Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الثلاثاء 27 ابريل 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

معاناة معلم ليبي!!

منذ أن استلمت قرار تعييني بإحدى المدارس النائية وأنا أعانق الجداول الثقيلة ، لكن رغبتي في مهنة التدريس جعلتني أقبل بعدد الحصص مهما كانت كثيرة ، وبعد مضي قرابة ثلث قرن من رحلتي مع الطباشير والسبورة السوداء وجرس الحصص الذي استولى عليه مدير المدرسة من بقايا كنيسة إيطالية كانت مقامة بالقرية المجاورة ، بعد كل هذا أجد نفسي في قائمة المبعدين إلى مركز التطوير بحجة أن مؤهلي ليس تربوياً .

ما يحز في النفس أن مدير المدرسة تخرج في المعهد الصناعي شعبة جرارات ولا أعرف هل يدرسون طرق التدريس وعلم النفس وأصول التربية .. يخطئ في اللغة العربية عندما يحرر رسائله ويعامل التلاميذ معاملة سيئة لا تليق بمعلم تربوي . خلاف أسلوبه الشوارعي مع المعلمات والمعلمين وأولياء الأمور .. ويبقى مديراً تحت رغبة القبيلة والواسطة رغم مؤهلاته التافهة والتي لا تسقيه كأساً من مياه الكفرة المغشوشة .

عندما أحلت قسراً إلى مركز التطوير بدأت المعاناة الأسرية تتفاقم وتسير نحو الأسوأ فالمرتب يغيب شهرين ومطالب البيت تتراكم بشكل خيالي ، والبقال يلوي عنقه للدين ، والجزار وجهه من صخر لا يعرف تقدير الظروف وقررت بعزيمة المنكسر ترك التدخين لا خوفاً على صحتي ولكن لقناعتي بأن انفث السجائر من قوت الأبناء ولعل هذا كانت الحسنة الوحيدة لإحالتي على مركز التطوير .

هذه المرة يغيب المرتب للشهر الثالث على التوالي وسيدة البيت تقذف كلمات والحسرة في وجههي ندماً على قبولها بي زوجاً ، فيما تتحدث عن جيراننا الذين انخرطوا في مسيرة الدولة ما بين طبال وزمار في اللجان الثورية والمؤتمرات الشعبية ووصفتني ( بالمضحكة ) دون أبناء جيلي الذي عرفوا من أين يأكلون الكتف ، وكلما حاولت إقناعها بأنهم يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ، تجد الرد جاهزا بقولها : (خليك في فقرك .. في بيتك الذي لا ترضى أن تقطنه الخراف .. وأكلك الذي لا تنظر إليه الكلاب الرغاث .. وملابس أولادك التي لا تليق بالأكراد الذين يعيشون على سؤال الناس أمام المساجد .. حتى منافع بيتك مهملة ومازلنا نستحم بالسطل والقدح .. حياتنا ليست كحياة البشر الذين تتحدث عنهم بأنهم يأكلون النار .. أنت تعيش وسط النار .. أحييني اليوم واقتلني غدا ... ) .

كل يوم بل في كل ساعة تكيل لي زوجتي حزمة من الشتائم والسب وتندب حظها التعس وتلوم والدها رحمه الله الذي وافق على زواجي منها .

لا أنكر أنني ورطتها في الفقر الذي فرضته الظروف وعزوفي عن مواكبة الوضع السياسي .. فأغلب زملائي الذين رافقوني سنوات الدراسة الجامعية هم الآن فوق الريح كما يقولون ، منهم من هو سفير فوق العادة ، ومنهم من هو مدير لمصرف ما ، ومنهم من هو مسؤول له شأن عظيم ، ومنهم من هاجر فاراً بجلده وفي ظرف سنوات قليلة تحصل على الدكتوراه والتحق بجامعات أوروبا والخليج العربي وأصبح مرتبه لا يقل عن اثني عشر دولار عداً ونقداً ..

أحدهم عاد إلى ليبيا في زيارة مدبرة من تيار ليبيا الغد .. وعندما سمعت بمجيئه قررت زيارته للاحتفاء بمقدمه .. وعندما هممت باحتضانه أبعد أنفه عني ماداً رؤوس أصابعه وقال لي : أنت كما أنت لم تتغير سوى اهتراء فمك.. ونحافة جسدك .. وغزو الشيب لمؤخرة رأسك والتصحر الذي أصاب مقدمته . هل مازلت على وظيفة معلم ؟ قلت له نعم وسأظل .. قال لي كلمة أوجعتني حينها ، مازلت تلعلع في أذني مثل رصاصة كلاشنكوف .. قال: أنت مبعر شر من يوم يومك !!

آخر .. خرج من السجن فيما يسمى بأصبح الصبح وما أن خف البشر المهنئين حتى بدأ رحلته من جديد وهو الآن من اكبر المقاولين بالباطن وبالباطل وتغيرت حياته إلى ثلاثمائة وثمانين درجة .. فيما أنا مازلت كما أنا .. معلم وكفى !!.

بقلم : حسين علي


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home