Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأحد 21 يونيو 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

مذبحة أعضاء هيئة التدريس الليبيين بالجامعات الليبية (1)

يا أسفاه على التعليم العالي في ليبيا! ويا حسرتاه على ضحاياه! هذا التعليم الذي نشأ في عهد حديث نسبيا بالقياس على الدول التي وصل عمره فيها إلى مئات السنين، وكان من المفترض أن يستفيد من تجارب هذه الدول، فيتجنب الوقوع في بعض الأخطاء، وتكون طريقه سالكة مختصرة، ولكن هيهات! هذه ليبيا، وليست ماليزيا أو كوالالمبور.

الجامعة كما يعرفها العالم هي مؤسسة علمية مستقلة، يتم اختيار عميدها وعمداء كلياتها بالانتخاب، وتتمتع بميزانية مالية مستقلة، وتستمد شرعية وجودها واستقلالها من دستور الدولة ذاته، فلا يستطيع وزير ولا غيره النيل منها أو تسخيرها لخدمة أغراضه الخاصة، وينظم شؤونها قانون يكفل حقوق طلابها وأساتذتها وسائر موظفيها، بما يكفل لهم حقوقهم، ويضمن استقرار العمل وسلاسته.

أما الجامعة وفقا لما هو موجود في ليبيا منذ عام 1992 تقريبا فهي أشبه ما تكون بالمدارس، لا تتمتع بأي استقلال، تتبع اللجنة الشعبية العامة للتعليم العالي إن وجدت، وإلا فتتبع اللجنة الشعبية العامة مباشرة، ويكون اختيار أمينها وأمناء كلياتها بالتكليف المباشر من اللجنة الشعبية العامة أو أمانة مؤتمر الشعب العام، تنظم شؤونها وشؤون أساتذتها وطلابها وموظفيها قرارات من اللجنة الشعبية العامة، يتم تغييرها وتعديلها والإضافة إليها وفقا للرغبات الشخصية والأهواء، بعيدا كل البعد عن المصلحة العامة وكل ما يمت إليها بصلة، بما يكفل تحقيق الفوضى الإدارية، وعدم استقرار نظام الدراسة والامتحانات، وقبل هذا وذاك ضمان بقاء أساتذتها وطلابها وموظفيها جميعا تحت الأقدام.

إن الحرب التي تشنها سلطة القطط على الجامعات هي في حقيقتها حرب على العلم ذاته، ولا عجب في هذه الحرب مطلقا، فالحرب بين الظلم والعلم حرب قديمة جديدة، فسّر العلامة عبد الرحمٰن الكواكبي بعض أسبابها في كتابه المشهور ((طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد)) بقوله: ((العلم قبسة من نور الله، وقد خَلَقَ الله النورَ كَشَّافًا مبصرًا، يُولِّد في النفوس حرارة وفي الرؤوس شهامة، العلم نور والظلم ظلام من طبيعة النور تبديد الظلام، والمتأمِّل في حالة كل رئيس ومرؤوس يرى كل سلطة الرِّئاسة تقوى وتضعف بنسبة نقصان علم المرؤوس وزيادته)).

وقد يكون وصف ما يجري للتعليم العالي في ليبيا بأنه حرب وصف مبالغ فيه كثيرا، لأن الحرب لا تكون إلا بين طرفين متكافئين، ولهذا يبدو أن التكييف الدقيق لطبيعة العلاقة بين سلطة القطط الشعبية والتعليم العالي (ممثلا في الجامعات) يقتضي أن توصف هذه العلاقة بالعبودية، كيف لا ووجود هذه الجامعات وتنظيمها وإلغائها مرهون بيد سلطة القطط بالكامل.

وعندما قررت اللجنة الشعبية العامة زيادة مرتبات أعضاء هيئة التدريس الأجانب بقدر يفوق مرتبات زملائهم الوطنيين بأضعاف عديدة، في خطوة تُظْهِر أن الليبي محتقر في بلاده قبل أن يكون محتقرا في غيرها، خطوة تجسّد نوعا من أسوأ أنواع التمييز العنصري التي عرفتها البشرية، التمييز ضد المواطن لمصلحة الأجانب! فاحتجّ بعض أعضاء هيئة التدريس بجامعة الفاتح للعلوم الطبية على ذلك، وطالبوا بمساواتهم بالأجانب، وعندما رُفض طلبهم بحجة أن القانون (15) يمنع أي زيادة، طالبوا بتحويلهم إلى نظام العقود لكي تُحَدَّدَ مرتباتهم استقلالا عن هذا القانون. ونحن وإن لم نكن نعرف هؤلاء الأساتذة (والحمد لله)، إلا أن خطوتهم الأخيرة هذه تدل على مدى قصر نظرهم، وكبر بطونهم، وصغر عقولهم. والأدهى من ذلك أن سلطة القطط استغلت هذه الخطوة، فعمّمت نظام العقود على كل الجامعات، وفرضت على الأساتذة توقيعها، لتحقيق أغراض أخرى، وكأنما جاءها من نبهها إليها في الوقت الذي كانت فيه غافلة عنها.

