Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأحد 25 اكتوبر 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

تبيان الجهل والبهتان في رد السعيطي على ملاحظات كهلان (5)

وقع خطأ مطبعي في الحلقة الماضية المنشورة في الرسائل[1] في السطر الثاني من آخر تعليق على السعيطي من تلك الحلقة في قولي (أولاً – هذا الحديث ليس ضعيفاً فحسب، بل موضوعٌ هالكٌ كما سننقله من تحقيق العلماء الموسع في سنده قريباً.) والصواب : (كما نقلناه) لأن النقل قد تقدم.

هذا وقد تنابحت كلاب الجهوية المنتنة البغيضة وسدنة الصوفية الضالة الجاهلة بما راق لبصائرها العمي وآذانها الصم وأفئدتها الهواء، وأفاضت في منكر من القول وهذيان سافل نثراً ونظماً منتحلاً أكثره بتصرف، وهي تعلم أنه ثرثرة كاذبة ومجادلة بالباطل وتحريف للكلم وقلب للحقائق، خبطت في ذلك المستنقع الآسن انتصاراً لصنيعتها الوضيعة (السعيطي) وتلميعا له زوراً وتضليلاً، وتنفيساً عن حقدها وحسدها وغيظ قلوبها على الكاتب الذي تعرفه جيداً، والذي بين بوضوح أن صنيعتها التالفة (السعيطي) من أجهل الجاهلين، فلما أن بهتتها الأدلة بقوتها وجلائها، ولم تستطع ردها، لجأت إلى نبز الكاتب وسبه زوراً وظلماً وعدواناً، عساه أن يتضايق من ذلك، فيترك الرد، وتسكن الرياح، فيسلم أهل الجهل والكذب من الكشف والافتضاح،وكم تعالى نباح تلك الكلاب وانتفخت أوداجها مدحاً كاذباً لموميائها المتهالكة (السعيطي)، وهمزيّةً منتحلةً[2] وتمجيداً مضحكاً - تدرك زيفه الصارخ وأنه أبعد ما يكون عن الواقع – ظناً منها أنها ستغيظني بتلك الشنشنة المهينة، وأنها تخفف عنها وعن كليبها وقع السقوط ودمغ الأدلة، فيشعر بالراحة ولو قليلا، فينتفض من وحله، ويبسط ذراعيه.

ومهما دربخت له في جهله وركضت في مهامه الزيف والبهتان، وأركست، وتمرغت في عرصات التلبيس والتزوير، فلن تبوء إلا بالخذلان، ولن  يزيدها ذلك التخبط إلا خيبة وخبالاً، وإلا خزياً لها ولكليبها " السعيطي" ومزيداً في قزامة عوده الخاوي الخرب وتآكله (ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون)  وسوف لن نلتفت إلى بيت العنكبوت الذي نسجته، وهو يتهاوى ببداهة النظر، ويحمل بطلانه بين طياته، فحكايته تغني عن رده  (ألا لعنة الله على الكاذبين).

وسنكمل ردنا بإذن الله وأنف الجهوية المنتنة والصوفية الجاهلة في أسفل سافلين، وكما قيل :

إنني صامد لهم فليردوا      هل تنال الرياح من طور سينا

قال السعيطي الجاهل: (خذ أيّها القارئ مثلاً من الأمثلة التي يضربها الكاتب للدلالة على أنّ عاطفته استولت على قلمه! وإذا ظهرت العاطفة على القلم، فلا تسمع إلّا غُلوَّا في القول، ومجازفة في الحكم، وجحوداً لكثير من الحقائق! هل رأيت طالب حقٍّ يجزم هكذا "التفسير الأضعف!" دون أن يُقيم دليلاً واحداً على هذا الجزم من كتاب الله ولا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!

وليكن الكلام على هذه النقطة من وجوه:

الوجه الأول: اختلف سلف الأمّة في تفسير هذه الآية، ونقل المفسّرون أقوالهم في تفاسيرهم.

