Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الجمعة 21 مايو 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

العيْطة الكذابة..!

لدينا قول شعبي عميق المعنى ولا يخلو في الوقت نفسه من طرافة، ونصه: (أجعَل كل عيطةً كذّابه) وهو يقال بمعني التمني والرجاء بألا يكون حقيقة ما يُسمع من صراخ أو عويل أو نقل لخبر سيء ما. والقول على طرافته، لا يعدو أن يكون من باب الأمل والتمني فقط، فهو لا يغير من واقع الحال شيئا سواء صح الخبر الذي انطلقت من أجله العيْطة أو لم يصح.

خطر لي هذا المثل وأنا أتدبّر في ما يجب عليّ القيام به كمواطن أهتمُّ أولا بمصلحة بلدي، وكشخص قد يتعرض للأذى الجسيم المباشر إن صدقت (العيطة). والمسألة باختصار هي وجود حقل هوائيات ضخمة على مساحة كبيرة بالقرب من مطار بنينة، ويتبع لمصلحة الأرصاد الجوية. جانب الخطورة في الأمر هو أن حقل هذه الهوائيات لا يبعد عن خط اقتراب هبوط الطائرات على المدرج أكثر من 3000 مترا فقط، وأن هذه (العوائق الملاحية الخطرة) لا تراعي أبسط شروط الأمن والسلامة التي تقضي بأن يركب عليها أضواء خطر بلون أحمر في قمتها وفي منتصفها، ويلزم أن تكون هذه الأضواء بقياسات ومواصفات معينة بحيث يمكن رؤيتها من كل الاتجاهات ومن مسافات محددة كما تنص على ذلك تعليمات سلامة الملاحة الجوية. فالأخطاء البشرية وخذلان المساعدات الملاحية في الطائرات وفوق الأرض أمر معروف ودائم الحدوث، وغالبا ما يتحسب له ذووا الخبرة والشأن الحريصون على المصلحة العامة وعلى أداء عملهم بكل مسؤولية وكفاءة.

يلزم التذكير هنا بأن هذه الهوائيات الضخمة والأجهزة الملحقة بها لا تعمل منذ مدة طويلة، فقد تأسست المحطة في أوائل السبعينيات، لكنها تعتبرُ الآن قديمة للغاية ولم تعد تواكب التطور المتسارع في مجال الإلكترونيات، وعلى سبيل المثال بإمكان جهاز كومبيوتر محمول بسيط أن يأتي بنتائج أسرع وأكثر دقة وأقل كلفة مما قد تأتي به مثل هذه المنشأة الضخمة. أما أنا كشاهد عيان مجاور لها، فقد راقبت منذ نحو عامين عندما كانت الأضواء عاطلة بالكامل مثل وضعها الحالي، ثم ركبت لها أضواء، يبدو أنها لم تكن بمواصفات جيدة، ورحت أراقبها وهي تموت واحدا تلو الآخر، ولم تمض سوى ثلاثة شهور تقريبا إلا وتعطل أغلبها.

يبدو كذلك أن حالة التسيب واللامبالاة التي تضرب أطنابها في مفاصل الدولة الليبية بأغلب مكوناتها قد طالتني أيضا، رغم معرفتي بالخطر المحدق بي وبالطائرات التي تحوم فوق رأسي، وظللت أرقب سير هذه الجريمة/الكارثة واستفحالها دون أن أفعل شيئا، محاولا دائما عندما يخطر الأمر ببالي إيجاد الأعذار لنفسي، من قبيل أن ما باليد حيلة، وهل سأكون أكثر حرصا على أمن البلد وأهلها من هؤلاء المسؤولين الكبار، وأن حوادث الطيران في العادة أقل حصدا للأرواح بكثير من حادثات المركبات البرية التي تحصد الألوف المؤلفة من مواطنينا دون أن يفعل مسؤول ما شيئا لوقف هذا العبث، وغير ذلك من الأعذار... إلى أن وقعت واقعة طائرة الأفريقية المنكوبة، والتي أكاد أتوقع نتيجة التحقيق في الحادث (لن يخرج كثيرا عن فحوى هذا الموضوع، أي إهمال وتسيّب) .

قررت أن أمارس حق المواطنة، وأن (أعيّط) ولكن قبل أن أجلس لتدوين صرختي رأيت أن من الإنصاف التوجه إلى جهة مسؤولة ما، لأعرف وجهة نظرها حول هذا الذي يجري، وهو ما قادني إلى السيد مدير المطار الذي استقبلني مشكورا رغم أهمية وقته وقدومي دون سابق موعد، واستمع لفحوى ملاحظتي وشكواي، لكنني والحق يقال فقد صُعقت عندما عرفت أنه لا يعرف شيئا عن هذه القضية رغم خطورتها، حيث توقعت أن تقارير ما تصله حول هذه القضية التي تشكل خطورة على أمن وسلامة الطائرات التي تحط وتقلع من مطاره، وقد طمأنني بأن إجراءات ما لابد وأن تتخذ من قبل الجهات المعنية، ولكن في جميع الأحوال ليس هناك حل في القريب العاجل، مضيفا بأن هذا الشأن هو في الحقيقة من اختصاص مصلحة الطيران المدني، وعندما أبلغته أنني مضطر للكتابة عن هذا الموضوع لإراحة ضميري وتحديد المسؤولية شجعني على ذلك!

ودعت السيد المدير وخرجت كسير الخاطر. فقد تقاطرت علي صور ومشاهد مظلمة تتعلق بالكثير من نواحي حياتنا ومصائرنا التي نتعامل معها بكل رعونة حتى تحدث كارثة ما و (تقع الفأس في الرأس) فنرفع عقائرنا بالصراخ والعويل، ولكن ما تلبث الأمور أن تعود إلى سابق عهدها وربما أسوأ قليلا. لكنني قررت أيضا تصعيد وتيرة (العيْطة) فما خلصت إليه في هذا الشأن يخبرني أنه في الغالب لا أحد يعرف بالأمر، وصولا إلى السيد وزير النقل والمواصلات نفسه وهو على ما أظن أكبر المسؤولين شأنا في هذا المقام، والمعادلة المعروفة تقول إن عرفوا بهذا الأمر وسكتوا فتلك مصيبة، وإن لم يعرفوا فهي مصيبة أكبر. وحتى إن عرف البعض، فلن يقوموا بحل عاجل وفوري لتفادي الكارثة. لكن التساؤل الذي يطرح نفسه هو: هل ستنظم حوادث الطائرات إلى قائمة النكبات التي نعانيها نحن الليبيين، من تفشي الفساد المطلق، ومن سوء البنى التحتية والإدارية والتنظيمية والصحية والمرورية والقانونية (الدستورية) والقائمة تطول.

أود تنبيه كافة من يهمهم الأمر وبالأخص أولئك الذين يدبجون المقالات العصماء في الحط من قدر وتهميش نظم العالم الآخر، ومحاولة إقناعنا بروعة نظامنا الجماهيري البديع(الكاتب الليبي مصطفى الزائدي نموذجا)، بأن ليس كل عيطة كذّابة.

فرج الترهوني


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home