Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأحد 19 سبتمبر 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

تعالوا معي إلى أمريكا

عوّدتكم ياإخوتي أن أكتب لكم ما يجيش في صدري دون خوف أومواربة.. علمتكم أن لا أتخطى طبيعتي، أو أزوّر أفكاري، وكل الذين يعرفونني يعلمون أن كل ما قلبي لا يلبث أن يخرج عبر فمي دون مكياج أو رتوش.. أنا لا أبحث عن وداد يقوم على الممالاة، ولا عن حظوة ترتكز على المماراة.. أكتب لكم كما عودتكم دائما عن أخطر المشاكل التي ستبقينا في قيد الأيام دهورا، والتي ستجعل من مستقبلنا رهين جهالنا زورا.. أصرخ في وجوهكم لأنذركم بأن الليلة شبيهة بالبارحة.. سرق الأشرار الثورة، ويسرق الكفار الفكرة.. يريدون وأد الوليدة، وقيادة القطيع كي يصلي لآلهة جديدة.

لعلني غمضت عليكم يا أخوتي.. لعلكم ظننتم أنني لن أفصح خوفا، أو أنني لن أبين عيّا.. أبدا.. أردت فقط أن أنبّهكم قبل أن أستدرجكم في رحلة خارج الوطن.. أردت أن أقول لكم أن جلّ مبعوثيكم الذين دفعتم بهم إلى قلاع العلم لم يفلحوا، وأنهم جاءوا إلى هنا لا لكي يتعلموا، بل لكي يطبّقوا ما تعلموه في مدارسكم وجامعاتكم المريضة.. لست خبيرا يا إخوتي بكل البلاد، ولكني أعرف الكثير عن هذا البلد التي بعثم لها برسل علمكم..آخذكم معي في رحلة إلى سيدة العالم، أمريكا، وإذا كان هناك من يخالفني في هذه التسمية فليخرج لها لسانه، وهذا التحدي يشمل كل "قبضايات" الورق واللسان.

أنا أعرف أن الكثير منكم يحلم بأن يطير إلى هناك، ويتحيّن الفرص كي يرى بعض ربوعها رؤية المشتاق.. فالعلاقة بينكم وبينها هي علاقة حب ومقت. فأنتم تكرهون تسلّطها وانحيازها وضربها لكل من تسول له نفسه بانتقادها، ولكنم تحبون تألقها وبحبوحتها وجمال نسائها وعظمة بنيانها، وترقصون على أنغام موسيقاها وترددون - حتى بدون فهم - كلمات أغاني "الراب" البذيئة، وتعلون من صوت المذياع كي يسمعها الغير فيظنون أنكم متحضرون تتذوقون فنون غيركم. ولكن مهما قلتم عن أمريكا فأنكم لا ترضون أن تجرحوها بكلمة أو حتى بلمسة شعرة، فأمريكا هي التي أعطتكم كل ما تنعمون به من مأكل ومشرب رغم إدعائكم بأنكم لا تأكلون من وراء البحر.. الكوكا كولا اللذيذة التي كانت تحتوي على الكوكائيين فنزعوه وأبقوا على النيكوتين والكافين، "والهمبرغر" المدور الذي يحتوي على نصف وزنه دهنا، وأعطتكم "التشبس" المملح الذي صار عمّو "تشبسي" يركض خلفه الصغار والكبار.. كما أنها أعطتكم سروال الجينز الذي بات مفضلا عند الرجال والنساء يضيق على الأرداف وينتفخ عند نقطة الألتقاء فيبرز المواهب المخفية ويزيد في تألق المفاتن السرية.