والمروي عن حبر الأمة هو ما ذكره الكاتب. والتفسير الذي ذكرتُه في الخطبة هو المروي عن سعيد بن جبير، ولم يُرو عنه – فيما وقفت عليه من المصادر – رجوعه عن هذا التفسير، وإن كان حبر الأمة قد ناقشه فيه. وقول سعيد بن جبير وافقه عليه عمرو بن شعيب والسُدِّي وغيرهما. وبه قال زين العابدين علي بن الحسين كما نقله المفسرون. بل هو رواية ابن جبير عن ابن عبّاس.

الوجه الثاني: حسبك شاهداً على أنّ وصفَ تفسير سعيد بن جبير بالأضعف مجازفةٌ أنّ كثيراً من محققي المفسرين ذكروا قوله هذا في موازاة قول ابن عبّاس دون الحكم عليه بأنّه (الأضعف!)، ارجع مثلاً إلى تفاسير كلٍّ من: الإمام القرطبي، والإمام ابن عطية، وأبوحيّان (إمام اللغة في زمانه)، والإمام الفخر الرازي، والإمام ابن جزي الغرناطي، والإمام الآلوسي.

الوجه الثالث: أن المعنى الذي ذكرتُه ظاهر في الآية. ولذلك رجحه بعض أئمة اللغة؛  كالزمخشري ـ إمام اللغة في زمانه ـ، والإمام اللغوي المجد الفيروزبادي ـ صاحب القاموس المحيط ـ فسدّدوا النظر وأصابوا المرمى!

الوجه الرابع: أنّ غاية ما استدلّ به الكاتب قول ابن عبّاس رضي الله عنهما، وهو بلا شك تفسير لصحابي جليل، لكنّه ليس نصّاً شرعياً بدليل مخالفة بعض علماء السلف له كالحسن البصري وغيره بأقوال أخرى في الآية غير القولين المذكورين.

ولم يزل العلماء ينقلون لنا العبارة المشهورة عن سلفنا الكرام بأنّ "الكلّ يؤخذ منه ويُرد إلّا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم".

من أجل ذلك لم يأخذ ابن تيمية ولا ابن القيّم بقول حبر الأمّة وترجمان القرآن في تأويل بعض الصفات. ولو كان تفسيره مُلزماً لما عدلا عنه إلى غيره [أنظر تفسير ابن كثير عند قوله تعالى: {والسماء بنيناها بأيدٍ وإنّا لموسعون} وقوله تعالى: {يوم يكشف عن ساقٍ ويُدعون إلى السجود فلا يستطيعون} مثلاً].

الوجه الخامس: قوله: "وتجاهل التفاسير المشهورة". قد بيّنت أنّ ما ذكرته مشهوراً كذلك بالدليل. وخطبة الجمعة ليست درساً للتفسير يُناقش فيها أقوال المفسرين بأدلتها.

الوجه السادس: قوله: "وممّا يُردُّ به على تفسير الخطيب أنّ السورة مكّية". كون هذه الآية مكّية مُختلف فيه. وهب -أيها القارئ- أنّ الآية مكية فهل حبّ آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن مشروعاً في مكّة قبل الهجرة ؟!)

التعليق : =

أولا – تحقيق القول في معنى الآية :

إن التفسير الصحيح للآية هو ما ذكره ابن عباس واعتمده جمهور المفسرين: (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ { إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَجِلْتَ، إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ فَقَالَ إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ الْقَرَابَةِ. رواه البخاري. وهو الذي يشهد له سياق الآية الذي يؤيد مكية السورة، فالحديث من أول السورة يحاجِجُ بو ضوح مشركي مكة، ويزيده سياق الآية المباشر في ما تقدمها أو تلاها من الآيات وضوحًا وجلاءً.

فنص الحديث يدل على أن المسؤول ابن عباس حبر الأمة وليس ابن جبير.

