Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأحد 25 يوليو 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

الجريمة والدين (2)

لم يكن القصد من وراء مقالتي السابقة الدعوة الى الالحاد من خلال منبر جل زواره من المتدينين ولا الدعوة كذلك الى رفض الدين من أساسه , أعلم أن كثير من الناس وليس جميعهم على كل حال يحتاجون الى الدين في أوقات المحن والشدائد للتخفيف من معاناتهم , فقد أحد أصدقائي الايام الماضية أحد أبنائه فلم أجد من سبيل الى مواساته الا بالقول له أصبر ياصديقي فلله ما أخذ ولله ما أعطى وأسأل الله أن يبدل أبنك دارا خير من داره واهلا خير من أهله وان يجمعك به في دار الخلد, مع علمي الشديد أن من مات فات, أتينا من لاشئ ولا لشئ وسنعدود الى لاشئ,أتينا في صمت وسنعود في صمت أبدي, هذه هي الحقيقة المرة التي تأبى النفس البشرية قبولها.

يُحَطِّمُنا رَيبُ الزَمانِ كَأَنَّنا *** زُجاجٌ وَلَكِن لا يُعادُ لَهُ سَبكُ

لذا أقول لاصدقائي دائما إستمتعوا بحياتكم ولاتؤذوا غيركم -عيش و خللي غيرك يعيش - فأعمارنا قصيرة فلا نضيعها في الكره و البغض.

كان قصدي من مقالتي السابقة هو التأكيد على بعض الحقائق التي تتعلق بموضوع الاخلاق و الجريمة في المجتمعات البشرية عموما . وأكدت على ثلاث نقاط الاولى هي ان حاجة المجتمع للحد من الجريمة ليست الي الدين والرقابه الفوقيه وإنما الى القانون, والنقطة الثانية هي ان الاخلاق و القيم ليست ثابته بل تتطور ولحسن الحظ أنها تتطور دائما الى الافضل وبسرعة تتوافق مع سرعة العصر. والنقطة الثالثة هي ان الدين قد يرغم صاحبه على العمل ضد قناعاته او أخلاقه ,يقال ان الشخص الطيب لا يقوم الا بالافعال الخيرة والشخص السيئ لا يقوم إلا بالافعال الشريرة أما اذا اردت ان يقوم الشخص الطيب بالافعال الشريرة فأنت تحتاج الى دين .وهذا ما رأيناه في غزوة بدر عندما قتل الابن أباه وقتل الاب أبنه لا لشئ سوى ان معتقداتهم مختلفة , النبي أبراهيم هم بذبح أبنه لا لشئ إلا لرؤيا رآها في منامه ظن فيها أن ربه امره بذبح إبنه - لو قام بها شخص اليوم لسحبت السلطات أبنه منه فورا بدعوة أساءة معاملة الاطفال . أجريت دراسة قام بها عالم النفس الاسرائيلي جورج تامارين جمع لها الف طالب يهودي تتراوح أعمارهم من الثامنة وحتى الرابعة عشر وقدم لهم أستبيانا حول قصة النبي يوشع عقب دخوله مدينة أريحا ومافعل بها من دمار و قتل لرجالها وسبئ لنساءها واطفالها وحرق لنخيلها وقتل لحيواناتها جميعا , أما اواني الذهب والفضة والحلي فجعلها في بيت المال لانها مقدسة وخالصة للرب ,وكان السؤال كالتالي هل كان عمل يوشع والاسرائليين صحيحا؟ والخيارات كالتالي 1- اوافق بشكل كامل 2- لااوافق بشكل كامل 3-اوافق بشكل جزئي. فكانت التائج ان 66 بالمئة يقرون بصحة العمل الذي قام به يوشع وثمان في المئة يقرون ولكن بشكل جزئي وست بالمئة لايقرون بشكل كامل . قام العالم بتغيير اسماء أبطال القصة ومكانها واستبدالها بأسماء صينية , فكانت نتيجة الاستطلاع مغايرة تماما لما سبق سبعة في المئة فقط هذه المرة عدد الذين أقروا عمل السفاح الصيني.

