Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأربعاء 19 أغسطس 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

حـُلـُم

إلى الذين قتلوا بلا ذنب اقترفوه ولا عيب فعلوه ..أهدي هذه القصة.

البشر طبقات .. لا أحد منا يستطيع إنكار ذلك، أو حتى تغييره، وهو واقع لا يتغير إلا بمعجزة إلهية، كنزول أحد الأنبياء مرة أخرى ، أو أن يرمز لنا ربنا بشيء فنستدل به ، ويعرف كل إنسان أن ما يملكه ليس إلا قاذورات جمعها في مرحلة الحياة الفانية ، سواء أن كانت مالا ، أو قوة جسدية كانت أو عددية ،أو حتى سمعة..
والطبقات تختلف من حيث النوع، فهناك الطبقات الاقتصادية ، والاجتماعية ،وهناك الطبقات العقلية.. نعم طبقات عقلية ..
ومن رحم ما تمخضت به إحدى هذه الطبقات ،خرج أحدهم منها ، ليعلن أنه أتى بفكرة جديدة ـ في نظره ـ كان صديقا لي في ذلك الزمن السحيق ، يدعى " المسكين " كان طويلا نوعا ما،عريض المنكبين ، ليس سمينا أو رقيقا ، كان رشيقا ، كانت لحيته تغطى وجهه الكئيب ، وما بين أنفه وفمه من شعر أسود كان غزيراً قاتماً، يكثر عن ما في ذقنه..
لا أدري إن كان متأثراً بنيتشه أم لا ، كانت عيناه سوداوتين كبحر فقد القمر في إحدى الليالي الطويلة، ويعلوهما شعر أسود مسترسل في خط أفقي واحد مع استدارة بسيطة في نهايتيهما إلى الأسفل، وبين الأخير وما يكسو قمة رأسه من شعر قاتم السواد مساحة عريضة تمثل جبهته ، كان أنفه إسرائيليا ، وبفهمه استدارة للأسفل رغم ضيقه ..
كان يعيش غريباً عن أهله وأصدقائه ، لأنه كان ـ حقيقةً ـ غريب الأطوار ، فكان عندما يحاول أن يعرض رأيه في إحدى مشكلات أسرته ، يعلق عليه أحدهم وينعته بالمجنون .. فيرد عليه بنظرة يائسة ، تقول في تموجاتها :"أنا أريد مصلحتك فقط .. لا أريد عرض ما عندي من فكر عليك" ، ويذهب إلى مكان أخر يفكر فيه ..
وعندما يحاول أن ينصح أحد أصدقائه ينفر منه ، كنفور الإقطاعي من رائحة فلاحه ، كان أشبه ـ إن لم يكن ـ بمنبوذ اجتماعي ، وفي أحد الأيام صحا من نومه ليجد فكرة قد رسخت في ذهنه ، من أحد أحلامه الكثيرة ، التي لا تحصى ولا تعد ..
وظل أياما يحدث كل من له بهم صلة ـ أياً كانت ـ عن حلمه وفكرته ، التي يدعي أنه استحدثها ، بالرغم من أنها في بيان لمن يعقل منذ زمن ..
وقد كنت من بين الذين كان يعرفهم ، وحدثني ـ كالجميع ـ عن حلمه ، الذي تمخض عن فكرة ..
بدأت رؤيته في مكان كان أشبه له بميدان من ميادين الرومان الأولين ، ولم يوقن من ذلك إلا عندما رأى " مقيأة " ، نظر أمامه فرأى امرأةً معها صبي في السادسة أو السابعة من عمره ، كانت مجللة بالسواد ، وكعادة اكتسبها من عالمه السقيم ، لحق بالمرأة ، فاقترب منهما عند مفترق ، كان يمينا يُدخل إلى ميدان كبير مظلم ،ويساراً هناك دَرَج قديم مكون من صخور التأمت وتراصّت فكونت مِصعداً للناس ، فكانت المرأة على وشك السير يميناً إلا أن شيئاً ما بدُّل رأيها ، فاتجهت يساراً ، فتبعها "المسكين" بعد أن كان يتبعها في دخولها يميناً ، ومرة ثانية ، لا أدري ما دعاها لتغيير رأيها والرجوع إلى اليمين والدخول لذلك الميدان المظلم ، وهنا برزت إحدى صفاته التي أتى بها من عالمه الداخلي الرشيد، فقد أنذرته صفته الجميلة بأنه قد غيًّر رأيه مرة ، وإن تبديل الرأي أكثر من مرة لهو رذيلة يستخدمها المنافقون ، لحماية مكاسبهم.. فقرر ترك المرأة وشأنها ، والصعود إلى الأعلى ،بارتقاء الدًّرج الذي يعجّ بالشقوق المليئة بالحشرات ..
أكمل الدرج فوجد نفسه في عالم جديد ، غير ميدان الروم ، فوجد أناسا كأنهم سُيًّاح ، ينتشرون في كل زاويةٍ وممر ، يرتدون جميعهم ألبسةً بيضاء ، مشابهةٌ لوجوههم الفارهة الباسمة ..
