Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الجمعة 23 يناير 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

النظام الرسمي العربي بين شرعية العشيرة والشرعية الثورية
"قراءة في محرقة غزة "

قبل أن يتم تنصيب الرئيس الأمريكي المنتخب " باراك أوباما " ، وقبل أن تستأنف الأدارة الأمريكية الجديدة أعمالها ببضعة أيام ، أوقفت إسرائيل إطلاق قذائف الهولوكست الجديدة على قطاع غزة الذي قدّر له أن يعيش بين مطرقة العجرفة اللإسرائيلية وسنديانة خنوع النظام العربي الرسمي ، في الموعد الذي قررته مسبقا قبل أن تشن هجومها الوحشي الذي إستمر قرابة الأربع أسابيع ، تماما كما عودتنا منذ إن زرعت في جسمنا العربي المشوّه بانها سيدة الموقف . كانت حصيلة تلك الحرب الشرسة أو الهولوكست الجديدة قرابة الألف واربعمائة شهيد نصفهم اطفال ونساء ومايقارب الخمسة آلاف جريح . فضلا عن الخراب التام الذي حلّ بالمباني والمؤسسات المحلية والدولية العاملة بالقطاع والبنى التحتية . . . الخ قائمة الخسائر البشرية والمادية المفجعة ، التي تكرمت قناة الجزيرة بالتفنن في إحصائها بإمتياز ، كما كان من بين تلك الحصيلة مبادرة مصرية فرنسية ملتوية غايتها مدّ الغطاء الزمني للمحرقة البشعة ! وقرار أممي من مجلس الأمن الدولي جاء هزيلا ومضحكا امتنعت الولايات المتحدة من التصويت عليه فكان إمتناعها رسالة واضحة لاسرائيل والمجتمع الدولي بعدم جدّية القرار رغم هشاشته .!!

إن أهم ما يشذّ الانتباه حقا في خضم هذا المشهد الهولوكستي الفظيع هو ذلك التصدّع في جسم النظام الرسمي العربي إزائه والذي ازداد عمقا على ما أعتدنا عليه من تصدعات في السابق ، وهو ما دفعني الى إعادة تهجي مفرداته ليس بقراءة التخوين والعمالة التي يختزنها موروثنا السياسي والثقافي منذ عهد الحرب الباردة ، وانما من خلال مفهومي الشرعية السياسية والدستورية في محاولة لفهم وإستيعاب هذا الواقع العربي الرسمي المنهاربوقاحته وحقارته .

***

الشرعية السياسية بإختصار ودون الدخول في تعقيدات مدلولها الفقهي والسياسي تجيب عادة على سؤال مطروح افتراضا على النظام السياسي ألا وهو "ماهو مبرر وجودك ؟ " ، في حين ان الشرعية الدستورية تجيب على سؤال آخر ألا وهو " ماهو السند القانوني لوجودك ؟ " ، فالشرعية السياسية تتعلق بماهية الوجود للنظام السياسي ، والشرعية الدستورية تتعلق بما هية السند القانوني .

إن هاتين الشرعيتين الذي ينبغي أن يستمد كل نظام سياسي وجوده منهما لامن غيرهما يختزلهما ذلك القسم الدستوري المقدس الذي يؤديه كل ملك أو أمير أو رئيس جمهورية بإختلاف صفاتهم في ان يحترموا الدستور المنبثق عن إرادة شعوبهم محترمين لتلك الإرادة في أداء سلطاتهم الدستورية بما يخدم مصالح شعوبهم في التنعم بالامن وحق المواطنة والمحافظة على كرامتهم واستقلال دولتهم وتنمية مقدراتها وامكانياتها و بما يحقق لهم التقدم والرقي الحضاري بين مصاف المجتمع الدولي .

ان جميع عناصر الجسم الرسمي للنظام العربي " الحكام العرب " كانوا قد أدّو مثل هذا القسم في أجواء إحتفالية فضفاضة ولكن على منصات برلمانية هشة وعلى أسس دستورية إما مقننة لشرعية دبابات ليلية أولعشائر بدوية ترتع في " مدن الملح " . فا لشرعية السياسية للنظام الرسمي العربي هي شرعية العشيرة المهيمنة أو الشرعية الثورية المزيفة وكلاهما يؤدي الى تشخيص السلطة أو شخصنتها ، بحيت يكون وجودالسلطة مستمدة من الشخص وليس العكس أى وجود الشخص مستمد من السلطة التي يمنحها له الدستور الذي أقسم على إحترامه . ومن هنا يمكن لنا تفسير هذه الهوة الواسعة بين الشعوب العربية وحكامها . وايضا يمكننا تفسير هذا التصدع الذي عشناه في الجسم الرسمي العربي من خلال ما شاهدناه طيلة الايام الماضية من تطاحن القمم المهرجة بالمزايدات الساذجة للقضية والمهمشة لها ، الى تصارع الارادات التي تخدم مصالح أطراف الجسم الرسمي وليس مصالح الجسم الشعبي والمقاومة الفلسطينية بالاخص التي سلب هذا التطاحن هويتها وعرى جسدها امام لهيب الهولوكوست الجديدة .