وطاوس والشعبي وغيرهم من التابعين يقدمون ابن عباس في السؤال عن التفسير على غيره فهو المسئول في المجلس، لكن سعيد ابن جبير أسرع إلى الجواب قبل ابن عباس ( وإسراعه يدل – والله أعلم - على أنه قال بما تبادر إلى ذهنه دون النظر في مقام الخطاب في الآية وسياقها، ويدل على ذلك رواية " فابتدر سعيد" الآتية ) فقال له ابن عباس :( عجلت) يعني أنك استعجلت في تفسير الآية فأخطأت المراد منها، ولم يتكلم ابن جبير بشيء يؤيد ما ذهب إليه، بل سكت، وهذا أقرب أن يدل ضمناً على رجوعه عن تفسيره إلى تفسير ابن عباس.

ولا تصح رواية ابن جبير عن ابن عباس تفسيرَ  القربى في الآية بقربى آل محمد (كما تبادر إلى ذهنه )، يقول الحافظ ابن حجر في الفتح : (وَهَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ سَعِيد بْن جُبَيْر قَدْ جَاءَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَته عَنْ اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق قَيْس بْن الرَّبِيع عَنْ الْأَعْمَش عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ قَالُوا يَا رَسُول اللَّه مَنْ قَرَابَتك الَّذِينَ وَجَبَتْ عَلَيْنَا مَوَدَّتهمْ ؟ الْحَدِيث ، وَإِسْنَاده ضَعِيف ، وَهُوَ سَاقِط لِمُخَالَفَتِهِ هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح) انتهى. يعني بالحديث الصحيح حديثَ البخاري المتقدم.

وتفسير القربى بآل محمد كما بدر من ابن جبير وغيره، وردده مقتصراً عليه الجاهل السعيطي ليس بالأضعف كما ذكر أخونا كهلان فحسب، بل هو باطل من عدة أوجه :-

الوجه الأول :- أنه يقتضي أن يكون المخاطبون المؤمنين في قوله تعالى: (قل لا أسألكم ) الآية إذ هم الذين يمكن أن تتأتى منهم مودة أقارب النبي صلى الله عليه وسلم الذين هم (عليٌّ وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم) كما جاء في بعض الآثار واعتمده السعيطي في خطبته، وكون الخطاب للمؤمنين يبطله سياق الآية ويناكده مقام خطابها ابتداء من قوله تعالى:( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله...) الآية. ولم يرد خطاب للمؤمنين ولا ذكر لهم إلا تعقيبا لتبشيرهم بالجنة بعد توعد الكفار بالعذاب كما هي عادة القرآن، والآية التي بعدها أيضا كانت في الحديث عن الكافرين في قوله تعالى:(أم يقولون افترى على الله كذباً) الذي هو التفات من الخطاب إلى الغيبة في الحديث عنهم فمعاد الضميرين (الخطاب والغيبة) في الآيتين واحد.

الوجه الثاني : - أن مَاصْدَقَ ( كذباً ) – بزعم الكافرين – في الآية التالية ( أم يقولون افترى على الله كذبا ) وماصدق ضمير الغيبة في ( عليه ) في الآية السابقة ( قل ما أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ) واحدٌ وهو القرآن، فجملة (أم يقولون افترى على الله كذباً) إضراب انتقالي تقفيةً لسؤالهم عليه ( القرآن ) مودة الرسول مراعاةً لوشيجة الرحم بذكر موقفهم من القرآن واتهامهم الرسول صلى الله عليه وسلم بافترائه على الله، وهذا يزيد اعتبارَ الالتفات من الخطاب إلى الغيبة تحققاً وتقريراً، فالمسؤول في الآية الأولى والقائل في تاليتها واحد، وهم المشركون لأنهم الذين تكرر في القرآن الحديث عنهم بـ( أم يقولون افتراه ) وما في معناه مثل (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها ) وأمثاله مما يزيد مكية السورة توكيداً وتمكناً، ويُبْعِد تفسير القربى في الآية بـ(آل محمد) كما تبادر لابن جبير وغيره لعدم تناسبها مع أحوال الكافرين كما في الوجه التالي.