اتجه يميناً ، فدخل أحد الشوارع ، فعرف الشارع ، إنه بأحد أحياء مدينة المروج الساحلية، أكمل الشارع ،فوجد على ناصيته شابين ، كانا يرتديان قبعات تخفي جزءاً من ملامحهم، سار تجاههم ، وعندما وصل إليهم ، لم يلقي عليهم تحية السلام ، بل كأنهم كانوا متفقين على أن ما بينهم لا يمكن أن يكون إلا سلاماً ، فتعرف بهم وذهب مع أحدهم ليريه معالم مدينتهم الغريبة ، فاتجهوا يساراً ، انتقلوا من شارعٍ فرعي إلى شارعٍ عام كأنه أكبر شوارع المدينة ، فأشار الشاب إلى أحد المباني الكبرى ، كان لونه من لون الذهب الخالص ونوافذه كبيرة قد لاذت بها زخرفة رقية رائعة ، قال الشاب :"إن هذا المبنى الضخم الذهبي اللون هو بداية للحي التركي ،توجد خلفه نماذج من جمال العمارة الإسلامية التركية العظيمة ".
مضيا في الشارع بغير ملل أو كلل ،فقد تناسقت أرائهما ، وأعجب "المسكين" بطراز المباني المختلفة العربي منها ، والفارسي ،والتركي ، والصيني ، والروماني ، والفرنسي، ومن المباني التي وصفت في الكتب كانت أحياء ، فبنيت بغداد الرشيد في حي صغير مثًّلها ، وبنيت أيضاً حواضر من الأندلس .. شيء عجيب حقاً .. توقفا عند أحد المباني ، فأشار الشاب بسبابته قائلا:"هذا مقر الرئاسة".
دُهش صديقي واستفهم"ماذا .. ما هذا" ردد الشاب :"مقر الرئاسة" .
سأل :" رئاسة من؟" فأجابه :" رئاسة مدينتنا الكبرى التي أنت في ضيافتها هذه اللحظة".
ابتسم صاحبي وفكر قليلا .. هل هذا الشاب كاذب أم ما قاله كان صحيحا..ً
نظر للمبنى فوجده مبناً متواضعا لأبعد الحدود به أربعة طوابق ، كان رئيس هذه المدن الجميلة المجتمعة في مدينة كبرى يقعد على كرسيه في الطابق الرابع ،لكم أن تتصوروا هذا ..
أكملا طريقهما إلى أن أوقف صديقي شيءٌ ما لفت انتباهه بقوة بالغة ، فقد رأى دكانا يعرض في واجهته عوداً ، ظن صاحبي أنه رآه من قبل ، اقترب منه ، فصرخ من شدة الغرابة بعد أن نظر للدكان ثم وجًّه نظره للشارع وصاح:"إنه شارع جمال عبدالناصر .. هل هذه الجنة مدينتي " وفجأة لا أدري ما انتابه أمسك بيد الشاب و حاول ثنيها لإيلامه .. كانت ردة فعل متوقعة جداً .. إلى أن الشاب لم يتألم و إنما أمسك بوجه صاحبي بيده الوحيدة وناغش وجهه بحنية ملائكية صرفة ،مما دعا صاحبي لإفلات يد الشاب ، وفجأة ظهر الشاب الثاني الذي كان مع الشاب الذي تجول مع صاحبي من أحد الشوارع الفرعية ، وأخذه من يده وهب به واختفيا في أحد الشوارع القزمية..
نهض صاحبي من حلمه وفي ذهنه ترسخت فكرة ، قرر نشرها وإيصالها لحاكم مدينته بأي شكل من الأشكال حتى بالتنكر .. فأخذ يروي فكرته التي تقول "بأن ما الحاكم إلا فرد من جماعة ، تختاره الجماعة بصفته يحمل بعض خصال الحكم ،وأخلاقه ،وقدراته ، فتحكمه في أمرها ، وتطلبه لحل نزاعاتها ، وتنظيم حياتها" هكذا حدًّث الناس عن فِكرته العظيمة..
والتي سيكون لها دور في حل جميع مشاكل البشرية .. هكذا أوهمه عقله ،فراح يفكر في اجتياز العقبات والأشواك والكلاب التي اشتبكت أسنانها ، التي تحول دون لقائه برئيسه ..
فقرر أن يذهب إلى مأوى رئيسه ، التي تمثِّل معسكراً في حقيقتها .. فهناك كم من الحلقات التي لاتمت للبشر بصلة حول الرئيس المعظًّم .. ذهب إليه وطلب مقابلته بحجة أنه يريد أن يعرض على رئيسه مقدرته الروحية .. ونجحت خطته بأعجوبة.
.. ودخل على رئيسه .. و اقترب منه بخطوات هادئة كانت تحمله إلى حتفه .. حدث رئيسه كما حدثني أنا وكما حدثتكم عن فكرته ..
أمر الرئيس المعظًّم أحد كلابه ، بحركة من يده كانوا قد اتفقوا عليها من قبل، وهي تعني "لا أريده على وجه الأرض ، بل أريده تحتها".
لو أن صديقي استشارني الآن لركلته على قفاه ، و قطعت لسانه ، لأنه نسي أن حاكمه ليس من جماعتهم أولا ، وأنه لا تتوافر فيه شروط الحكم، وأنه لم يختره أحد..
لهذا .. ظل صاحبي رابضاً في منصة الشرف ، أمام ذلك المبنى العظيم ، لثلاث ساعات، وقد رسخ الحبل في رقبته ، التي كان قبل قليل ، يجدد بها إحدى الأفكار الجميلة .. فِكرة !! هو الرجل الذي قتلته فِكرته .. كمن قتله شعره...
سلامٌ على مجموعتنا.

عدنان الجوهري
Arabic.hero@yahoo.com
14.8.2009
بنغازي



previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home