Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأحد 17 اكتوبر 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

قرأت لك :
عالم متعدد القوى يمضي نحو حقبة جديدة من التدافع

عالم متعدد القوى يمضي نحو حقبة جديدة من التدافع

د. بشير موسى نافع

المصدر : القدس العربي : http://www.alquds.co.uk

2010-10-13

في كلمة ألقاها بجنيف في الأسبوع الماضي، أشار السياسي الأمريكي العجوز هنري كيسنجر إلى أن خارطة القوى العالمية أصبحت اليوم أكثر تعقيداً مما كانت عليه في أي وقت مضى منذ الحرب العالمية الأولى، ببروز قوى اقتصادية جديدة، يملؤها شعور قومي متنام بالثقة، مثل الصين والهند والبرازيل وروسيا، لم يعد من الممكن الحديث عن عالم أحادي القطبية.

والحقيقة أن ليس في هذا الاستنتاج من جديد، فقد أدرك مراقبو الشأن العالمي من أكاديميين ورجال دولة أن نموذج القطب الواحد كان قصير العمر بالتأكيد، وأنه ما أن ظهر على المسرح العالمي في التسعينات، بعد انهيار الكتلة الشيوعية وانتهاء الحرب الباردة، حتى خبا في العقد الأول من هذا القرن، عندما اتضح عجز الولايات المتحدة عن التحكم المنفرد في الشأن العالمي، سياسة واقتصاداً.

الملفت في حديث كيسنجر، الذي تشكلت رؤيته للسياسة الدولية من دراسته لتوازنات القوى الأوروبية في القرن التاسع عشر، هو تذكيره بأن أوضاع القوى على الساحة الدولية تشبه إلى حد كبير خارطة القوى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

قادت عالم القرن التاسع عشر قوتان رئيسيتان: بريطانيا وفرنسا، بعد أن سبقتا القوى الأوروبية الأخرى في الاستحواذ على إمبراطوريتين متراميتي الأطراف، عابرة للقارات. داخل الساحة الأوروبية، حيث اندلعت الحروب طوال قرون، كان توازن القوى الذي أسس له بعد الحروب النابليونية ما زال مستقراً، تمسك بأطرافه بريطانيا وفرنسا والنمسا وألمانيا، وإلى حد ما الدولة العثمانية. ولكن الممتلكات الإمبريالية العالمية وضعت بريطانيا وفرنسا في موقع خاص بهما، يفوق مقدرات أي قوة أوروبية أخرى. ولكن متغيرات جوهرية في خارطة القوة أخذت في التبلور في العقود الأخيرة للقرن التاسع عشر، ولدت من رحم الوحدة الألمانية والنمو الصناعي الألماني الهائل، من تحول أمريكا المتسارع إلى قوة اقتصادية عالمية، ومن معدلات النمو اليابانية الكبيرة. بالنظر إلى المقدرات العسكرية الهائلة لبريطانيا وفرنسا، لم يكن هناك ما يدعو إلى القلق. ولكن، كما أن حاجات الأمم والشعوب الاقتصادية كانت سبباً رئيسياً للحروب والصراعات عبر التاريخ، فإن القوة الاقتصادية استدعت القوة العسكرية، ليس لتوفير الحماية وحسب، بل ولتعظيم الموارد والأسواق كذلك. وهكذا، ما أن حل العقد الأول من القرن العشرين حتى أخذ استقرار ما بعد الحروب النابليونية في التداعي. افتتح القرن بالحرب اليابانية الروسية، ثم بدأت ألمانيا بالتململ، مرة في اتجاه التحالف مع العثمانيين، وأخرى في محاولة وضع موطىء قدم لها في القارة الإفريقية. ولكن صراع القوة كان لابد أن يحسم في الساحة الأوروبية نفسها، قبل أن يؤسس لنموذج جديد لعلاقات القوى. وهذا ما أطلق ويلات الحرب العالمية الأولى، التي لم تخمد مدافعها حتى وضعت بذرة الحرب العالمية الثانية في المناخ الأوروبي.