الوجه الثالث : - أن الآية مكية لا وجود للحسن والحسين عند نزولها ( إن قيل بانحصار آل البيت في الأربع) فإن قيل بالعموم في أهل البيت وهم موجودون بمكة قلنا إنه لم يعرف من الكفار أن تعلقت إرادتهم بتخصيص أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذى حتى يُسألوا المودة فيهم، بل كان أذى المشركين ينال الرسول صلى الله عليه وسلم والمستضعفين من المؤمنين أياً كانوا، مع أن بعض آل النبي في مكة كانوا كافرين، فلا يتعلق بسؤال المودة لهم غرض. فلو قيل إن حصر بني هاشم مع الرسول في شعاب مكة يناكد هذا، قلنا إن المقصود بهذا الحصار إنما هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نال آلَ هاشمٍ من ذلك كان تبعاً له صلى الله عليه وسلم حيث لم يُسْلموه ولم يتخلوا عنه، فليس يُعقل أن يُسأل الكفار على القرآن مودة آل الرسول وذوي قرباه - ورسو ل الله  صلى الله عليه وسلم هو المقصود بالأذى - دون أن يسألوا مودته هو عليه الصلاة والسلام الذي جاء برسالة القرآن، وعاداه الكفار من أجلها، فلو أن الكفار - والحالة هذه - رفعوا  الحصار  عن بني هاشم جميعا ما عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفيكون هذا مجدياً لدعوة القرآن سائغًا أن يُسألوه عليه؟ الجواب لا، إذ ما المفيد لدعوة الاسلام من رفع الحصار عن بني هاشم و رسولها محاصر منبوذ في شعاب مكة؟.  وكون سؤال المودة على القرآن ثابت سواء قدرنا الاستثناء متصلاً أو منقطعاً لأن معنى الاستدراك المفهوم من الانقطاع يربط المستدرك به بالمستدرك عليه في هذا الاعتبار. والله أعلم

الوجه الرابع :- لو سلمنا أن الخطاب للمؤمنين  والآية مدنية فَلِمَ يُسألون المودة لأقارب الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وما الداعي لذلك؟ ولَمْ يصدر عن المسلمين من المهاجرين والأنصار أيُّ جنف أو حيف على أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يتصور أن يصدر منهم، فإن قيل تنبيهاً للمؤمنين حتى لا يؤذوهم مستقبلاً قلنا هذا من باب الوصاة بهم، وقد جاءت بذلك أحاديث صحيحة صريحة مغنية عن تلمسها من هذه الآية تمحلاً وتكلفاً.

الوجه الخامس : - لو سلمنا جدلاً أيضًا بمدنيتها والخطاب للكافرين الموجودين بالمدينة من اليهود والمنافقين فما الداعي أن يُسألوا المودة لأقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولم يخصوا آله بأي أذى، بل كان أذاهم له نفسِهِ صلى الله عليه وسلم بإخلاف عهده أو بأقوالٍ لامِزَةٍ لجنابه الكريم محادَّةً له وطعناً فيه، أو  إضمارِ الشرِّ له خفية والتأليبِ عليه.

الوجه السادس:-  أن ضمير الغائب (عليه) في الآية (قل لا أسالكم عليه ..)العائد إلى القرآن، مما يزيد هذا التفسير بعداً، فكيف يُحصَرُ سؤالُ الكافرين على القرآن في أن يوادوا آل محمد صلى الله عليه وسلم، إذ المفهوم من الآية – على هذا التفسير - أنه يسألهم على القرآن مودة قرباه والواقع أن المسؤول على القرآن الإيمان به أو على الأقل رفعُ الأذى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والتخليةُ بينه وبين الناس حتى يدعوهم إلى الله ويبلغهم وحيه، مما يوافق  تفسير ابن عباس الذي يدل على أنهم سُئلوا مودة الرسول لقرباه منهم ومراعاةِ رحمِهِ التي يترتب عليها الإصغاءُ إليه (الذي يقود إلى الإيمان غالبا)ونصره والتخليةُ بينه وبين من يؤمنون به أو من يريد دعوتهم، ولم يُسألوا مودة آله التي لا يظهر لها تعلق مباشر بالأصل الأهم المطلوب منهم إزاء القرآن، وهو الإيمان.

