Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الإثنين 20 سبتمبر 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

في الذكرى الواحدة والستين لإعلان دستور برقة

يتصادف اليوم 18 سبتمبر 2010 م مع الذكرى الواحدة والستين لإعلان دستور برقة بعد إعلان استقلال برقة في الأول من شهر يونيو 1949م.

لقد ترددت كثيرا في كتابة هذه المقالة خشية أن يساء الظن حول دوافعي في تناول موضوعها وان اصنف من قبل البعض، إن لم يكن في نظر الكثيرين، في عداد دعاة الاقليمية والجهوية البغيضة. وتحاشيا لهذا الظن السيء اود ان اعرف بنفسي وان اؤكد لمن يخالجه ادنى شك في سلامة مقصدي، فأنا من جيل من ابناء ليبيا فتح عينيه على احداث تاريخية عديدة قبل اعلان استقلال ليبيا في سنة ،1951 ومن ثم اصبحت دولة واحدة تحت التاج السنوسي. ويعلم الله انه على الرغم من برقاويتي التي اعتز بها، وانتمائي العائلي والاجتماعي لبرقة ولمدينة بنغازي على وجه الخصوص، الا انني كنت وما زلت أعتبر نفسي من اشد المتحمسين لوحدة الدولة الليبية، ولم يضعف هذا الحماس لدي التحفظات الكثيرة التي حفرتها السنون والاحداث في ذاكرتي حول مسيرة الوحدة بين اقاليم ليبيا الثلاث، طرابلس وبرقة وفزان.

ارجو ان تسمحوا لي ان اعود الى صلب مقالتي، وهو الدستور البرقاوي وذكراه الواحدة والستين التي تمر بنا هذه الأيام وربما لا يذكرها الا نفر قليل من ابناء جيلي الذي يكاد ينقرض.

وبالطبع فلا يمكن الكتابة عن الدستور البرقاوي بدون الحديث عن استقلال برقة الذي اعلنه الامير محمد ادريس المهدي السنوسي في الاول من يونيو 1949م. لا ارغب في ان اتوسع في الحديث عن ذلك الاستقلال الذي نظر اليه الكثيرون –وللاسف- وحتى من بين ابناء برقة بالشك والريبة ووصفوه –ظلما- على انه حركة انفصالية ونزعة جهوية ناسين او متناسين ان اقاليم ليبيا الثلاث لم تكن حينذاك كيانا سياسيا واحدا، وناسين او متناسين ايضا ان زعماء طرابلس اعلنوا في سنة 1918 م (الجمهورية الطرابلسية) ولم يفكر احد في وصف تلك الخطوة بانها انفصالية او جهوية، بل نظر اليها الجميع في الاقاليم الثلاثة على انها اجتهاد سياسي أملته الظروف السياسية السائدة حينذاك.

ما اتمنى أن تتذكره الأجيال الجديدة في بلادي هو أن اعلان استقلال برقة في منتصف سنة 1949م لم يكن خطوة ارتجالية أو شطحة سياسية من جانب زعماء برقة وعلى رأسهم الأمير السيد محمد إدريس السنوسي رحمهم الله جميعا. أتمنى عليكم ايها السادة ان تعلموا ان خطوة اعلان استقلال برقة كانت تعبيرا عن قناعات سياسية واعية تبلورت عبر مداولات ونقاشات عميقة ومطولة تمت خلال جلسات المؤتمر الوطني البرقاوي، وكانت محل إجماع كافة أعضائه الذين كانوا يمثلون يرقة قاطبة بكافة أنحائها ومكوناتها وسكان مدنها وابناء قبائلها. وادعو القراء الى التأمل في الكلمة التي ألقاها الامير محمد ادريس المهدي السنوسي في تلك المناسبة، فهي تلقي الضوء على الملابسات السياسية التي ادت الى إعلان استقلال برقة. كان من بين ما قاله سمو الأمير في تلك المناسبة:

"حمدا لله لا أحصي ثتاء عليه
اخواني السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أظن انني في غنى عن سرد الحوادث التي مرت على قضية هذه البلاد وتطوراتها، وكلكم عالمون بها. إنما الذي اريد ان اقوله انكم صبرتم منذ نهاية الحرب الاخيرة في هذه البلاد صبر الكرام، حيث كنتم تنتظرون اعلان استقلال بلادكم من ساعة تطهيرها من الغاصبين ثم كنت اصبّركم لتروا إنصاف هيئة الامم المتحدة باجابة طلباتكم وامانيكم القومية. ولما إني لمست فيكم في شهر مارس الماضي عيلة الصبر، كررت عليكم نصحي بالتريث إلى نهاية دورة هيئة الأمم المتحدة في شهر أبريل 1949، فإن لم تأت بنتيجة فسيقرر الشعب مصيره بنفسه. فصبرتم إجابة لطلبي كصبركم على القتال المرير في هذا السبيل منذ احتلال الايطاليين هذه البلاد. فشكرا لكم وجزاكم الله عن بلادكم وأمتكم خير الجزاء. وها هي هيئة الامم المتحدة انفرط جمعها في هذه الدورة بدون نتيجة اللهم إلا توسع الاختلافات فيما بينها وخيبة أملنا فيها. فبناء عليه لا اطلب منكم الصبر الآن بل اقول لكم واجب علينا ان نعلن في هذه الساعة المباركة وفي هذا اليوم السعيد المصادف 1/6/49 الموافق 4 شعبان 1368 استقلال بلادنا التام."

كلمة الامير محمد ادريس المهدي السنوسي اقتصرت، كما هو واضح، على بيان الملابسات والتطورات السياسية التي سبقت وادت الى استقلال برقة، غير انها لم تتناول الاوضاع والاحوال الاقتصادية والمعيشية المتردية والبالغة السوء التي كانت تحياها مدن برقة ونجوعها وكافة أهاليها حضرا وبدوا منذ اندحار قوات الاحتلال الايطالي وفي اعقاب العمليات العسكرية للحرب العالمية الثانية التي طحنت معظم مدن برقة ودمرتها. ولا أشك أن معظم القراء قد طالعوا الكثير مما كتب في وصف الأحوال البائسة لبرقة في تلك الفترة. وسأكتفي هنا بالاستشهاد بما نقله الدكتور مجيد خدوري في كتابه "ليبيا الحديثة" عن احد القادة العسكريين البريطانيين الذين شاركوا في المعارك، حيث وصف الاحوال في برقة في اعقاب دحر القوات الايطالية "لقد هدمت مدينتا البردية وطبرق تهديما تاما، وتعرضت مدينة بنغازي لدمار شديد، وشهد المواطنون الجيوش الغازية تحتل بلادهم ثلاث مرات في مدى سنتين، وشهدوا انسحابين بريطانيين، وتحملوا انتقام الجيوش الايطالية لموقفهم الودي من الجيش البريطاني، وواجه عدد منهم الاعدام بالرصاص لاسباب تافهة جدا. وبسبب تكرر عمليات الاحتلال والإنسحاب عانت برقة الأمرين، ليس من الوجهة المادية فحسب، بل من تمزق معنويات سكانها بسبب ما لاقوا من اهوال". فهذه هي العوامل السياسية والمادية والمعنوية التي جعلت زعماء برقة بقيادة الامير محمد ادريس المهدي السنوسي يسارعون في الاعلان عن استقلال اقليمهم املا في الحيلولة دون انهياره وهلاكه. لم يكن ذلك الإعلان لاسباب انانية قصيرة النظر، ولم يكن اعلانا لانفصال كيان سياسي عن كيان سياسي موحد قائم ، بل كان اعلانا لاستقلال كيان جديد لم يكن قائما من قبل.