وأمريكا هي التى صدرت لكم تبغ فرجينيا كي تنفخوه "مارلبورو، ووينستون، ولارك،" وتمجّوا سمّه مع "النيس كافي." وهذا البلد المبتكر هو الذي كان وراء روائح "جافنشي،" وشنط "برادا، وجوتشي،" وجواهر "هاري وينستون" التي تتمخطر نساء "ثواركم" فيها ويهتزنّ فخرا باقتنائها. ولم تنسى سيدة العالم بأن تفيض على رجالكم فمنحتهم بدل "البيير كارادان،" وأحذية "دولتشي، وجابانا" وربطات عنق "بيري إليس" فلبسوها رأسا عن عقب أو باطنا على خارج وطلعوا عليكم بأرجلهم المقوسة وأسنانهم الصفراء ينظّرون ويشرحون لكم أيها القصّر كيف تكون أخلاق "الثوريين." وأنتم حتما لا يمكنكم أن تنسوا سياراتها وطائراتها وأجهزتها الألكترونية، وكتبها الرزينة ومطبوعاتها الخليعة.. وبصراحة لا أعتقد أن بينكم من يعتقد أنه يمكنه العيش في رغد بدون أمريكا رغم شعاركم المرفوع "طز في أمريكا" الذي تقولونه نكاية في ضرّتكم العتيدة.

ورغم أنني قد أقمت في هذه البلاد لمدة طويلة إلا أنني لن أبسطكم فآخذكم "لديزني لاند" حيث يمرح الصغار والكبار فيخرجون منها ببدن جديد، ولا "لليونيفرسال ستوديو" حيث ترى العين ما كانت تراه حقيقة في الخيالة يتقلص إلى خدعة بسيطة تجعل المرء هازئا بنفسه لاعنا لذكائه... كما أنني أرفض أن آخذكم إلى "لاس فيغاس" التي ترفل في ثيابها الجميلة دون إعتبار لوقت أو زمن أو فصل، ولا لأي من المدن التي لا شك أنكم عشتم مع أحلامكم فيها مثل "لوس آنجلس" التي تستلقي تحت الغمام، و"سان دييغو" التي تغسل قدميها عند كل فجر في مياه المحيط، و"سان فرانسيسكو" الواقفة فوق ثرى رجراج.. لن أطير معكم إلى "ميامي" التي تداري الأعصار بيديها ولا "لنيويورك" التي تستلذ كالماسوشية بمسامير البشر الطويلة المغروسة في جسدها أو "لسانت لويس" التي ترقص غريقة تحت مياه طوفانها.. ولن آخذكم إلى متحف "السميثسونيان" العظيم الذي يدسّ في أعطافه – رغم قصر تاريخ امريكا - ملحمة العالم أجمع... ولن أزور معكم الجامعات العظمى التي تهطل علما مثل "هارفرد وستانفورد وبيركلي وييل" أو "معهد ماسا شوسيتس للتقنية." لن آخذكم لأماكن اللهو ولا لأماكن الجد.. لن أرافقكم إلى مكامن السياسة ولا إلى معابد الصلاة فأنا على يقين بأنكم تعرفون كل ذلك أكثر مني، وأن آلة الدعاية الرهيبة قد نقلته لكم في بيوتكم ومدارسكم وتحت طيات بطاطينكم.. وأنكم مؤمنون تماما – رغم معاناة أمريكا الأقتصادية - أنها أعظم دولة على وجه البسيطة. حسن إذن.. أنا أيضا أعترف بأنني مثلكم.. مثلكم تماما، مع فارق بسيط.. فبعد كل هذه السنين في هذا البلد الكبيرلا بد لكل أنسان أن يحسّ بأن له هدفا في الحياة.. فالوتيرة سريعة، والأرض متحركة وكل ما حولك يحوم حولك ويضيق عليك كي يلتهمك.. لم أنس بأنني عربي بكل كياني وأني مسلم بكل حواسي وشعوري. وأنا عيش في وسط كان إلى عهد قريب، متسامحا جدا معي في كل تصرفاتي أعترف بأن الكثيرين من أبناء جلدتي قد جاؤوا إلى هنا وعاثوا في الأرض فسادا.. فسكروا وعربدوا وغشوا وسرقوا، وعاملوا النساء معاملة اهل الشرق، ولكنني أعرف أيضا أن الكثير منهم قد أتى وتعلم وأسهم في تقدم هذا البلد العظيم وأعطى لأمريكا لب فكره وسلافة دمه.

