Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأربعاء 24 يونيو 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

مذبحة أعضاء هيئة التدريس الليبيين في الجامعات الليبية (2)

تناولنا في مقالنا الأول "مذبحة أعضاء هيئة التدريس الليبيين في الجامعات الليبية (1)" بعض المآسي التي يعاني منها قطاع التعليم العالي في ليبيا، والتي كان لها أكبر الضرر على التعليم العالي. وتكلمنا بوجه خاص على العقود التي فرضت مؤخرا على أعضاء هيئة التدريس الليبيين، وعلى بعض المشاكل التي ستسببها. ونستكمل في هذا المقال الكلام على نظام العقود هذا، مع عرض بعض الحلول المنطقية لحل مشاكل التعليم العالي، بعيدا عن الحلول التلفيقية والشاذة والفاسدة التي تلجأ إليها سلطة القطط عادة.

أولا– ما هو نظام العقود؟

التعاقد مع أعضاء هيئة التدريس الليبيين هو نظام ابتدعته سلطة القطط ، وفرضته على الأساتذة بموجب القرار البغدادي رقم 435 لسنة 2008، وبمقتضاه يتحول الأستاذ من موظف عام معيّن بقرار إلى مجرد مُسْتَخْدَمٍ يشتغل بعقد مؤقت، وذلك في مقابل زيادة مرتبه على ما كان يتقاضاه قبل توقيع العقد.

ثانيا– ما هي المشاكل التي سيتسبب فيها نظام العقود؟

من المعروف أن الموظف العام –أيا كانت جهة عمله– يتحمل مسؤوليات كثيرة، وتقع على عاتقه أعباء كبيرة، وكثيرا ما يتعرض للضغوط والتهديد من جانب بعض المسؤولين أو غيرهم من المتنفذين، لتمرير مآربهم، وتحقيق أطماعهم، ولو كانت مخالفة للقانون أو تنطوي على نهب للمال العام أو إخلال بالمساواة بين المواطنين أو غيرها من أوجه الفساد. ولأجل حماية الموظف من هذه الضغوط، لضمان قيامه بعمله وفقا للقانون بما يحقق المصلحة العامة، حصّنه قانون الخدمة المدنية (الصادر بالقانون رقم 55 لسنة 1976) ببعض المزايا، وأهمها أن شغله لوظيفته يكون بقرار تعيين، وليس بعقد، فقرار التعيين دائم من حيث المبدأ، ولا يخضع للتجديد كما العقود، كما أنه غير قابل للإنهاء، بل تنتهي خدمة الموظف المعيّن بأحد الأسباب المعروفة، وأهمها العزل لمخالفة ارتكبها، بعد التحقيق معه، واتباع كل الإجراءات المعروفة.

ولأن الأستاذ الجامعي الليبي يعمل الآن بعقد توظيف مؤقت (مدته من سنة إلى ثلاث سنوات عادة)، فإن باب الفساد مفتوح على مصراعيه، مما يجعل الأستاذ في موقع ضعيف جدا، ما دام استمراره في عمله، وحصوله على رزقه مرهون برغبات رؤسائه وأهوائهم، ومرهون بأهواء سلطة القطط، ومرهون أيضا برغبات الطلاب، حيث عمّم مركز جودة واعتماد مؤسسات التعليم العالي على الكليات مؤخرا نماذج استبيان تسلم للطلاب، يكتب فيها كل طالب رأيه في كل أساتذته، أي أن كل أستاذ يخضع للتقييم من جانب طلابه من عدة نواحي، فإذا تحصل الأستاذ على معدل ضعيف بموجب هذا الاستبيان، فلا يجوز تجديد عقده! ومن المعلوم لكل عاقل مجرب أن الطلاب الليبيين يفضلون الأساتذة المتهاونين والمتلاعبين وغير المتمكنين، لأن هؤلاء يعطونهم ما لا يستحقون، أما الأستاذ الحقيقي المتمكن فهو مكروه من معظم الطلاب، لأن غالبيتهم من الفاشلين أساسا، وهم يسجلون بالجامعات لنيل الشهادة وليس للتعلّم، فإذا كانت هناك غربلة ستجرى للأساتذة على أساس آراء الطلاب، فهذا يعني بقاء الأسوأ من الأساتذة وذهاب الأصلح، خلافا لما يريد مركز جودة واعتماد مؤسسات التعليم العالي تحقيقه أو يدعي أنه يريد تحقيقه. وبالنظر إلى كل ما سبق، عليه:

1. يخضع الأستاذ الليبي للإدارة ولسلطة القطط خضوعا تاما، ولأن الإدارة الليبية تعاني من الفساد بكل مستوياتها، فسيكون لزاما على كل أستاذ شريف أن يختار إما الانسياق وراءها إلى الفساد، بإنجاح طلاب فاشلين، وإجازة بحوث ماجستير ودكتوراه ضعيفة، والتغاضي عن الإساءات التي قد يتعرض لها من جانب طلابه أو غيرهم، وعمل كل ما تأمر به حرفيا عندما يكون الأستاذ عضوا في لجنة تحقيق أو مجلس تأديب أو لجنة امتحانات أو غيرها بما يؤدي إلى تضييع الحكمة من إسناد بعض المهام إلى لجان لا إلى أفراد– وإما فإن على الأستاذ إذا رفض التدجين أن يستعد لإنهاء عمله بمجرد انتهاء مدة عقده، بل ويجوز أيضا إنهاء العقد بغير حاجة إلى انتظار انتهاء مدته.

2. ولا ننسى أيضا أن الخلافات الشخصية تلعب دورا كبيرا في الإدارة الليبية، وإذا عرفنا أن تجديد العقد وفقا لنظام العقود يخضع لرغبات كل من رئيس القسم العلمي الذي يتبعه الأستاذ، ثم عميد الكلية، ثم مدير الإدارة العامة لأعضاء هيئة التدريس بالجامعة، ثم الأمين المساعد للشؤون العلمية بالجامعة، ثم عميد الجامعة، ثم أمانة التعليم والبحث العلمي (الوزارة) التي قد تتدخل لتحديد عدد الأساتذة الذين يجوز تجديد عقودهم، وتتدخل أيضا لاعتماد هذه العقود. عليه فإن أي خلاف يحدث بين الأستاذ وأحد هؤلاء يعني رميه في الشارع.

3. إذا كان من واجب الجامعات وأساتذتها أن يساهموا مساهمة فعالة في التنمية العامة للدولة بكل مجالاتها، بما يقومون بإجرائه من بحوث علمية متخصصة ذات مستوى عال في السياسة والاقتصاد والطب والاتصالات والتكنولوجيا وغيرها، فإن ذلك يقتضي أن يتمتع الأساتذة والجامعات بالحرية الأكاديمية أو حرية البحث العلمي، وفي غيابها لن توجد بحوث علمية حقيقية تصف المشكلة كما هي، وتعطي الحل المناسب لها. وهل يمكن أن توجد الحرية الأكاديمية أو حرية البحث العلمي في ظل نظام العقود المعمول به الآن؟ بمعنى: هل يستطيع أستاذ جامعي يعمل بعقد أن يجري بحثا في موضوع حوادث المرور مثلا، فيقول الحقيقة وهي أن كثرتها بسبب سوء شبكة الطرق التي ظلت كما هي منذ السبعينيات، بسبب إهمال سلطة القطط لها، ونهبها حتى للمبالغ المخصصة لصيانتها؟ هل يستطيع أستاذ جامعي يعمل بعقد أن يجري بحثا في موضوع الاتصالات، فيقول إن رداءة خدمات الهاتف والإنترنت في ليبيا التي تجمع بين سوء الخدمة وارتفاع الثمن مقارنة حتى بالدول المجاورة هي بسبب احتكار سلطة القطط لهذا القطاع الحيوي، ورفضها القاطع لقيام أية منافسة حقيقية فيه، بسبب ما يدره عليها من مبالغ هائلة، وبسبب استعمالها له للتجسس على المواطنين بالتنصت على مكالماتهم الهاتفية، ومراقبة تنقلاتهم على شبكة الإنترنت؟ هل يستطيع أستاذ جامعي يعمل بعقد أن يجري بحثا في موضوع الهجرة غير الشرعية للأفارقة عبر الشواطئ الليبية، فيقول إن انخراط الشباب الليبي فيها كان بسبب سوء الأوضاع المعيشية، وانعدام فرص العمل، وسواد المستقبل أمامهم في بلد تولته سلطة فاسدة نهبا وإفسادا وتخريبا في كل المجالات؟ كيف للأستاذ الجامعي أن يؤدي دوره الحقيقي فيكشف عن مكامن الفساد في الوقت الذي يكون اسمه فيه مكتوبا بقلم من رصاص؟