الوجه السابع :- أن أسلوب  (قل لا أسألكم عليه أجرًا) تكرر في القرآن كثيرًا مخاطَبًا به الكافرون، فالأصل أن تكون آية الشورى هنا موجهة إليهم أيضاً غيرَ شاذةٍ عن نظائرها  حيث لم يكن من عادة القرآن أن توجه لغيرهم من المؤمنين لأن عدم سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم الأجر على القرآن متقررٌ عند المؤمنين ومعروفٌ لديهم، وإذ قد خوطب بها الكفار فتفسيرها بآل محمد ( كما أسلفنا) لا يتناسب مع حالهم.والله أعلم.

الوجه الثامن : -  قوله تعالى: ( قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله) يدل على أن الأجر هنا إنما هو الإيمان وما يتصل به، وهو راجع إلى مصلحتهم هم، وليس أجرًا للنبي صلى الله عليه وسلم ويستبعد أن يَسألهم على القرآن مودة قرباه التي ظاهرها أنها راجعة إلى ما قد يُعتبر آيلاً لمصلحة الرسول عليه الصلاة والسلام وأجراً له ولو من بعض الوجوه، وأحسن ما يفسر به القرآن هو القرآن، والله أعلم.

وذكر ابن تيمية  في منهاج السنة وجوها أخرى لإبطال هذا التفسير قد يتداخل بعض معانيها فيما ذكرنا منها :

الأول -: إن هذه الآية في سورة الشورى وهي مكيّة باتفاق أهل السنّة، بل جميع آل حم مكيّات، وكذلك آل طس. ومن المعلوم أن عليًّا إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد غزوة بدر، والحسن ولد في السنة الثالثة من الهجرة، والحسين في السنة الرابعة، فتكون هذه الآية قد نزلت قبل وجود الحسن والحسين بسنين متعددة، فكيف يفسر النبي الآية بوجوب مودة قرابة لا تعرف ولم تخلق بعد ؟!

    الثاني : أن تفسير الآية الذي في الصحيحين عن ابن عباس يناقض ذلك.ففي الصحيحين عن سعيد بن جبير قال : سئل ابن عباس عن قوله تعالىقُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى([3])، فقلت : أن لا تؤذوا محمدا في قرابته. فقال ابن عباس : عجلتَ، إنه لم يكن بطن من قريش إلا لرسول الله فيهم قرابة، فقال : لا أسألكم عليه أجراً، لكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم.

فهذا ابن عباس ترجمان القرآن، وأعلم أهل البيت بعد عليّ،يقول : ليس معناها مودة ذوى القربى، لكن معناها : لا أسألكم يا معشر العرب ويا معشر قريش عليه أجرا، لكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم، فهو سأل الناس الذين أُرسل إليهم أولا أن يصلوا رحمه، فلا يعتدوا عليه حتى يبلّغ رسالة ربه.

الثالث : أنه قال : لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى، لم يقل : إلا المودة للقربى، ولا المودة لذوى القربى. فلو أراد المودة لذوى القربى لقال : المودة لذوى القربى.

الرابع : أن يُقال : إن النبي لا يسأل على تبليغ رسالة ربه أجراً ألبتة، بل أجره على الله، كما قال قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ([4]) .وقوله : أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ([5]) ،وقوله : قُلْ مَا سَأَلْتُكُم عَلَيْهِ مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِن أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ([6]) .

ولكن الاستثناء هنا منقطع، كما قال : قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِّنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً([7]) .

ولا ريب أن محبة أهل بيت النبي واجبة، لكن لم يثبت وجوبها بهذه الآية، ولا محبتهم أجر للنبي ، بل هو مما أمرنا الله به، كما أمرنا بسائر العبادات.

فمن جعل محبة أهل بيته أجراً له يوفِّيه إياه فقد أخطأ خطأً عظيما، ولو كان أجراً له لم نثب عليه نحن، لأنَّا اعطيناه أجره الذي يستحقّه بالرسالة، فهل يقول مسلم مثل هذا ؟!

