Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الإثنين 22 نوفمبر 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

هذيان النظام ومعضلة المعارضة

لم يكن الغرض من قيام التنظيمات المعارضة "ضد سلطة الفرد فى ليبيا" هو تحجير فكر المواطن الليبى وسجن مداركه ومنعه من تطوير فكره وعقله والأستفادة من تجربته، كما لم يكن الغرض من قيامها هو التشكيك فى النوايا أو المزايدة على حب الوطن، أو جعلها أرضاً خصبة لزرع الفتن والحساسيات الشخصية، فما نراه اليوم من ولاء عاطفى أعمى وتحمس لحظى طائش، يحتم علينا الوقوف عند هذه الاعراض والظواهر، وقفة من أجل تشخيص وتحديد مبعثها ومن ثم المساهمة فى وصف علاجها، وذلك فى محاولة متفائلة لتخطى عواقب أنتشارها وأستمرارها وتجاوز سلبيات أبعادها.
من الحقوق الأساسية التي لا خلاف عليها حق الإنسان في تقرير مصيره من خلال المشاركة السياسية في علمية صنع القرار، ويمكن للمشاركة أن تأخذ أشكالاً عدة، أبسطها المشاركة في اختيار ممثلين يحكمون بالنيابة عن المواطنين، بما يضمن مشاركتهم غير المباشرة في عملية صياغة السياسات والقوانين، وبغض النظر عن أفضل الطرق لاختيار الحاكم، فهناك اتفاق على أن عملية الاختيار يجب أن تكون مستندة إلى وجود خيار بين مرشحين على الأقل، حتى يكون لعملية الاختيار معنى، ومع نهاية العملية الانتخابية يتم الفرز بين الفائز الذي يحتل موقع المسؤولية وبين الخاسر الذي يتحول إلى موقع المعارضة، والحقيقة أن تعبير الخاسر قد لا يكون دقيقاً تماماً هنا لمن لم يحالفه الحظ في الفوز، طالما أن هناك موقعاً ودوراً للمعارض داخل النظام، إذ يعمل المعارض على مراقبة أداء الحاكم أثناء فترة حكمه، بينما يستعد للجولة القادمة، ولا خسارة طالما كان هناك دائماً جولة قادمة، هذا هو الحال في الأوضاع الطبيعية أو الأقرب لما يُصطلح عليه بالأنظمة الديمقراطية.
ففي النظام الديمقراطي، ينتظم اللاعبون السياسيون في أحزاب سياسية، ويتنافسون بشكل دوري على الحكم، في أجواء من الحرية والنزاهة وضمان الحقوق والحريات الضرورية لتحقيق فكرة التمثيلية في العملية السياسية، ومهما كانت نتيجة العملية الانتخابية، فإن المعارضة تبقى جزءاً من النظام، وتحتفظ بتمثيل ما في المجلس التشريعي، أكثر من ذلك، فإن الأنظمة البرلمانية تتوقع من الحزب المعارض الرئيسي تشكيل حكومة ظل، لتكون جاهزة لتحمل المسؤولية فيما لو فقد الحزب الحاكم، أو تحالف الأحزاب الحاكمة، أغلبيته البرلمانية، وتتواجد المعارضة في الأنظمة غير الديمقراطية، الفارق بين الحالتين أن الأنظمة غير الديمقراطية لا تتسامح حيال معارضيها، وغالباً ما تدفعهم إلى خارج النظام، وذلك برفضها إصباغ الحالة القانونية والشرعية عليهم، وكلما اشتدت درجة استبداد النظام يكون من الطبيعي أن تزداد راديكالية المعارضة ولجوئها إلى وسائل "غير ديمقراطية" لمقارعة الاستبداد.
في الحالة الليبية، ومنذ الانقلاب العسكري عام 1969، قام "الضباط الوحدوين" بقيادة الملازم/ معمر القذافى برفع شعارات ناصرية ووحدوية كاذبة بمساعدة بعض النخب هيأت مناخ الأنقلاب، وسرعان ما انقلب القذافى على رفاقة وسيطر على السلطة وحده، وأصدر قانون تجريم الحزبية فى 1972، وخطاب زوارة، وإعلان ما سمي بالثورة الثقافية والإدارية عام 1973. واقع المعارضة منذ استيلاء القذافى على السلطة عام 1969، كان في انتقالها إلى العمل السري، وفرار كثير من المعارضين أو إيداعهم في غياهب السجون. وكانت سياسة الإقصاء هذه، مضافاً إليها التمييز العنصرى بين برقة وطرابلس، وظهور اغلبية المعارضة من برقة، وثم خروج مجموعات تنتمي للتيار الإسلامي والوطنى لجاءت الى استخدمت العنف كوسيلة للتغيير. ووظف القذافى كافة أجهزة النظام لاستئصال هذا التيارات والمتعاطفين معها، من دون تقديم حل سياسي لمشكلة سياسية بالأصل، ومع أن النظام قد نجح في معركته ضد التيارات الإسلامية والوطنية، خاصة بعد معركة باب العزيزية والمعارك التى حصلت فى برقة ومذبحة بوسليم واخرها انتفاضة فبراير فى بنغازى، لكن بتكلفة إنسانية ومادية ومعنوية باهظة، حصدت حياة الآلاف من الأبرياء، وشردت الآلاف، ووصل عدد المعتقلين السياسيين الى الالاف فى السجون والأقامة الجبرية فى البيوت.
