون الصورة واضحة ، ماهو مصير معمر القذافي لو لم يتم إيوائه في ملجا سبها ؟ أو ماذا لو أن الحكومة الملكية أهملت شأن الملاجئ في ذلك الوقت ، ولم تمنحها عنايتها ، ولم تنشئها ، واستمر الضائعين واللقطاء والمشردين في تشردهم وضياعهم ؟؟؟ فما هو الوضع الذي كان حتما سيؤول إليه مستقبل القذافي ؟؟ الشيء المؤكد أنه وضعه وحالته لن تختلف عن حالة أمثاله من المشردين واللقطاء والضائعين الذين وجدوا قبل قيام الدولة الليبيية حيث لم تكن هناك ملاجئ ولا دور إيواء لأمثال هؤلاء ، فأمثال هؤلاء كان الضياع والتشرد هو ملجأهم الوحيد . ولولا ملجأ سبها وقيام الحكومة الليبيية بإقامة الملاجي ، ومساهمة عائلة سيف النصر في تمويل وإعانة هذا الملجا ، لما كان أحد منا ولا من غيرنا ، عرف شخصا باسم معمر القذافي وهو أول المنتفعين بقيام الدولة الليبية وهو أول المستفيدين من كرم الحكومات الليبيية الملكية ، ولولاها ، لكان مشردا ضائعا ، مثلما كان بالفعل قبل إيوائه .

وإذا كانت هذه هي حكومات العهد الملكي ، حكومات تبني الشخصية وتبني الإنسان وتبني الكرامة ، هدفها المواطن الليبي الفرد المعتز بوطنيته وبليبيته . أفلا يكون ذلك مبررا قويا كي يشعر الليبيون تجاه العهد الملكي بالحب والحنيين ، بعد أن جربوا الحقبة التالية المؤلمة في تاريخهم المعاصر ، حيث الهدم والتقتيل والتنكيل .وقهر الشخصية الليبيية .

ومع ذلك ليس هذا ولا ذاك هو السبب الحقيقي الذي يجعل الليبيون يشعرون بالحب والحنيين تجاه العهد الملكي ، بل هناك عوامل موضوعية عميقة وراء ذلك ، وهذا ما سنحاول كشفه في الموضع التالي .

علي أبوشنة الغرياني


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home