Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الإربعاء 25 أغسطس 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

افريقيا مسرح اللامعقول
(الولايات المتحدة الافريقية)

مقدمة :

يجمع علماء الاقتصاد وخبراء الستراتيجيا والمحللون السياسيون على ان الوهن بدأ يدب في جسد الولايات المتحدة ، وتغزو وجهها القبيح مظاهر الشيخوخة ليزداد قبحا ؛ حيث تتوالى فضائح انهيار الاقتصاد الاميركي ، الذي يعتبر في معظم اوجه تكوينه البنيوي اقتصادا خدميا يقوم على الصفقات والاوراق المالية والاستثمار في راس المال المالي ، اكثر من كونه اقتصادا حقيقيا (عينيا) يعتمد على القدرة الانتاجية ، رغم كونها اكبر دولة صناعية . فقد بدأ العد التنازلي لأزمة الولايات المتحدة (المالية والاقتصادية) بانهيار اسماء عملاقة في الاقتصاد الاميركي عام 2001 كشركة إنرون عملاق الطاقة في العالم ، ليصل عدد الشركات الاميركية التي اعلنت افلاسها في العام نفسه الى 186 ، ولتبلغ الازمة اوج استحكامها منذ العام 2007 تحت وقع دوي انفجار فقاعة الرهن العقاري وانهيار مؤسسات مالية كبرى كمصرف بيرستيرنز ومصرف ليمان برذرز ، وليفقد الدولار الاميركي اكثر من 40% من قيمته امام العملات الاخرى ، وهو العملة الورقية التي لا دعم حقيقيا لها يوازي قيمتها سوى سمعة قوة الاقتصاد الاميركي .

وبينما يقف العالم كله مذهولا جرّاء مشهد السقوط المدوي للحلم الاميركي ، الذي تجاوزت آثاره الكارثية صميم قلب النظام الاقتصادي/ السياسي للولايات المتحدة الاميركية ، فضلا عن جيوب دافعي الضرائب في الداخل ؛ لتطال اقتصادات الدول ومصالح المؤسسات والافراد في الخارج ؛ فإن العالم يجد نفسه مذهولا مرة اخرى - ولكن لاعتبارات مغايرة - جرّاء انطلاق دعوة لاستنساخ الحلم الاميركي الآفل ، في فكرة الولايات المتحدة الافريقية .

والسؤال الذي يطرحه انطلاق تلك الدعوة هو : هل تصلح النبتة الشيطانية الاميركية للاستنبات في التربة الافريقية الهشة ؟!

نظرة سريعة عامة الى الوراء :

عندما اعلن عن قيام الاتحاد الافريقي عام 1999 ، تباينت الآراء بشأنه منقسمة في اتجاهين اثنين ، ذهب أحدهما الى اعتبار ان قيام الاتحاد الافريقي يشكل انعطافا تاريخيا يوازي في اهميته قيام منظمة الوحدة الافريقية عام 1963 ، ويمثل الحدث الأهم في مسيرة افريقيا لصياغة مصيرها في عالم لم يعد فيه مكان للكيانات القزمية الرخوة . وتبلور الاتجاه الثاني في رأي مؤداه أن الأمر لا يعدو كونه استبدال اسم بآخر في عملية استيراد سياسي تستنسخ تجربة الاتحاد الاوربي ، للتطبيق العبثي في واقع شعوب وقارة غارقة في التخلف ، لم تزل ترسم جغرافيتها بالدم ، ولم تتضح امامها بعد آفاق اتحاد خديج يجر وراءه ذيول ماض بائس لم تعرف الحضارة اليه سبيلا ، فضلا عن ان يعرفه التحرر الاقتصادي او السياسي او الفكري .