أما الذين كتبوا عن الأصلاح والاستقرار السياسى فى ليبيا، لم يقدموا آلية سياسية فى كيفية تحقيق الأصلاح دون ازالت المعوقات السياسية والاشخاص، أو حتى تقديم برنامج مكثف لنقل البلاد الى بر الامان والتفاهم مع الشعب الليبي والمعارضة، مهما كان شكلها أو موقفها من العنف، كما فعل ذلك النظام الجزائرى بشجاعة مع الجماعات الاسلامية التى تحارب السلطة.
ويكفي هنا الإشارة إلى السبع السنوات من التعذيب التي قضاها "مانديلا" ليبيا، الأستاذ فتحى الجهمى (رحمه الله)، حيث كان له موقف ضد النظام ووصف القذافى بالزنديق وتكلم عن معاناته ومعاناة رفاقة فى السجون، رفضاً اللجوء الى استخدام العنف سواء من المعارضة أو من النظام، وأيماناً بمشروع حورى ديمقراطى كان الأستاذ منصور الكيخيا طرحه سابقاً. وفيما يتعلق بطرح سيف "الأسلام" لما يسمي "باليبيا الغد" كأدة لإستقطاب بعض الأشخاص من المعارضة، للعودة للبلاد برضاء والده ولكن تحت مراقبة من اللجان الثورية، حيث استجابت بعض شخصيات معارضة لهذا النداء وقبلت أن تصنف نفسها تابعة للنظام الحاكم. ولكن حتى في هذه التركيبة لم يُسمح بوجود معارضة موالية تعمل من داخل النظام، واليوم وبعد مرور اكثر من خمس سنوات على مشروع ليبيا الغد "الاصلاحى"، وعقد بعض المؤتمرات الانتقائية للشباب من الموالين للسلطة، فأن النتيجة لاشئ يذكر حدثفى اطار الاصلاح، حيث كان مؤملاً ومتوقعاً أن تتخذ "القيادة السياسية" بعض الإجراءات الإصلاحية، مما يبرهن على نظام القذافى وأبنه سيف غير قادران على الاصلاح والاعتراف بأى شكل من أشكال المعارضة أو السماح لها بالعمل الشرعي السلمي.
لكن رفض النظام الأعتراف بالمعارضة لا يعني إلغائها. فعلى العكس، فقد وصلت المعارضة الليبية - رغم تفرقها وضعفها - إلى درجة من النضج، وقدمت عدة طروحات ومشاريع، فى المؤتمر الوطنى الأول عام 2005 والثانى عام 2007 بلندن، بالإضافة إلى التوافقات والطروحات التي قدمتها أغلبية التنظيمات المعارضة ونشطاء المجتمع المدني، مما ضاعف من الحراك الذي تشهده الساحة السياسية الليبية في الداخل والخارج في الأيام الأخيرة، ومع ذلك تجد المعارضة نفسها أمام معضلة حقيقية، إذ ألزمت نفسها بالتغيير التدريجي من الداخل، ورفضت فكرة الاستقواء بالخارج، وفي هذا تحاول إثبات وطنيتها، خاصة في وقت تتعرض فيه ليبيا لضغوطات خارجية على كافة الجبهات. المعضلة أن السلطات الحاكمة تستغل هذا الموقف للمعارضة لتمعن في رفضها الاعتراف بها أو الاستجابة لمطالبها، بل إن الصفاقة تصل بأحد محترفي التزلف الرسميين ليعلن بأنه لا حاجة لمعارضة في ليبيا، لأن "القائد الإصلاحي سيف الاسلام" هو أبن الحاكم - وهو أبن العالم والقائد المحيط بكافة إشكاليات البلاد - هو أيضاً زعيم المعارضة!
وفى ضوء هذه الرؤية الاحادية التى يصر عليها القذافى، فمن غير المتوقع أن ينجح النظام فى التعامل مع انصار الرأى الاخر، وتحويلهم إلى معارضة ايجابية مادام يرفض إجراء تحولات حقيقة بعيدة عن الاستبداد ودولة المخابر ات باتجاه الحكم الديمقراطى الرشيد ودولة القانون.
فى الختام نصل الى جوهر القضية ألا وهو "الديمقراطية" أو الشورى، ذلك الجوهر الذى لا نزال نرى بأننا "كمعارضين لنظام الفرد" لم نعطه حقه تحت مبررات عديدة ومتنوعة، ولكن بعد مرور سنوات على قيام التيارالمعارض للنظام الدكتاتوري الحاكم فى ليبيا، وتشكله فى تنظيمات متعددة وتحت مسميات كثيرة وواجهات عديدة (وهذا فى حد ذاته ظاهرة طبيعية بل هى ظاهرة صحية) لايعكر صفوها ويقف دون نجاحها الا غياب الحوار الموضوعى البناء الذى يؤسس للعمل الجماعى، والقدرة على العمل كفريق، واستبعاد الحساسيات الشخصية، وايجاد درجة من المرونه التى تقبل التضحية ببعض الاراء من اجل وحدة الصف، وهذا هو جوهر الديمقراطية التى ينادى بها البعض منا ولم يطبقها للأسف، كما يجب على الجميع الدخول فى حوار جاد حول كيفية إيجاد وأرساء الضمانات التى تكفل عدم قيام نظام دكتاتورى فردى فى ليبيا مرة أخرى، ويجب تناول الشكل والكيفية التى يستطيع بها شعبنا الليبى من التعبير الحر عن أرائه وأرادته.

عبد الرحمن يوسف


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home