هذا بعض ما اتمنى ان تذكره الاجيال المعاصرة للسيد محمد ادريس المهدي السنوسي والرجال الذين كانوا حوله. المكرمة الاخرى التي اتمنى ان تذكرها هذه الاجيال للامير ادريس هي انه لم تمض سوى اشهر قليلة على اعلان استقلال برقة، حتى اعلن في 18 سبتمبر 1949م عن اصدار "الدستور البرقاوي". وفي ضوء هذا الدستور وفي التاريخ نفسه تم تشكيل اول حكومة برقاوية وتوالى اصدار القوانين المنظمة لشأن الكيان السياسي الجديد ومن يبنها قانون الجمعيات الخاص بتسجيل الاندية والجمعيات وقانون المطبوعات وقانون الانتخابات. وفي ظل هذا الدستور وقانون الانتخاب جرت في 5 يونيو 1950م أول انتخابات تشريعية لانتخاب مجلس النواب البرقاوي الذي عقد أول جلساته يوم 12 يونيو 1950م.

وبالطبع فكما يعلم الجميع من معاصري تلك الحقبة أو قرأوا عنها، فإن اعلان استقلال برقة لم يدفع زعماء برقة للتقاعس في بذل المساعي الحثيثة مع اشقائهم في اقليمي طرابلس وفزان من اجل تحقيق استقلال ليبيا بكل اقاليمها، ومن اجل ان تصبح دولة واحدة في 24 ديسمبر 1951م بقيادة الملك محمد ادريس المهدي السنوسي في ظل دستور 1951.

وكما يعلم الجميع فقد واجهت الدولة الليبية التي بناها اولئك الرجال من عدم، المصير الاسود على يد حفنة من الضباط الذين خانوا الوطن وخانوا العهد الذي اقسموه وقبلوا ان يكونوا مخلب قط لأخطر وأقذر مؤامرة تعرض لها شعب معاصر.

أيها السادة، نعم لقد عانت ليبيا بكافة سكانها (من العرب والأتراك والأمازيغ والتبو والطوارق) وبكافة مناطقها (في الشرق والغرب والجنوب) من جرائم الملازم معمر القذافي وعصاباته وأبنائه منذ وقوع الانقلاب الاسود. ولكنني لا أتصور ولا أعتقد انني في حاجة لكي أدلل لكم على ان ما عانته برقة ونواحيها وكافة أهلها من جرائم هذا الحكم قد فاق التصورات وجاوز ما عانته بقية مناطق ليبيا، أو أن ادلل لكم ان ذلك كله قد تم بطريقة مقصودة ومبيتة، وكأن هذا الملازم المأفون يريد ان يفعل ببرقة واهلها ما فعله بها اجداده الفاشست. ولا يخالجني ادنى شك في ان الملازم القذافي يهدف من وراء ما يقوم به تجاه برقة وأهلها أهدافا بعيدة خبيثة وخطيرة قد تتكشف أبعادها قريبا.

ارجو –ايها السادة- الا تأخذوا كلمات مقالتي هذه على انها دعوة لعصبية او جهوية بغيضة وكريهة، ولكن ارجو ان تأخذوها على انها محاولة للتذكير ببعض الحقائق القريبة والبعيدة، والتي آمل ان نجد فيها جميعا حافزا على التكاتف والترابط من اجل تخليص بلادنا من هذا الكابوس الجاثم على انفاسها، ومن أجل أن نتمسك بوحدتنا الوطنية وان نقيم فوق ارضنا من جديد دولة الحرية والحق والعدل، وأن نحفظ في ذاكرتنا ما عانته برقة وأهاليها طوال هذه السنوات النكدة، وألا نتنكر لمظالمها كما حدث في الماضي بعيد حصول ليبيا على إستقلالها في عام 1951 واصبحت مسألة "الكثافة العددية" للأقاليم هي العامل الأساسي والوحيد عند النظر في مظالم وحقوق هذه الأقاليم.

بقلم: ابن برقة المظلومة


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home