ولأنكم من بلد تعلمتم فيه أن تنسوا المخلصين وتحدبوا على الفاشلين والكاذبين والغشاشين سوف أعمل على نفس المنوال وآخذكم إليهم.. إلى بني جلدتكم الذين أرسلتموهم كي يبشروا بحضارتكم الجديدة، وينقلوا إلى العالم المتقدم عصارة فكركم وتعليمكم.. آخذكم سادتي إلى الطلبة المبعوثين الذين جاؤوا من كل حدب وصوب من بلادكم يحملون أوراقا مهترئة وجيوبا منتفخة.. آخذكم إلى الذين بعثم بهم في طائرات "الأير باس والبوينج" كي يقطعوا المحيطات ويفتتحوا باكورة إنتاجكم العلمي، وينبؤون عن تطوركم التعليمي.. وثائق مزورة، وشهادات لا تساوي قيمة الحبر التي تحمله، ودرجات منتفخة بغاز الهليوم وأدمغة متحجرة لا تعي حتى موقع أمريكا على الخريطة.

سأطوف معكم على كل ولاية ومدينة، وأريكم العينات الفريدة التي أتت بقدرة قادر كي تتاجر وتتناحر، وتشي وتوشوش، وتكسل لتفشل.. هنا في أمريكا الكبرى رأينا جحافل الطلبة الفاشلين يقفزون إلى الواجهات الأمامية ويأتون في جماعات لا يمكن أن تكون عفوية.. لا يمكن أن يقول المسؤول الذي أرسلهم أنهم أتوا نتيجة خطأ، أو سوء تقدير، أو حسن نية.. هؤلاء أتوا لأن القبلية والعشائرية والثللية لا زالت تتحكم فينا.. هؤلاء أتوا لأن التوازن العرقي والجهوي والأقليمي لازال هو ديدننا.. هؤلاء أتوا لأنّ الأمن لا زال هاجسنا.. لم تستطع الجماهيرية العظمى أن تكبر وتمزق ثيابها.. لم تستطع أن تنظر خارج محيط أنفها، ولم تستطع أن تنفض عن جسدها المتورم الطفيليات العالقة بأركانها وزواياها... لا زالت الولاءات تهزم الكفاءات، ولا زال الأقزام يهزمون العمالقة، ولا زال البيض الفاسد يطفو فوق الماء الآسن.

يمكن للمرء أن يتسامح على مضض مع الذين سرقوا قوت عيالنا، وأن ينسى مع الثكالى الذين سجنوا أبناءنا.. يمكن لنا أن نمشي في الجنائز ونحن نستغفر لجلادينا، وأن نسير على الأشواك نلعن قاتلينا، ولكن لا يمكن أبدا أن نسمح للذين سرقوا المال والبيوت والأراضي، والمزراع والمقابر والمشافي أن يعيدوا سرقتنا وجلدنا وقتلنا .. لا يمكن أبدا أن نترك الذين جعلوا فتياتنا عاهرات، ونساءنا سبيّات، وأطفالنا صرعى المخذرات بأن يمسوا ضمائرنا وعلومنا ويهزؤوا بنا.. لقد دخلنا التجربة المريرة في السابع من أبريل ورأينا ماذا حصل لماكينة التعليم في بلادنا، فهل نسكت الآن على الذين يريدون تمييع "فكرة الغد" بأرسال أفشل طلابنا كي يعودوا أفشل من كل الفاشلين.. لقد دخلت أوربا عصر النهضة بفضل مبعوثيها، وسمت أمريكا بعقول علمائها، وحلقت روسيا بجرأة مخترعيها، وقفزت اليابان بحيوية مبدعيها.. عليكم بالتحرك.. عليكم بالكتابة.. عليكم بالأستنجاد بقائد الأمة.. أرجوكم إن الأرض تميد تحتكم، فلا تتخموا أنفسكم بحكايات عن مستقبل لا تكونون أنتم جزءا منه.

علي عمر التكبالي


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home