وعقد التوظيف بطبيعته عقد مؤقت، تتراوح مدته بين سنة وخمس سنوات بالنسبة إلى أساتذة الجامعات، وهو كأي عقد إداري آخر قابل للتعديل والإنهاء من جانب الإدارة ولو لم ينص فيه على ذلك، كما أن تجديده خاضع لرغبة الإدارة والرئيس المباشر بالكامل، ولهذا فلا يستغرب أساتذة جامعة الفاتح للعلوم الطبية من الذين ذهبوا يتمسّحون على الأعتاب، عندما تنتهي مُدَدُ عقودهم، ويرفض أمين جامعتهم تجديدها لخلافات شخصية بينه وبينهم أو لغير ذلك من الأسباب أن يجدوا أنفسهم من غير عمل ولا مصدر دخل، فهم الذين جنوا على أنفسهم وعلى زملائهم، وحفروا قبورهم بأيديهم، وجرّوا إليها كل أساتذة الجامعات الليبيين، وإن كان الذي يبدو أن هؤلاء المتمسّحين من المتسلقين الذين لا يطالهم شيء، فتكون العاقبة على الأساتذة الآخرين أي غير المتسلقين كما قال الشاعر:

وجرم جَرَّهُ سُفَهَاءُ قَوْمٍ *** وحَلَّ بِغَيْرِ جَارِمِهِ العَذَابُ

وهو موقف يدل على وجود قدر كبير من الأنانية –على أقل تقدير– في قلوب القائمين به، وهو أيضا تطبيق حرفي للمبدأ الثوري الفعلي الذي يقول: (( الثوري آخر من يضحي وأول من يستفيد)).

هل يعلم هؤلاء ومن اتخذ القرار ومن أيّده مدى الضرر الذي سيلحق بالتعليم العالي إذا تم تبني هذا النظام؟ ألم يفكروا –ولو قليلا– في عواقبه، وأنه سيضع الأستاذ الجامعي الليبي في مركز ضعيف جدا في مواجهة الإدارة وبعض أولياء الأمور المتنفذين للطلبة الفاشلين على حد سواء؟ ألم يعلموا أن مثل هذه الحال ستنسف كل ما تبقى للجامعات الليبية من اعتبار، إن تبقى لها اعتبار أصلا، على نحو يجعل مصداقيتها ومصداقية الشهادات التي تمنحها محل تشكيك كبير؟ هل يعقل أن يُسلّم عاقل بصحة شهادة ماجستير أو دكتوراه منحتها الجامعة لأحد المتنفذين أو أحد أبنائهم، وناقشتها لجنة مكونة من ثلاثة أساتذة يشتغلون بعقود؟ ألا يعلم هؤلاء أن هذا النظام مِعْوَلُ هدم كبير للتعليم العالي ولحقوق الأساتذة على حد سواء، لأن فساد الإدارة يعني أن كل من لا يتعاون معها من الأساتذة على الفساد كإنجاح طلبة فاشلين، أو إجازة بحوث علمية ضعيفة، أو التغاضي عن الإساءات التي قد يتعرضون لها، أو تزوير النتائج وكشوف الدرجات وقرارات اللجان أو غير ذلك– يعني ألا مكان لهذا الأستاذ في الجامعة، وعليه أن يجد عملا آخر في دولة ليست فيها فرص عمل أصلا، بفضل إنجازات سلطة القطط الشعبية طبعا. هل غفل هؤلاء أو تغافلوا عن أن هذا القرار وما تبعه من إجراءات بما فيها توقيع العقود باطلة تماما، لأنها تنتهك قانون الخدمة المدنية الذي يُوجب أن يكون شَغْلُ مثل هذه الوظائف بالنسبة إلى المواطنين بقرارات تعيين، وليس بعقود (راجع المواد: من 17 إلى 30 من قانون الخدمة المدنية).