في موازاة حديث كيسنجر، كانت الصين وتركيا توقع سلسلة من اتفاقيات التعاون الاقتصادي والتجاري الاستراتيجي، غير المسبوقة في سياق العلاقات بين البلدين، شملت تعهد الصين بتحديث شبكة من آلاف الكيلومترات من السكك الحديدية التركية، وآفاقاً لإعادة إحياء طريق الحرير ورفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من 17 إلى 50 مليار دولار. وكانت الصين قد وقعت اتفاقيات تعاون كبرى مع إيطاليا، بعد أن مدت يد العون لليونان المفلسة في عملية شراء ضخمة لسندات الديون اليونانية، حتى أن أحد المراقبين الأوروبيين وصف الخطوة بأنها توشك أن تجعل اليونان أول مستعمرة أوروبية صينية. وليس في هذا ما يجب أن يدعو إلى الاستغراب، ففي الوقت الذي تعاني الاقتصادات الأوروبية والاقتصاد الأمريكي معاناة طالت أكثر بكثير من المتوقع من آثار الأزمة الاقتصادية المالية لعام 2008، ينمو الاقتصاد الصيني بمعدلات كبيرة وبلا عثرات تذكر. يجعل هذا النمو من الصعب إشباع شهية الصين لمصادر الطاقة والموارد الأولية، كما يدفع الصين إلى تحقيق شراكات اقتصادية وتجارية مع مختلف دول العالم، صغيرها وكبيرها.

بيد أن الصين ليست المنافس الوحيد في هذا المجال، بعد دخول اقتصادات من الحجم الكبير، مثل روسيا والبرازيل والهند، ومن الحجم المتوسط، مثل تركيا، ساحة المنافسة، سواء في دوائرها الإقليمية المحيطة، أو على المستوى العالمي. افادت البرازيل من التراجع الملموس في حيوية الاقتصاد الأرجنتيني، وأخذت في تعزيز نفوذها الاقتصادي في كل أمريكا اللاتينية؛ وقد ساعد الوزن العالمي للرئيس لولا، المنتهية ولايته، في فتح منافذ نشاط وتعاون اقتصادي للبرازيل في العديد من دول آسيا وإفريقيا.

أما تركيا، التي تستند إلى ميراث عثماني عميق الجذور، فقد بدأت منذ سنوات في تعزيز موقعها الاقتصادي والتجاري مع الدول العربية وإيران، كما مع دول القوقاز والبلقان. وإلى هذا النفوذ الاقتصادي الإقليمي، وليس إلى العلاقات الاقتصادية التقليدية مع دول الاتحاد الأوروبي، يعزى خروج الاقتصاد التركي السريع من أزمة 2008 الاقتصادية ـ المالية. وتعتبر روسيا حالة فريدة في منتدى القوى الاقتصادية الجديدة هذا. فروسيا وريثة دولة عظمى، وتعتبر المنافس العسكري الاستراتيجي الوحيد للولايات المتحدة على الصعيد العالمي. على أن روسيا، باستثناء الصناعات والتجارة العسكرية، تعتبر قوة اقتصادية وتجارية بائسة. ولكن الصعود الهائل في أسعار النفط والغاز في العقد الأخير، ساعد الروس على التحرر من أعباء الديون، وإعادة التوكيد على الدور والنفوذ، وإن اقتصرت استعادة الدور والنفوذ الروسية على الخارج القريب، أي جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة في وسط وشمال أوروبا ووسط آسيا والقوقاز. والواضح أن القيادة الروسية الحالية تتجه الآن نحو مشروع واسع النطاق للتجديد الصناعي والاقتصادي، يصعب توقع المدى والنتائج التي يمكن أن يصل إليها.

بكلمة أخرى، ثمة خارطة اقتصادية عالمية بالغة التعدد والتعقيد والاشتباك ترتسم ملامحها شيئاً فشيئاً. في هذه الخارطة لم تعد دول جانبي الأطلسي تستطيع الحفاظ على التفرد في الشأن الاقتصادي العالمي أو احتكار قراره. الواقع أن الصين أصبحت هذا العام بالفعل ثاني أكبر قوة اقتصادية عالمية بعد الولايات المتحدة، وأن أحداً لا يعرف حجم العطب الذي أحدثته الأزمة المالية الاقتصادية الطويلة في الاقتصادات الغربية على جانبي الأطلسي. من الضروري، بالطبع، عدم الذهاب بعيداً والمبالغة في توقع انهيارات اقتصادية غربية، أو تجاهل مقومات القوة الاقتصادية والإبداع التقني الأمريكي؛ فخلف الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية ميراث هائل من المقدرات الصناعية والاقتصادية، وتمتلك هذه الدولة مراكز بحث ومؤسسات جامعية لا توازيها أية مراكز وجامعات أخرى في العالم.

