Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

السبت 27 فبراير 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

مهلكات المجتمع المدني (1)

مؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي!!

إن مصطلح مؤسسات المجتمع المدني الذي درجت المعارضات العربية مؤخرا علي ترديده بغزارة يعتبر من أكثر التعبيرات السياسية مخاتلة ومراوغة لكونه كلمة حق أريد بها الباطل.

فمما لا شك فيه أن الحياة السياسية الغربية أو ما يعرف بالمنظومة الليبرالية عرفت ازهي عصورها في ظل وجود مؤسسات مجتمع مدني فاعلة والتي أضحت مع الوقت سمة العصر الحالي ذي الطابع الليبرالي وذلك لأن مؤسسات المجتمع المدني الرديف و الصنو للممارسة السياسية الرسمية وهي الأقرب للتعبير عن تطلعات وآمال القاعدة العريضة من الناس في ظل اتساع الهوة و تباعد التواصل بين النخب السياسية المنتخبة من قبل جماهير مراكز الاقتراع ولوبيات صنع القرار السياسي وبين عامة الناس التي وجدت في مؤسسات المجتمع المدني البديل السياسي غير الرسمي للتعبير عن تطلعاتها و آمالها المغيبة تارة من قبل النخب السياسية حاكمة كانت أو معارضة وتارة أخرى ليأسها من تحقيق الوعود الانتخابية التي ما فتأ يرددها المرشحون أثناء الحملات الانتخابية، هذا الواقع السياسي الذي ميز النصف الأول ل من القرن العشرين هو ما دفع بقوى الحراك الاجتماعي الغربي المتمثل في ما بات يعرف في لغة الصحافة السيارة بالناشطين السياسيين أو الحقوقيين، دفعهم إلى تشكيل تلك المؤسسات التي ضمت أحزابا وجمعيات ونوادي ومنتديات ونقابات ومؤسسات ثقافية واجتماعية فضلا عن العشرات من التسميات للأنشطة الريعية أو الأهلية غير الحكومية والتي تراوحت بين الدفاع عن حقوق شريحة معينة من المجتمع إلى تبني قضية أو قضايا متقاطعة.

وقد كانت مؤسسات المجتمع المدني لصيقة بالتجربة الغربية وجزءً لا يمكن فصله عنها.

انطلاقا من التوصيف السالف يتبادر إلى الذهن سؤال ملح مفاده انه ما دامت مؤسسات المجتمع المدني قد نجحت في الغرب وعززت من الممارسة السياسية أو أوجدت درجة كبيرة من التوازن بين الواقع الذي تمثله النخب السياسية ومراكز القوي وبين المأمول الذي تنشده جماهير الناس! فلماذا لا نطبق هذه التجربة الناجحة في مجتمعاتنا العربية؟

يعود بنا هذا السؤال إلى قضية الأساس المتمثلة في غياب الديمقراطية في عالمنا العربي و تفشي ظاهرة الاستبداد السياسي بكل تجلياته و على كافة الصعد!

فهل يا تري نجحت محاولات نقل النسخة الغربية للديمقراطية المتمثلة في النظام الليبرالي المرتكز علي الانتخابات والاقتراع والمجالس النيابية والتداول السلمي للسلطة في عالمنا العربي؟

إن التجربة الليبرالية لما يزيد علي نصف القرن في لبنان لم توطد أو تؤسس لمفهوم التداول السلمي للسلطة!

إن لبنان مارس ولازال الاستبداد السياسي بلبوس ديمقراطي ولا سيما منطقه الغريب الناص علي وجوب انتخاب رئيس الجمهورية من الطائفة المارونية تحديدا حسب نص الدستور اللبناني!

وهل أفلحت التجربة الليبرالية الجزائرية فيما فشلت فيه التجربة اللبنانية؟

لعل عقد التسعينات الدامي من القرن المنصرم الذي فتح أبواب جهنم علي إخوتنا الجزائريين وأدخل الدولة والشعب في نفق مسدود من العنف والعنف المضاد، ذلك العقد دليل صارخ علي ان النسخة الغربية للديمقراطية نبتة غريبة علي واقع عالمنا العربي.