وإذا كانت الحجة التي فُرِضَ نظام العقود من أجلها هي زيادة مرتبات أعضاء هيئة التدريس الوطنيين، فهي حجة تبريرية واهية تخفي وراءها السبب الحقيقي، فقد قالوا إن القانون (15) يمنع الزيادة، وهو يطبق على المعينين بقرارات، فتحولوا إلى نظام العقود كيلا يطبق عليكم؟ هل يجوز لعاقل أن يقول مثل هذا الكلام؟ فإذا أعدنا ترتيب كلماتهم المتهافتة هذه ستكون النتيجة كالتالي: إن تدمير التعليم العالي في ليبيا، وانتهاك حقوق الأساتذة الليبيين، ورميهم في الشارع أهون من تعديل القانون رقم (15)، فهو قانون سامٍ مقدس لا يجوز الاقتراب منه أو حتى التفكير في تعديله!!! فكأنما صارت لهذا القانون الكافر الشرير مكانة تفوق المصلحة العامة للدولة والإنسان ذاته. وفوق ذلك فإن هذه الحجة تنهار تماما إذا تذكرنا أن بالإمكان وضع قانون خاص للجامعات يحدد مرتبات أعضاء هيئة التدريس، تماما مثلما جرى بالنسبة إلى أعضاء الهيئات القضائية، دونما مساس بالقانون (15) الذي يقدسونه –والعياذ بالله–.

وعلينا ألا ننسى أيضا أن نظام العقود هذا لم يحقق المساواة بين أعضاء هيئة التدريس الوطنيين بزملائهم الأجانب (يا لها من مهزلة: نطالب بمساواتنا بالأجانب داخل دولتنا)، حيث ما تزال مرتبات الأساتذة الأجانب أعلى وبكثير من مرتبات الأساتذة الليبيين. وعلينا ألا ننسى أيضا أن نظام العقود هذا لا يحقق أي أمان للأستاذ، فهو يعمل ويعمل لأن هذا العمل هو مصدر دخله الوحيد وقوت عائلته، ليتفاجأ في نهاية العام برفض تجديد عقده بلا مقدمات، أي أنه يتحول إلى مُعدم تَحِلُّ عليه الصدقة بلا حرج! تصوروا مدى استخفاف سلطة القطط بالليبي كأستاذ وبالليبي كإنسان. ومادام الحال كذلك فالمنطق هو أن يُسمح للأستاذ بمزاولة أي عمل آخر مادام عمله الأصلي غير مضمون، لكن سلطة القطط منعت ذلك بموجب القرار البغدادي رقم (435) لسنة 2008 الذي أسست به نظام العقود، حيث نصت المادة (5) من هذا القرار على أنه (( يشترط للاستفادة من المرتبات المحددة بهذا القرار التفرغ الكامل لممارسة العمل بالتدريس الجامعي أو البحث العلمي. وفي جميع الأحوال يحظر الجمع بين أعمال التدريس الجامعي أو البحث العلمي الذي يتم التعاقد بشأنها وفقا لهذا القرار وأية وظيفة أخرى بمرتب بإحدى جهات العمل الأخرى عامة كانت أو خاصة. وفي حالة المخالفة يعد العقد ملغيا بصورة تلقائية ودون الحاجة إلى أي إجراء آخر)).

عليه فنحن ندعو كل أصحاب الضمائر الحية، الغيورين على مصلحة بلادهم، وحقوق مواطنيهم، ومستقبل أبنائهم، من يهمهم أن يروا ليبيا قد نمت وازدهرت، ويفرحهم أن يتباهوا بها أمام خلق الله، ويقولون: هذه ليبيا بلادنا- أن يقفوا في وجه هذا المشروع التخريبي، ويبذلوا كل ما يسعهم لإيقافه. ونسأل الله نصرة الحق، وإزهاق الباطل، اللهم من أراد بنا سوءا فاجعل كيده في نحره، ومن أراد لنا خيرا فجازِهِ بما يستحق. ونقول: أعطوا الناس حقوقهم كيلا يطالكم كلامهم ودعواتهم، فإن دعوة المظلومين مستجابة، والكرام لا يسكتون عن حقوقهم، قال الشاعر:-

أدُّوا الحقوقَ تَفِرْ لكُم أعراضُكم *** إنَّ الكريمَ إذا يُحرَّبُ يَغضَبُ

وبيننا الأيام يا سلطة القطط اللئام، وما ضاعَ حقٌّ وراءه مطالب.

بقلم: صياد القطط


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home