Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الثلاثاء 26 يناير 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

من بيع الدلاع إلى بيع سيارات المرسيدس

ياسادتي القراء الأعزاء – أود من هذا المقال إلقاء نظرة على حياة الحاج محمد عبد الله عقيل فقد كنت من أحد أبناء الأسر التي عاشرت المعني في صباه و أقاموا بالقرب من بيت أسرته ، إمتهن هذا الرجل في بداية حياته مهنة التجارة و هي مهنة سبق و أن دعانا لمزاولتها رسولنا الكريم عليه الصلاة و السلام ، حيث كان محمد عبد الله عقيل يقوم ببيع فاكهة الدلاع على مثن عربة يجرها حمار و قد طفأ عطش العديد من الناس بهذه الفاكهة التي كانت تثلج صدورنا في حر و زمهرير صيف الجنوب الليبي و كنا نطلق عليه " بياع الدلاع " و الذي كان تارة يزعل من هذه التسمية و تارة أخرى يرحب بها كونه دخل بواسطتها لكل بيوت المدينة .

سألت ذات ليلة والدي والذي كان من مشايخ منطقة ودان عن حقيقة أصل الحاج عبد الله عقيل والد محمد فقال لي إن هذه العائلة تنحذر أصلا من قبيلة بني وليد نزحت إلى منطقة ودان في بداية الغزو الأيطالي لبلاده ولكن الذي شد إنتباهي و سألت والدي عنه لماذا تنكر هذه العائلة أصلها الحقيقي و تنسب نفسها إلى قبيلة ودان و تحديدا إلى أشراف هذه القبيلة ؟ فضحك والدي .... و قال ( أهناك من يكره أن ينسب نفسه إلى قبيلة رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام ولو كذبا ) .

غبت فترة عن بلادي و كان ذلك بسبب الدراسة بكندا ، ثم تزوجت من إمرأة كندية و أقمت هناك و أثناء إحدى رحلاتي برفقة زوجتي إلى ألمانيا و داخل أحد مطاعم مدينة بون رأيت شخص جالسا رفقة مترجمه مع بعض الأشخاص الألمان و سرعان ما رجعت بي ذاكرتي حيث عرفت إن هذا الشخص هو نفسه محمد عقيل تاجر الدلاع السابق و الذي لم تستطيع السنوات و لا التغير المادي الذي طرأ عليه أن يمحي من ذاكرتي ملامحه ، فتقدمت نحوه و صافحته فإستقبلني بحرارة أهل البدو و نفس الأسلوب الذي كان يرحب به بمن يشتري منه عدد غير قليل من حبات الدلاع ، سألته عن أحواله فذكر لي بأنه أصبح رجل أعمال ووكيلا لسيارات المرسيدس ببلادي و عدد من السيارات و المعدات الأخرى .. إستغربت !! ولاحظ ذلك في جهه و سألته و الإستغراب لازال قائما بداخلي كيف تمكنت من فعل كل هذا ؟ و مازحته قائلا هل كانت بذور الدلاع التي تبيعها لنا أحجارا كريمة !! أم تحصلت على مصباح علاء الدين السحري ؟؟ .. فضحك ضحكة مجلجلة رد صداها ذلك المطعم الفاخر و قال ( إن ليبيا بقرة حلوب فسد اللبن في ضرعها ولم تجد غيري منجدا لتخليصها من اللبن الفاسد ) و أغدقت عليه بعد ذلك لبنها الطيب ، و أضاف و باللهجة العامية " ياراجل الفلوس رايحة رايحة ياخدها محمد عقيل خير ياخدها واحد ثاني " فسألته و الحيرة تعلو وجهي بأن الذي أعرفه عن بلادي هي قلعة للأحرار و ليست ببقرة حلوب وبنفس اللهجة ردت عليه ( عيب عليك يا محمد عقيل التنكر لبلادك بهذا الشكل ) و خطرت لي في تلك اللحظة قول والدي عن عائلة محمد عقيل بأنها تنكرت لأصلها الحقيقي من بني وليد و نسبت نفسها لأشراف ودان و أدركت بأن جينات الحاج عبد الله عقيل قد غرست في إبنه محمد بشكل جعله يتنكر هذه المرة لبلاده.