والمثال الأبرز هو التجربة الموريتانية التي شهد القاصي والداني بنزاهتها وشفافيتها وفق المنطق والمعيار الغربيين ورغم ذلك فإنها كانت أعجز من وقف مسلسل الانقلابات العسكرية حيث استطاع جنرال ارعن أن يلقي بتلك التجربة التي بهرت العالم وطبل لها بحفاوة في سلة المهملات بكل بساطة ويسر ودون كبير عناء بالرغم من الضجيج والزعيق الذي أحدثته مؤسسات المجتمع المدني الموريتاني المعزولة أصلا عن واقع الناس والتي لا تزيد عن كونها مراكز أوتوقراطية لأصحابها ولا تتقاطع مع مصالح الناس التي استزرعت أصلا بداعي خدمتهم! و لم تفلح محاولات المعارضة الموريتانية المحمومة لتجييش العالم ضد الانقلابيين، إلا أن الجيش نجح في طي تلك المرحلة و كأنها لم تقع أصلا! ومن هنا نتساءل بحرقة لماذا لم تنجح التجارب الديمقراطية الليبرالية في عالمنا العربي ولماذا ظل الاستبداد هو سيد الموقف في واقعنا العربي.

الإجابة رغم بساطتها الصادمة فهي مؤشر علي درجة الانبهار بكل منتوج غربي لدرجة إننا أهملنا إعمال عقولنا في كل ما يأتي من الغرب!!

الإجابة ببساطة متناهية أن الديمقراطية الليبرالية علي الطريقة الغربية نبتة زرعت عنوة في غير بيتها فمن البديهي والأمر هكذا أنها لن تنمو وان زرعت عنوة عكس نواميس الفطرة فإنها لن تعمر طويلا فهذه سنة الله في خلقة و لن تجد لسنة الله تبديلا.

الشيء ذاته ينطبق علي مفهوم مؤسسات المجتمع المدني التي يراد استزراعها عنوة في عالمنا العربي في محاولة سيزيفية أخرى لا طائل من ورائها، وكأنه ينقصنا سيزيف آخر في عالمنا العربي المثخن بالجراح والآمال المحبطة ومحاط بجو من اليأس والقنوط والتوجس من المستقبل والخوف من قادم الأيام، كل ذلك بفضل نخبنا الثقافية التي استَمْرت السهل و تعاند ببلاهة من أبراجها العاجية واقع الناس الذي يفرض نفسه و بقوة علي الجميع فإلى متى نستورد مفاهيمنا و قيمنا وأساليب حياتنا من الغرب و العم سام!

هل يشك عاقل اليوم في التجربة الديمقراطية اليابانية التي بوأتها المقعد الثاني في جلسة الكبار وجعلت منها ثاني أكير اقتصاد في العالم لما يزيد علي سبعة عقود من الزمن!

فيا تري هل اليابان ليبرالية علي الطريقة الغربية.

إن تطاول البعض منا علي الدين الخالد "الإسلام" ووصلت بهم الجرأة حد الزعم أن الإسلام وإقحام الدين في حياتنا السياسية هو السبب الكامن وراء تخلفنا فما يا تري سيقول عن التجربة الديمقراطية الماليزية التي حولت مجتمعاً إسلامياً متخلفً في مدة لم تتجاوز ثلاثة عقود إلى مصاف ومدارج الرقي والتقدم وبهرت العالم بتاسع اقتصاد كوني وبممارسة ديمقراطية سلسة ورائعة بكل المقاييس وتداول سلمي للسلطة بطريقة راقية دون ضجة أو تهويل وبصمت جعل تلك التجربة عصية علي التصنيف!

فهل يا تري أدرك المتشدقون أن الديمقراطية هي في الأصل نتاج التجربة المحلية و هي محصلة بديهية لتراكم خبرات الممارسة السياسية المحلية الصرفة لأي مجتمع، قد يستفاد من تجارب الأخرى لكنها حتما لن تكون صورة كربونية أو نسخا طبق الأصل عنها.

عليه إن محاولات استزراع المجتمع المدني الغربي في تربيتنا العربية هي محاولات فاشلة و لن يصار إلى تطبيقها حتى في حالة أن النوايا كانت في الأصل حسنة أو أن الناشطين الحقوقيين والسياسيين العرب في المعارضة العربية كانوا حريصين فعلا على مصلحة الناس والجماهير العربية!

أما المحاولات المشبوهة التي ثبت تواطئها بما لا يدع مجالا للشك فتلك مسألة أخرى سنتناولها في ورقة الغد إن شاء الله إن مد الله في عمرنا حتى ذلك الحين.

عبد الحكيم الطاهر زائد


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home