وفي تجربة مماثلة أجريت في الاردن عن رجل في الخمسين من عمره يسكن أحد أحياء الاردن تزوج من فتاة تبلغ التاسعة ,فكان الاجماع حول رفض هذه الفكرة واصفة الكهل بأقبح الاوصاف , تؤكدان هاتان الدراستان علي شيئين ,الشئ الاول ان القيم والاخلاق تغيرت وتطورت والشيئ الثاني ان الدين يجعل الانسان يعمل ضد قناعاته الشخصية .

الانسان تطور في شكله وطريقة تفكيره وفي تصوره للحياة والكون وللظواهر الطبيعية ,وإختلفت نظرته حول حقيقية الرعد والبرق والسحاب والمطر والكسوف والخسوف والبراكين ولم يعد يخشى منها ولم يعد يحتاج الي تقديم الصلوات لاستجداء قوة خارقة غامضة غاضبة او تقديم القرابين لسدنتها .في القدم كانت المثلية أمرا مستهجنا ومستنكرا و كانت توقع بمن يمارسها اشد العقوبات كالحرق والذبح والالقاء بهم من اعالي البنايات اما الان فاصبح للمثليين منظماتهم التي تطالب بحقوقهم في ممارسة حياتهم, واصبح المجتمع البشري يتفهم وضعهم البيولوجي الخاص و الناتج عن أخطاء في ترتيب الشفرة الجنيية لاحماضهم النووية- الدي إن أي- وتؤكد الدراسات الطبية ان نسبة المثلية ثابتة في جميع المجتمعات وهي عشرة في المئة تقريبا , ليبيا مثل امريكا مثل السعودية مثل الصومال ,الا ان ظاهرة ممارسة اللواط والسحاق تزداد في البيئات التي تخضع للكبت الجنسي وخصوصا في معسكرات الجيوش أوقات الحروب وفي السجون والكنائس وخلوات تحفيض القرآن.

قد تكون الوصايا العشر التي كتبها البابليون القدماء – مشكورين- وتبناها اليهود ثم المسلمون من بعدهم قمة الرقي الاخلاقي في تلك الفترة الزمنية أما الان فإن القيم العصرية التي يؤمن بها اغلب سكان الارض تعتبر ارقى وافضل من قيم ذلك العصر القديم, وهذا لاينتقص من قدر أسلافنا القدماء ولكن لكل عصر قيمه وسيحدث ذلك معنا نحن أيضا فنحن لانعيش في نهاية التاريخ كما يقول فوكوياما بل ستستمر الحياة بعدنا عشرة مليارات سنة أخرى على الاقل ثم يتلاشى نجمنا الدافئ الجميل- الشمس- الذي أحاطنا دائما برعايته وكان سببا في وجودنا سيكون كذلك سببا في دمارنا في سيمفونية السوبر نوفا الدرامية.

الاخلاق العصرية - على الاقل نظريا حتى لايصم احدهم آذاننا بتلك الاسطوانة المشروخة بسجن ابوغريب وحصار غزة... الخ – ترفض الرق وسؤ معاملة الاطفال , الاخلاق العصرية لا تميز بين البشر على أساس لون بشرته او دينه او عرقه او جنسه رجل كان او إمرأة ,الاخلاق العصرية تدعو الى الرفق بالحيوان وحمايته من الانقراض ,الاخلاق المعاصرة تدعو الى حرية التعبير والاعتقاد والتنقل , هذه القيم الرائعة لم تكن وليدة العصر بل تطورت عبر آلاف السنين خطوة خطوة شارك في صياغتها حامورابي وإفلاطون و عيسى وابراهام لينكون وتوماس جيفرسون . وأنا على يقين ان هذه القيم يؤمن بها حتى المسلمون أنفسهم ولكن الدين يقف حائلا بينهم وبينها ويجعلهم يتصرفون ضد قناعاتهم الشخصية.

تحياتي

الحيران
Al_hayran2005@yahoo.de


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home