كان من بين الحاضرين في تلك الليلة برفقة محمد عقيل شخص يدعى العقاد لاحظت بأنه كان يترجم له من اللغة الألمانية إلى اللغة العربية و شخص أخر يدعى منيب المصري قدمه لي محمد عقيل على كونه أخيه و حبيبه و شريكه في تلك الوكلات حيث دار حديث بيني وبين منيب المصري و الذي قالي لي بأنه فلسطيني الجنسية أقامة بمصر خلال فترة الستينات و السبعينات و أنشأ عدة مشاريع في الخليج العربي و مصر و المغرب ثم أتجه إلى إقامة المشاريع في ليبيا ، فسألته لماذا لم نسمع عنك بأنك تدعم الأنتفاضة في فلسطين أو تساعد أبناء شعبك الفلسطيني الذين هم في أمس الحاجة إلى لقمة العيش فرد علي مبتسم إبتسامة صفراء قائلا ( فلسطين الان في يد اليهود و هم أدرى بما يصلح بشعبها و أرضها فهم شعب الله المختار ) صدمت بهذه الإجابة و تحجر الدمع في عيني و شعرت بأنني أجلس على مائدة تظم أحقر رجالات العالم رجالات إن صح أن نطلق عليهم هذه التسمية تنكروا لأوطانهم و أهلهم و دينهم تركت مائدتهم و رجعت إلى زوجتي و التي لاحظت نظرة اليأس و الحزن في عيني فسألتني ماذا حصل فأبأتوا على نفسي أن أخبرها بحقيقة ما حصل حتى لا نفقد نحن بني يعرب بعض ما تبقى من الأشياء الجميلة في مخيلة زوجتي الكندية .

بعد هذه الحادثة و التي تركت لوعة و حزن و ألم صرت أسال عن محمد عقيل من بعض الليبين الوافدين إلى كندا فصدمت عندما إتفقوا في الرأي بأن هذا الرجل هو الشخصية الخرافية و إن كل مسؤولي إدارة بلادي أصدقاء له و مطيعين له و ذكر لي أحد الأشخاص أن محمد عقيل هو إبن عم الرسول الكريم عليه الصلاة و السلام وأنه ذات مرة وقف في مكان ليصلي صلاة المغرب بإحدى ضواحي مدينة ترهونة وبعد تأديته للصلاة إلتقى بأحد الرعاة الذين يرعون أغنامهم بتلك المنطقة وبعد حوار قصير جرى بينهم طلب منه أن يقوم ببناء مسجد في ذات المكان الذي صلى فيه و سرد له قصة بناء مسجد قباء عندما تركت ناقة الرسول الكريم عليه الصلاة و السلام تسير و أينما وقفت يكون مقر بناء مسجد الرسول الكريم عليه الصلاة و السلام .

و فعلا تم بناء هذا المسجد و أصبح سكان تلك المنطقة يطلقون على محمد عقيل الرجل الصالح الرجل الكريم هدية الله إلى الأرض صدمت بما سمعت !! وسألت نفسي هل كل ذلك في بلادي يجري في بلادنا هل لعنة أمراء الخليج حلت علينا . ما الذي قدمه محمد عقيل لبلادنا ، هل قاتل أجداده ضد الأستعمار الإيطالي أو البريطاني أو حتى الأمريكي هل تذوقوا أبنائه مرارة فترة الحصار هل ساهم في النهوض ببلادنا حتى يكون له هذا الوضع ؟؟؟؟؟ تركت كل تلك الأسئلة تجوب في رأسي و غبت داخل شوارع مدينة أوتاوا المزدحمة و ذات مرة إلتقيت بأحد الدكاترة الفلسطينين المقيمين بكندا و الذي يدرس بجامعة ألبيرتا فسألته من يكون رجل الأعمال الفلسطيني المدعو منيب المصري ؟؟... فرد عليا ضاحكا بروح الفكاهة عليك سؤال الموساد فهو رجلها المفضل و تركني و ذهب في حال سبيله ..... عندها تحركت في داخلي هواجس تخللتها لحظات شجن و عرفت بأننا و قعنا بين رجال لا يعرفون الوطن و لغتهم الوحيدة الطاعة للمال و يا لها من لحظات مرت بي تمنيت أن تكون كابوس ينتهي مع اليقضة من النوم ، و لكنه ظل يلاحقني لا لشئ إلا لكونه .. واقع .... حقيقة ، حلت علينا و حيوان مفترس غرس أظافره و أنيابه في جسدنا النحيل .

مواطن ليبي من كندا


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home