وهذه المراكز والجامعات هي في النهاية محركات الصناعة والإبداع. ولكن من المهم أيضاً ملاحظة التقلص النسبي والحثيث في المساحة التي تحتلها الكتلة الاقتصادية الغربية في خارطة العالم الاقتصادية. مثل هذه المتغيرات الكبرى في الوضع العالمي يمكن أن تطلق حراكاً دبلوماسياً عالمياً، لتأمين الانتقال السلمي نحو نموذج قوة عالمي جديد. فمهما كان للسوابق التاريخية من تأثير على العقل السياسي في حقل العلاقات الدولية، فليس ثمة شك في أن ذاكرة العالم ما زالت تحتفظ بالكثير من الويلات والآلام التي جرتها حربا القرن العشرين الكبريين وحربه الباردة. وربما يستطيع العالم بما اكتسبه من عقلانية ودروس أن يجد طريقه نحو احتواء الكوارث الكامنة في عملية الانقلاب والتحول الاقتصادي الهائلة التي تشهدها خارطة القوى الاقتصادية.

بيد أن هناك احتمالاً آخر، بلا شك، احتمال أن تعجز القوى العالمية عن تلمس طريق التحول السلمي، وأن تتصاعد المنافسات الاقتصادية، وتطلق في النهاية شرارة التدافع العسكري والاستراتيجي. وربما تعتبر الاستجابة العالمية لتداعيات الأزمة المالية الاقتصادية مؤشراً هاماً على الكيفية التي تتعامل بها القوى الاقتصادية الرئيسية مع بعضها البعض ومع التحولات التي تشهدها خارطة القوى العالمية. ففي ربيع العام الماضي، وقفت دول العشرين معاً في لندن في مؤتمر هام، معلنة تضامنها وعزمها العمل معاً لسد ثغرات النظام المالي العالمي والتعاون لتجاوز الأزمة ومنعها من التحول إلى حالة من الانهيار الاقتصادي. وبمرور زهاء العام ونصف العام، لا يبدو أن وعود المؤتمر قد تحققت. ثمة خلافات طاحنة بين الولايات المتحدة وأغلب القوى الاقتصادية الغربية، من ناحية، والصين، من ناحية أخرى، حول سعر العملة الصينية المنخفض، الذي تعتقد الدول الغربية أنه سعر غير عادل، وأن الدولة الصينية ترفض أن تترك لقوى السوق دفع سعر العملة للأعلى، بهدف المحافظة على معدلات التصدير الصينية مرتفعة. وبالرغم من الإدراك العالمي المتسع لعواقب التنمية الاقتصادية الفادحة على البيئة، لم تزل القوى الاقتصادية الرئيسة تتبادل اللوم حول المسؤولية عن النظام البيئي وتوزيع الأعباء الأطراف المختلفة. وبالرغم من أن الأمور لم تصل بعد إلى حد التدافعات العسكرية الحادة، فربما تجدر الاشارة إلى أن روسيا خاضت حرباً صغيرة قبل عامين ضد جورجيا، لتوكيد نفوذها في شمال القوقاز، وأن حرب الولايات المتحدة في أفغانستان لا تخلو من اعتبارات استراتيجية تتعلق بالصين وروسيا، وأن القوات الأمريكية لم تزل في العراق، وأن هناك جدلاً لا ينقطع حول معدلات التسلح الصيني، وأن الهند تتحول سريعاً إلى قوة إقليمية كبرى. وفي موازاة هذه التطورات، تشهد الساحة العالمية عملية اصطفاف وتحالف بالغة الحساسية، تحاول فيها كل من القوى الاقتصادية الرئيسة إخفاء حقيقة نواياها وتجنب استفزاز الأطراف الأخرى في شكل مبكر.

هذا عالم جديد، وليس من السهل القول بأن ساحة القرن التاسع عشر الدولية تعيد توليد نفسها. مشكلة التنافس الدولي في النصف الثاني للقرن التاسع عشر أن ساحته كانت أوروبية في مجملها، وأن أوروبا ظلت معملاً للحرب طوال قرون. ما يشهده عالم العقد الأول من القرن الحادي والعشرين هو بروز قوى اقتصادية كبرى داخل وخارج القارة الأوروبية. هذا تطور جديد، لم تعرفه العصور الحديثة من قبل، وهو تطور غير قابل للتنبؤات السهلة وسيناريوهات قراءة المستقبل التقليدية. ولكن تجاهل هذا التطور من قبل الصغار أو الكبار لن يكون بلا ثمن فادح، على أية حال.

' كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث


علي جبريل


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home