Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأربعاء 24 يونيو 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

قرأت لك :
عن الاستلاب التاريخي..
لكي لا تصبح العروبة احتكارا ًمشرقياً أو شعوبية جديدة
(3)

عن الاستلاب التاريخي..
لكي لا تصبح العروبة احتكارا ًمشرقياً أو شعوبية جديدة (3)

سعيد سيفاو المحروق
المصدر : جريدة "الأسبوع السياسي" ـ 197x

( ... ورأيت مقابر طرابلس كلها فوجدتها قد امتلأت ببني آدم، وغلبت عظامها على تراب الأرض
فلا ترى منها ملء كف من تراب إلا وعليه جمجمة أو عظم ) الرحالة التيجاني في القرن 16

- 3 -

لو قلنا أبو زيد دوردة : لم يعد هناك وجود لما يسمى بالمغرب. لأن المغرب قد تعرض للفتح العربي لكان قوله أقرب إلى الصدق. الصدق في وقائع تاريخية على الأقل, لأن المغرب قد تعرض للفتح العربي، وإذن فلنفترض بأنه قد قصد ذلك المعنى تسهيلاً له, ولنا وللقراء على فهم مفهوم الفتح بدلاً من الاقتصار على ابتسار فتح ليبيا وحدها، معللين ذلك الابتسار بالسهو الذي أوقعه في معان ربما كانت غير مقصودة لديه.. وعلى الرغم من أن مقولة : أن المغرب أصبح كله مشرقياً لأنه تعرض للفتح العربي إنها هي مقولة معترض عليها لكنها تبقى مع ذلك قريبة لبعض وقائع التاريخ، أقصد أن هناك فعلاً واقعة تاريخية كبرى وقعت في ليبيا وبقية بلاد المغرب تتمثل في الفتح الإسلامي.

والسؤال الآن : هل يمكن اعتبار الفتح العربي بداية لتاريخ ليبيا وبقية أقطار المغرب تمسيا مع فكرة أبو زيد المفترضة : إن هذا يقودنا إلى سؤال أعم وأشمل : هل يمكن اعتبار واقعة ما بداية لتاريخ شعب ما؟ وإذا كان ذلك صحيح فأين يذهب التاريخ السابق لتلك الواقعة؟

قبل أن ننفي أو نؤكد صحة هذه الفكرة لابد من الإشارة إلى أن ثمة جذورا قديمة أملتها وفرضتها على كثير من الأذهان، بعضها يرجع إلى تصور خاص لفكرة العروبية وأعني بذلك العروبية كما يراها ويتصورها المشارقة وهي ولا شك تشكل تصورا مسبقاً لدى أبو زيد كما سنرى فيما بعد.. لذلك فإن فكرة أن الفتح الإسلامي العربي هو بداية لتاريخ منطقة ما لا توجد إلا في بلاد المغرب. والدليل على ذلك أن أحدا لا يجرؤ على القول بأن تاريخ الجزيرة العربية مثلا يبدأ بظهور الإسلام أو بفتح مكة، فإن التاريخ الجاهلي بوقائعه وأدبه وشعره وأساطيره لا يزال محفوظا كالتاريخ الإسلام العربي على السواء. من جهة أخرى، تمتد بعض جذور هذه الفكرة إلى مصدر ديني يتمثل في مقولة أن ((الإسلام يجب ما قبله)) ولا شك أن الإسلام قد جب وألغى ما كان يتعارض معه من تصورات دينية جاهلية فاسدة. لكنه قد أيد وثبت وفي بعض الأحيان فرض كثيرا من التصورات التي تتفق مع روحه كصوم رمضان الذي كان عادة جاهلية سابقة للإسلام. من هنا فإن الإسلام لا يجب أو يبطل التاريخ الذي سبقه. فلازلنا حتى نحن المغاربة نحفظ ونحتفظ بما تفوه به عنترة وامرؤ ألقيس وتابط شرا.

هذان التصوران.. التصور المشرقي لفكرة العروبة، والفهم الديني الخاطئ لبعض تعاليم الإسلام هما اللذان أوجدا هذا التصور الخاطئ لفكرة التاريخ. إن تاريخ شعب ما إنما هو حصيلة موروثاته المتمثل في قيمه ومثله العليا ونفسيته، وهي حصيلة شاركت في صنعها أجياله كلها على ترابه، ولا يصح أبدا أن نجتزئ فترة ما من الزمن لنقول : إنها بداية تاريخية، كما لا يصح أبدا أن يقال : أن مثل هذا التصور مضاد لفكرة العروبة إلا إذا صح أن يقال : عبد الناصر غير عربي, أو عدو للقومية العربية!
كيف ؟

إن هذا الزعيم ذا البصيرة النافدة لم ينسى يوماً أن يذكرنا بالموروث الحضاري المصري السابق للإسلام منذ توليه الحكم في بداية الخمسينات ففي ((فلسفة الثورة)) لم يقتصر على التنويه بعراقة مصر فحسب.. بل نوه أيضاً بحضارة الفراعنة الممتدة عبر خمسة آلاف سنة. وفي بداية الستينات جاء الميثاق الوطني للجمهورية العربية المتحدة مكرساً لذلك المفهوم في بند خاص. وقد كان – عليه رحمة الله – في كثير من خطبه المتفرقة يلهج بحب مصر الخمسة آلاف سنة.

إن تاريخ شعب ما إنما كل لا يتجزءا، كما أدرك ذلك عبد الناصر عن حق, والقول باختيار زمن ما يكون بداية للتاريخ إنما يذكرنا بأسلوب الكتاب الأوروبيين الذين يعتبرون أن التاريخ الليبي أو المغربي مثلاً يبدأ ببداية الاحتلال الروماني أن هذا القول علاوةً على كونه تصوراً فاشياً عنصرياً فهو منافٍ للواقع أيضاً بما يتضمنه من استعلاء واحتقار لكل ما هو غير أوروبي.. لذلك فمثلما لا يسعني أن أنسى حروب المختار والسويحلي.. كذلك لا يسعني أن أنسى حروب ((ماسينيسا)) و ((يوغرتن)) ذلك أن المغرب كان في ذلك الحين لم يجزأ، وحتى بعد تجزئته إلى هذه الأقاليم الحالية المصطنعة لا يزال يحتفظ بنفس خصائصه ومثله العليا. لكن أبو زيد لا يعجبه مثل هذا القول. وهنا بيت قصيده ومربط فرسه.

يتبع ...

سعيد سيفاو المحروق


إزكّاغن


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home