فالحاصل إذا أنه لا يمكن الكلام على وجود شيء اسمه الحرية الأكاديمية أو حرية البحث العلمي أو استقلال الجامعات في ليبيا مادام نظام العقود البغيض هذا قائما، ففي الوقت الذي كنا نطالب فيه بالإصلاح بضمان استقلال الجامعات وتوسيع حرية البحث العلمي، يفاجئنا البغدادي بقرار العقود ليزيد الوضع سوءا على ما كان قبله، وينهي حتى مجرد الآمال بتحقيق مستقبل أفضل للتعليم العالي في ليبيا، فسلطة القطط وطيلة فترة مسيرتها التخريبية تعتبر الجامعات وحرية البحث العلمي خطرا كبيرا عليها، فقامت بمحاربة كل من يقول لها لا أو حتى من ينتقد أعمالها، والآن في ظل نظام العقود تستطيع التخلص من كل المطالبين بالإصلاح وكل منتقديها بطريقة قانونية ظاهريا، بدل اللجوء إلى الأساليب الملتوية التي كانت تستخدمها قبل العمل بنظام العقود، أي أن نظام العقود وضع لشرعنة التخلص من أساتذة الجامعات المطالبين بالإصلاح، لأن التخلص منهم بالطرق القديمة يزيد وجه سلطة القطط القبيح قبحا أمام العالم.

4. وضع نظام العقود بحجة واهية، وهي زيادة مرتبات أعضاء هيئة التدريس الليبيين، بعدما احتج بعضهم على زيادة مرتبات زملائهم الأجانب لتصبح أضعاف مرتبات الأساتذة الليبيين. ولكن مرتبات الأجانب ظلت مع ذلك أضعاف مرتبات الليبيين، فالحاصل أن نظام العقود كان فخا ساعد بعض السفهاء من الأساتذة في نصبه، وكان الطعم زيادة المرتبات، فوقع الجميع في الفخ دون أن يأكلوا حتى الطعم كله! تصورا مدى هذا التمييز العنصري ضد المواطن الليبي في بلده لمصلحة الأجانب: يحملان درجة علمية واحدة (الدكتوراه) وفي نفس التخصص (الطب البشري في هذا المثال)، ويشغلان الدرجة الوظيفية ذاتها (أستاذ مساعد مثلا)، ولهما أقدمية واحدة، ويعملان في نفس القسم، ويتساويان في عدد الساعات التي يقومان بتدريسها أسبوعيا، ولكن المرتب الأساسي للأستاذ الليبي هو 1750 د.ل شهريا، أما الأجنبي فمرتبه الأساسي 7056 د.ل شهريا!!! لا لشيء إلا لأن أحدهما ليبي والآخر أجنبي!!! ومن لا يصدق ذلك فعليه تحميل القرارين 434 و 435 لسنة 2008 الخاصين بالعقود من موقع البغدادي ويتأكد بنفسه. وعلينا ألا ننسى أن بالإمكان زيادة مرتبات الأساتذة الليبيين حتى من دون عقود ومن دون تعديل القانون 15 (أكرمكم الله)، وذلك بوضع قانون خاص للجامعات كما كان سابقا قبل عام 1992 كما ذكرنا في مقالنا الأول، هذا إذا كان الغرض الحقيقي هو زيادة المرتبات، وليس شيئا آخر. وعلينا ألا ننسى أيضا أن الأساتذة الأجانب الموجودين في ليبيا الآن في غالبيتهم من المستوى الثالث أو المستوى الرابع، وهم لا يقارنون أبدا بزملائهم الليبيين علما، وإنصافا للطلاب، وتواصلا معهم، وقدرة على إيصال المعلومة إليهم، واحتراما لأخلاقيات المهنة– أقصد الأساتذة الليبيين الحقيقيين، وليس الذين فرضتهم سلطة القطط على الجامعات في إحدى جناياتها السابقة على التعليم من الموفدين الفاشلين الذين تم اختيارهم على أسس قبلية سافرة، ومن أصحاب الوساطة وغيرهم.

كل هذه الكوارث حدثت بسبب انحطاط تفكير الطبيب الدعي الذي قبل أن يوقع كل شيء باسمه.

ثالثا – ما هو الحل الحقيقي لمشاكل التعليم العالي في ليبيا؟

لن تكون هناك حلول حقيقية وجذرية لمشاكل التعليم العالي إلا بوجود دستور يذكر فيه صراحة أن الجامعة مؤسسة علمية مستقلة قائمة بذاتها، فلا تتبع اللجنة الشعبية العامة للتعليم ولا اللجنة الشعبية العامة، وتلغى كل السلطة الكبيرة التي تتمتع بها اللجنة الشعبية العامة على الجامعات، بل يصدر قانون للجامعات ينظم كل شؤونها، وأولها شؤون الطلاب (الدراسة والتأديب والامتحانات)، وشؤون أعضاء هيئة التدريس (تعيينهم وترقياتهم ومستحقاتهم المالية وإيفادهم ونظامهم التأديبي)، بما يكفل استقرار هذه الأنظمة، وعدم التلاعب بها، وعدم استغلالها للنيل من الجامعات بأي طريقة، وتلغى كل البدع التي أحدثتها سلطة القطط وأهمها العقود والساعات الإضافية، لتدعيم استقلال الجامعات ورد اعتبارها، وإحياء حرية البحث العلمي. وكل ذلك يقتضي أن تتمتع الجامعات بميزانية مالية مستقلة، مع خضوعها لرقابة مالية قوية كالتي كانت موجودة أيام ديوان المحاسبة.