فماذا كانت محصلة تجربة الاتحاد الافريقي منذ تاريخ قيامه حتى الان ؟

قراءة في الواقع :

الان ، وبعد مضي عقد من الزمن على دخول قانون تأسيس الاتحاد الافريقي حيز النفاذ ، وبالرغم من الجهود الفادحة التي تبذل في غرفة الانعاش (الدولي عموما والليبي خصوصا) متمثلة في ارقام دعم فلكية ، لجعل الحياة تسري في جسد الاتحاد الافريقي المتخشب ؛ فإن هذا الكيان لا زال يعاني من تعمق التخلف الاقتصادي وتفاقم التخلف الاجتماعي ، بنفس درجة معاناته من الضمور السياسي على صعيد موازين القوى الدولية..والإخفاق على كل صعد ادارة الشأن العام الداخلي ؛ الامر الذي يعطل نمو دول القارة الى درجة الشلل الكلي ، ويزداد معه نفاذ صبر المجتمع الدولي والدول المانحة ، جراء الفشل في ترشيد الحكم وتقليص الفساد في القارة ، مقابل المعونات وتخفيف اعباء الديون ، كما تقول بيانات مؤشر التنافسية في افريقيا ومؤشر الرخاء العالمي (ليغاتوم) ومركز النزاهة المالية العالمية .

وبالانتقال من لغة الادبيات السياسية الى لغة القراءة الموضوعية والتقييم البارومتري للواقع الافريقي ؛ فإن المؤشرات كافة (مدركات الفساد ، التنمية البشرية ، النمو الاقتصادي ، حرية الصحافة ...) تلتقي على الساحة الافريقية في نقطة تقاطع واحدة هي (الفشل) .

- فالحروب الاهلية والصراعات السياسية المحلية العنيفة ذات الابعاد الإثنية والقبلية ، التي تغذيها النخب الحاكمة وترعاها مافيات المال والاعمال الخارجية ؛ تهدد الوحدة الترابية لدول الاتحاد ، فضلا عن كيان الاتحاد ذاته (كينيا ، الكونغو ، بوروندي ، النيجر ، نيجيريا ، الصومال ، تشاد ، السودان / نموذجا) .

- والحروب المحدودة والنزاعات المسلحة بين دول الاتحاد ، ما ان تهدأ لبعض الوقت حتى تندلع من جديد في جو من التوتر الحاد ، قد يقف عند حدود الاحتكاك الحذر ، وقد يتطور الى حرب طاحنة ممتدة في المكان والزمان ( الكونغو ، ارتريا ، اثيوبيا ، السودان ، تشاد ، اوغندا ، بوروندي ، الصومال / نموذجا) .

- والمديونية تستنزف الناتج الاجمالي للقارة ، وترهق باعبائها الدخل القومي والموازنات السنوية لدول الاتحاد ؛ بالرغم من اعفاءات نادي باريس ومبادرة الهيبك ، وبالرغم من مساعدات صندوق النقد والمصرف الدوليين ومؤتمرات الدول المانحة ، حتى ان العجز يبلغ نسبة 150% من الناتج الاجمالي ونسبة 600% من اجمالي قيمة الصادرات الافريقية ، وفقا لبيانات المصرف الدولي للانشاء والتعمير.

- ومجمل الاوضاع المعيشية لشعوب دول الاتحاد هي ما دون درجة الصفر المائوي ، سواء لجهة الواقع المعاش متمثلا في الفقر والجوع وتدني مستوى - بل وغياب - الخدمات الصحية والتعليمية وخدمات الصرف الصحي وتوفير المياه الصالحة للشرب .. أم لجهة الامال المعقودة على برامج وخطط التنمية الوهمية ؛ ومرد ذلك كله الى فقدان الارادة السياسية للنخب القبلية والاثنية والعسكرية الحاكمة الغارقة في الفساد.

- تفيد تقارير منظمة الشفافية الدولية ان افريقيا هي القارة الاكثر فسادا في العالم ، وانه من بين 44 دولة افريقية شملها مسح مؤشر الفساد عام 2005 مثلا ، حصلت 31 دولة على اقل من ثلاث درجات على عشر ، وحصلت 42 دولة افريقية على اقل من 3,4 درجات على عشر لعام 2009 .