الخامس : أن القربى معرّفة باللام، فلا بد أن يكون معروفا عند المخاطبين الذين أُمر أن يقول لهم : قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا انتهى كلام ابن تيمية رحمه الله. 

فكلما قلبت تفسير الآية المنسوبَ لابن جبير على أي وجه وجدته باطلاً، وإن ذكره علماء التفسير استطراداً واستيعاباً لكل ماذكر في الآية، أو تبادر لعالم من سادة التابعين أو غيره دون تروٍ في النظر بسبب ما كان يعانيه آل البيت من أذى آنذاك، أو استأنسَ له أسيرٌ من أهل البيت استرواحاً من ضرٍ مسه مظلوماً ([8]).

وربما كان لخطور هذا التفسير في ذهن من أُثِر عنهم ظروفٌ معيشَةٌ في تلك العصور، وقد كان من أهل البيت المَوتور والمقهور، فسبق إلى أذهان بعض أهل العلم هذا المعنى دون استجلاء لوازمه  وتقصي سياقاته ومقتضى مقامه،  يقول الشيخ الطاهر ابن عاشور عند تعرضه لهذا المعنى في الآية : (  وما فَسر به بعض المفسرين أن المعنى : إلا أن تودّوا أقاربي تلفيق معنى عن فهم غير منظور فيه إلى الأسلوب العربي، ولا تصح فيه رواية عمن يعتد بفهمه).

وقال قبل ذلك مؤيداً للمعنى الوارد عن ابن عباس ومعضداً له : (ومعنى الآية على ما يقتضيه نظمها : لا أسألكم على القرآن جزاء إلا أن تَوَدُّوني ، أي أن تعاملوني معاملة الوِدِّ ، أي غير معاملة العداوةِ ، لأجل القرابة التي بيننا في النسب القرشي.

وفي «صحيح البخاري» و«جامع الترمذي» سئل ابن عباس عن هذه الآية بحضرة سعيد بن جبير فابتدر سعيد فقال : قُربى آل محمد، فقال ابنُ عباس : عَجِلْتَ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة ، فقال : إلاّ أنْ تَصِلُوا ما بيني وبينكم من القرابة . وذكر القرطبي عن الشعبي أنه قال : أكثرَ الناسُ علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عنها فكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوسط الناس في قريش فليس بطن من بطونهم إلا وقد وَلَدَهُ فقال الله له : { قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى } إلاَّ أن تَوَدوني في قرابتي منكم ، أي ترَاعُوا ما بيني وبينكم فتصدّقوني ، فالقربى ههنا قرابة الرحم كأنه قال : اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنُبوءةِ . انتهى كلام القرطبي ) انتهى ما ذكره ابن عاشور.

وقال ابن كثير :( والحق تفسير الآية بما فسرها به الإمام حَبرُ الأمة، وترجمان القرآن، عبد الله بن عباس، كما رواه عنه البخاري [رحمه الله] ولا تنكر الوصاة  بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة، من أشرف بيت وجد على وجه الأرض، فخرًا وحسبًا ونسبًا، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم، كالعباس وبنيه، وعلي وأهل بيته وذريته، رضي الله عنهم أجمعين ). 

وقال الطبري: (وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب، وأشبهها بظاهر التنزيل قول من قال: معناه: قل لا أسألكم عليه أجرا يا معشر قريش، إلا أن تودّوني في قرابتي منكم، وتصلوا الرحم التي بيني وبينك.