وينبغي كذلك أن تستقل كل جامعة بإدارة شؤونها، وأن يتم اختيار عميد الجامعة وعمداء الكليات بالانتخاب كما هو معمول به في الجامعات العريقة في العالم، وليس بالتعيين من سلطة القطط، لأنه وكما ذكرنا يجب ألا تكون للقطط أي سلطة على الجامعات، وترك تعيين العمداء بين يديها يؤدي إلى هدر استقلالها، وتسخيرها لما يخدم مصالح القطط باختيار عمداء غير مؤهلين وغير أكفاء يسهل تسييرهم وتوجيههم كما يجري الآن (مع تقديرنا لبعضهم). وينبغي أيضا عمل غربلة لأعضاء هيئة التدريس لفرز غير الجيدين منهم والذين جاءت بهم سلطة القطط من أشباه المتعلمين، ولكن بشرطين: الأول هو أن الفرز يجب أن يتم على أساس علمي وفقا لمعايير علمية دقيقة مجربة تضع كل أستاذ في مرتبته الحقيقية، وليس وفقا للطرق العبثية والفاسدة التي تجري الآن، والتي تضمن بقاء الأسوأ وليس الأصلح كما ذكرنا أعلاه. والشرط الثاني هو أن يتم نقل من يثبت عدم صلاحيتهم للتدريس الجامعي للعمل بالدولة خارج الجامعات بنفس أوضاعهم ودرجاتهم ومرتباتهم، وليس برميهم في الشارع كما تريد سلطة القطط الآن بنظام العقود. وينبغي أيضا رد الاعتبار إلى الأقسام العلمية بالكليات، وتفعيل دورها بالكامل، وعدم حصر السلطة في الكلية بين يدي عميدها ولو كان منتخبا.

كما ينبغي من جانب آخر وبعد تحقيق ما سبق تجهيز الجامعات ومرافقها بكل ما يلزم، ودعمها بالوسائل الحديثة في التعليم، وتزويد مكتباتها بالدوريات العلمية المعروفة، وكل جديد مفيد. ويمكن أيضا دراسة كل أوجه القصور الأخرى في الجامعات وفي العملية التعليمية، وإصلاحها وفقا للطرق العلمية والمنطقية. على أن شرط نجاح ذلك هو ضمان استقلال الجامعات وحرية البحث العلمي أولا، وليس كما جرى الآن عندما طالب مركز جودة واعتماد مؤسسات التعليم العالي الجامعات باستخدام الصبورات الإلكترونية مثلا، ونسي أو تناسى ما هو أهم من الصبورة والمقاعد والقاعات، وهو استقلال الجامعات وحرية البحث العلمي.

ولا شك أن سلطة القطط تدرك كل هذا جيدا، وتعرف كيف يكون الإصلاح الحقيقي للتعليم العالي في ليبيا، ولكننا يجب ألا ننسى أننا أمام سلطة لا تريد الإصلاح، وإذا كانت تريده فطريقه سهلة معروفة. وفي الختام ننوه بما قامت به نقابة أعضاء هيئة التدريس الليبيين عندما رفعت دعوى قضائية لإلغاء قرار البغدادي الخاص بالعقود، فهي من أهم الخطوات التي قامت بها هذه النقابة منذ تأسيسها. وعلينا ألا ننسى أن قرار البغدادي هذا مخالف لقانون الخدمة المدنية مخالفة سافرة سافلة، هذا القانون الذي يعد من أفضل قوانين الخدمة العامة في العالم بأسره، أعده خبراء أوسع علما، وأطول تجربة، وأكثر خبرة، وأعرف بما هو موجود بالعالم، وأنقى سريرة من واضعي قرار العقود وكل أنصاره ومؤيديه الذين لا يعرفون الحق من الباطل، الذين يصبحون ويمسون بانتهاك القانون. ونحن ندعو القضاء الليبي إلى قول كلمة الحق، والحق يعلو ولا يعلى عليه، وإن الباطل كان زهوقا.

بقلم: صياد القطط


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home