ان حماس التي جعلوا من صواريخ مقاومتها المحدودة دريعة لهذه المحرقة ، ورطت أو ورطت نفسها في خوض انتخابات لا معنى لها . كانت قد ارتكبت خطأ استراتيجيا لا يقبله كل من يتهجى ابجديات المقاومة .. فما الذي يدفعها الى التصارع على سلطة هشة ؟ هي ليست بسلطة دولة وليست سلطة لحكم ذاتي كما توهمنا اتفاقية أوسلو وانما هي أقرب لان تكون سلطة إدارة محلية في ظل دولة إحتلال قمعي فارض وجوده بالقوة بتزكية من المجتمع الدولي والاقليمي . ما الذي يدفعها الى ذلك وهي التي طرحت نفسها منذ ولادتها كحركة مقاومة . وهل يمكن للمقاوم بالسلاح ان يمارس السلطة ويظل مقاوم في ذات الوقت ؟ ام أن لعبة المصالح الاقليمية والمحورية القذرة أوعزت اليها بذلك ولوتث طهارة المقاومة فيها !!؟ .واستقبلت هي ذلك بكل سذاجة .

* * *

لقد أجهشتني بالضحك تلك العبارة العاطفية الجياشة التي سمعتها من السيد هنية من ان نصرنا كان " نصر إلآهي ! " أحسب أنه كان يعني ان خيبتنا كانت قدر إلآهي حل بنا ! ، لقد أعادت تلك العبارة بذاكرتي الى يونيه سنة 1967م ... في تلك السنة كانت هناك زعامة صنعتها اللعبة السياسية الدولية ،كانت قد خرجت من حرب السويس منتشية بإنتصار مصنوع لها سلفا .. كان خطابها – خطاب الشرعية الثورية – الكارزمي الذي أضفينا عليه بعواطفنا الجياشة عاشقة البطولات المجترة من رحم التاريخ تلك الصفة الكارزمية ، كان يمازج في حدّته هتافات الشارع المسكون بالبطولة التاريخية ( لا صوت يعلوا فوق صوت المعركة ! و سنرمي بإسرائيل في البحر ، وفلسطين من البحر الى النهر. . .الخ ) .

عندما استعرضت تلك الزعامة أجنحة قوتها الورقية بإغلاق مضيق تيران وسحب القوات الدولية والعرض المسلح في شوارع العاصمة . . حلّ ما حلّ بها من دمار كارتي مازلنا نعاني آثاره الى يومنا هذا . لقد ذهبت سينا وذهب القطاع كما ذهبت الضفة والقدس والجولان في خمسة أيام وأنهارت القوى الورقية .. كان الحدث كارتيا داميا في القلوب . ولكن سرعان ماتحول وقلبته عواطفنا الجياشة عاشقة البطولات المجترة من رحم التاريخ الى مجرد نكسة . لقد ابتلعنا وقتها طعم الابادة بمرارة . وعوض ان نفيق واعين بما نحن فيه وبما حولنا . غلبتنا عواطفنا المسكونة بإجترار الوهم التاريخي فأستبدلنا شمولية القومجة بألشمولية الاسلاماوية وتلك المصيبة الاكبر ان ندفع بديننا القيم في خطابات السياسة الخبيثة وهو منها براء .

فهكذا هي حالنا ، شارع مأزوم بالوجع مسلوب الإرادة ليس له إعتبار . وحكام بشرعية العشيرة التي ترتع في مدن الملح وآخرين بالشرعية الثورية المكتسبة من مطلع خمسينات القرن الماضي وجميعهم بشرعيتهم تلك لا إعتبار لهم لشعوبهم . فلقد كان قسمهم مقلوب على حقيقته . وتحت عبائتهم صارت المقاومة الفلسطينية تتجادبها رياح مصالحهم مرة ذات اليمين وذات اليسار ومرة ذات الممانعة وذات الاعتدال . . ونحن تتجاذبنا الجزيرة الى معبر رفح والعربية الى معبر ركح !!

محمد أمين العيساوي


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home