وإنما قلت: هذا التأويل أولى بتأويل الآية لدخول"في" في قوله:( إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ، ولو كان معنى ذلك على ما قاله من قال: إلا أن تودوا قرابتي، أو تقربوا إلى الله، لم يكن لدخول"في" في الكلام في هذا الموضع وجه معروف، ولكان التنزيل: إلا مودّة القُربى إن عُنِي به الأمر بمودّة قرابة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، أو إلا المودّة بالقُرْبَى، أو ذا القربى إن عُنِي به التودّد والتقرب. وفي دخول"في" في الكلام أوضح الدليل على أن معناه: إلا مودّتي في قرابتي منكم، وأن الألف واللام فى المودّة أدخلتا بدلا من الإضافة، كما قيل:( فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) وقوله:"إلا" في هذا الموضع استثناء منقطع. ومعنى الكلام: قل لا أسألكم عليه أجرا، لكني أسألكم المودّة في القُربى، فالمودّة منصوبة على المعنى الذي ذكرت. وقد كان بعض نحويي البصرة يقول: هي منصوبة بمضمر من الفعل، بمعنى: إلا أن أذكر مودّة قرابتي.) 

أما التفسير الثالث للآية وهو أن معنى ( إلا المودة في القربى ) إلا أن توادوا الله بالتقرب إليه بفعل الطاعات كما قال الحسن البصري وغيره ففيه تكلف أيضا، وإن كان معناه صحيحاً صالحاً أن يُسأله  المؤمنون والكافرون، لكن فهمه من الصياغة اللغوية للآية لا يخلو من تكلف، ولم يكن من شأن القرآن أن يسأل التقرب إلى الله الذي هو عمدة هذا الدين وأساسه بألفاظ خفية الدلالة على ذلك، بل كان يطلب ذلك ويأمر به بأسلوب مبين جلي في دلالته، وقد تكرر في القرآن كثيرًا ( يأيها الذين أمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) ( يأيها الناس اتقوا ربكم ) ( يأيها الناس اعبدوا ربكم ) والآيات في هذا المعنى لا تحصى كثرة، فلِم يُصار  إليه في هذه الآية مع خفائه وعناء استجلاء دلالتها عليه؟ وتفسير ابن عباس أحق بها وأسعد بسياقها ونظمها.

وثم تفسير رابع أيضا وهو (إلا أن تودوا أقاربكم) ذكره الطبري وحكاه ابن رزق الحنبلي بصيغة التضعيف(قيل) في تفسيره (رموز الكنوز) وغيرُهما، وهو أيضاً متكلفٌ بعيدٌ، إذ الخطاب للكافرين اعتداداً بمكية السورة وسياق الآية كما تقدم، فلا تناسب بين موادة الكافرين أقاربَهم وبين القرآن حتى يسألوا تلك الموادة عليه، ولا يتعلق بتلك الموادة غرض إلا أن يعنى بذلك موادة الرسول لكونه من قرباهم، فتؤول إلى التفسير الأول، وعندئذ يستغنى عن هذا التفسير بالأول ولا معنى للعدول عنه إلى هذا لقرب ألأول ووضوحه وثبوته عن حبر الأمة رضي الله عنه. والله أعلم. وسيأتي مزيد نظرٍ في أقوال المفسرين  إن شاء الله. 

يتبع بإذن الله وتوفيقه.

أبو أيوب الأثري


(1) لقد جهدنا في سؤال الدكتور اغنيوه أن ينشره في الصفحة الرئيسية وقلنا له إنه ردّ على ما كٌتب في الصفحة الرئيسية فأبى ذلك ولا ندري ما السبب رغم أنه ينشر مقالات الخصوم في الصفحة الرئيسية والحياد يقتضي أن يُنْشَرَ لكلا الخصمين في نفس المكان. 

(2) المشهور المعروف بين الناس أن الهمزية في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تُعرف بين الناس همزية في مدح غيره، ولكن هؤلاء الجهلة تعنتوا في تعصبهم فخرجوا بهذه المهزلة، وليهزّ الممدوح أعطافه فإن البردة في الطريق، وحبل الجهل على الغارب.   

(13) الآية 23 من سورة الشورى.

4(4) الآية 86 من سورة ص.

(15) الآية 40 من سورة الطور.

6(6) الآية 47 من سورة سبأ.

(77) الآية 57 من سورة الفرقان.

(88) إشارة إلى ما صدر من علي بن الحسين زين العابدين من تفسيرٍ للآية بالقربى وهو مكبل سجينٌ بالشام.


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home