حجم وتكلفة الفساد في دول الاتحاد الافريقي :

على الرغم من ان الثروات الكامنة والمتاحة للاستثمار التنموي التي تتوفر عليها دول الاتحاد الافريقي تقدر بما يتراوح بين 1,7 و 2 تريليون دولار ، في قطاعات الزراعة والمياه والسياحة ، وأن قيمة مخزوناتها المنجمية من النفط والغاز واليورانيوم والماس والذهب وغيرها من المعادن الاخرى ، قد تتجاوز 14 تريليون دولار ، وفقا لتقديرات المصرف الدولي للانشاء والتعمير ؛ فإن الأمل يظل ضعيفا جدا في ترشيد السياسات الاقتصادية والمالية والتنموية لنظم الحكم والنخب الحاكمة في دول الاتحاد ، وبالتالي فإنه ليس من المتوقع - في المدى المتوسط والمنظور - حصول اي تقدم يذكر باتجاه خروج القارة من التخلف المركب والشامل الذي تتخبط فيه من جراء تفشي الفساد .

- فمن بين 162 دولة شملها مسح مؤشر مدركات الفساد لعام 2007 ، احتلت المراتب الخمس الاخيرة منه : بوروندي/105 ، بينين/118 ، الكامرون/138 ، انغولا/147 ، افريقيا الوسطى/162 .

- ومن بين 180 دولة غطاها المؤشر للعام 2008 ، احتلت كل الدول الافريقية - عدا بوتسوانا - مراتب متدنية على مؤشر الفساد ، نكتفي هنا - للاختصار- بذكر اسماء الدول الاكثر فسادا منها في العالم ، التي جاءت في المراتب الست الاخيرة من المؤشر ، وهي : افريقيا الوسطى ، كوت دوفوار ،غينيا الجديدة / 151 < بوروندي ، الكونغو ، غامبيا ، غينيا بيساو ، سيراليون / 158 < زمبابوي / 166 < غينيا الاستوائية / 171 < تشاد / 173 < السودان / 175 .

- ومن بين 180 دولة شملها المسح لعام 2009 ، تخلفت كل الدول الافريقية - عدا بوتسوانا مرة اخرى - في ترتيبها على مؤشر مدركات الفساد ، نذكر منها على سبيل المثال : الكامرون ، زمبابوي، كينيا ، سيراليون / 146 < كوت دوفوار ، غينيا الجديدة / 154 < افريقيا الوسطى / 158 < انغولا ، الكونغو برازافيل ، الكونغو الديمقراطية ، غينيا بيساو / 162 < بوروندي ، غينيا الاستوائية ، غينيا /168 < تشاد / 175 < السودان / 176 < الصومال / 180 .

ويشير التقرير الصادر عن البنك الدولي تحت عنوان : (مؤشرات التنمية في افريقيا لعام 2010) الى انه من المرجح ان يكون حجم الاموال المهربة من افريقيا الى الخارج حوالي 1,8 تريليون دولار ، في شكل حسابات سرية واستثمارات خاصة للنخب الفاسدة المهيمنة سياسيا واقتصاديا على مقدرات دول القارة ؛ حيث احتلت نيجيريا المرتبة الاولى بمبلغ 89,5 مليار دولار ، واحتلت مصر المرتبة الثانية بنحو 70,5 مليار دولار . واشار التقرير الى ان حجم الاموال المهربة الى الخارج سنة 2008 تجاوز قيمة الناتج المحلي للقارة بنسبة 7% .

وجاء في تقرير لمنظمة الامم المتحدة للتجارة والتنمية (اونكتاد) ان نسبة رؤوس الاموال الخاصة المهربة للخارج الى اجمالي الناتج المحلي لدول القارة تتراوح بين 7 - 8 % سنويا ، حيث تقدر بحوالي 400 مليار دولار خلال العقود الثلاثة الاخيرة .

المحصلة :

والخلاصة هي ان اشد قارات العالم فقرا وتخلفا ، هي في الوقت ذاته اشدها فسادا واستعصاء على الاصلاح ؛ وبالتالي فإن اي جهد يبذل باتجاه ما يسمى بالولايات المتحدة الافريقية لن يكون سوى حرث في البحر ومصادرة - او بالاحرى مراهنة - على الوهم ؛ فضلا عن كون الامر نوعا من التماهي الانبهاري مع الحلم الاميركي الآفل .

محمد ابراهيم زكري
Zakri50@yahoo.com


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home