Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأثنين 16 مارس 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

بنغازى وعبث الكوّازى

بنغازى مدينة عتيّدة عنيدة عصيّة , هكذا تقول سيرتها الذاتيه , فعبرتاريخها الطويل أستعمرت تارة, وهاجمها اللصوص والطّغاة تارة اخرى.
تعثرت بنغازى كثيرا , وانكسرت وتحطّمت مرات عديدة منذ أن خلقها الله , غير أنها لم ترفع الراية البيضاء ولم تخضع للهزيمة ابدا. فمن وسط الرّماد تنبعث من جديد كأسطورة طائر الفينيق العنقاء , نافضة من فوق جبينها الوضّاح غبار الهزيمة , والاحذية الثقيلة . هكذا بنغازى دائما كسكاكين اللهب فى حلق المستكبرين وقطّاع الطرق , فآمآلها دائما أكبر من عذاباتها وآلامها وأعدائها الاقزام .
هذه المدينة تقع فى مدار مهبّ رياح القبلى , المحمّلة بالاتربة والرّمال والغبار الخانق الكثيف . وتقع ايضا فى مصبّ الرياح الهمجية العاتية التى طالما هبّت عليها ولم تنل منها , وكعادتها تبقى بنغازى صخرة ثابتة لا تتزحزح ولا تميل .
موقع المدينة الجغرافى شبيه بموقع غزّة الفلسطينية , حيث لا توجد جبال ولا وديان ولاغابات ولا احراش , فهى ارض مكشوفة ومسطّحة على مرمى البصر . فى احد أركان المدينة وتحديدا فى شارع عمرو ابن العاص ومن جهة الفندق البلدى , كان يوجد هناك ضريح شيخ الشهداء عمر المختار , الذى عوقب مرتين عقابه الاول كان الحكم بالإعدام شنقا حتى الموت , على يد جزّار برقة غريسانى , بتهمة حمله السلاح وقيادته المعارك ضد المحتل الفاشى , أما عقابه الثانى فكان بعد استشهاده , وتمثل فى نبش قبره وإزاحته من مكانه ( بسبلة ) أن المكان الذى شنق فيه يجب ان يدفن فيه . فى حياته قاد السيد عمر المختار المجاهدين , وشارك فى عشرات المعارك دفاعا عن عقيدتنا ووطننا , وبعد إستشهاده اصبح ضريحه أهم رمز ومزار فى المدينة , ففى اوقات العسر والشّدة يلتف سكان بنغازى حول الرّمز الضّريح ومن هناك ينطلقون فى تظاهراتهم وإنتفاضاتهم .
هنا ايقن ( سيف الدولة المسلول ) أن هذا الشايب ( المدعو عمر المختار) مزعج فى حياته ومشاكس فى قبره , فقرر ( نفيه ميتا ) الى قرية سلوق بعيدا عن المدينة . من أجل ذلك تم إستبدال الرّمز عمر المختار , وحلّ مكانه ابى منيار الذى لم يطلق ( فوشيكة ) واحدة فى وجه الإستعمار كما تدوّن مراجع الاخبار .
عناصر المدينة البشرية متعددة وخلطة عجيبة , تجانست وانصهرت عبر تراكم السنين , وكوّنت فسيفيساء بديعة من خلق الله , فجذور سكان بنغازى تعود الى مختلف مناطق ليبيا , مرورا بالشّمال الإفريقى البربرى الإسلامى العربى , ومن سواحل البحر الابيض المتوسط , من يونان , وكريت , وأرناؤوط , وأتراك , وبعض الارمن , وبعض من يهود الدونمة , وبعض من مسلمى ويهود بلاد الأندلس الذين فروا من الإضطهاد بعد سقوط الدولة الإسلامية هناك , بالإضافة الى سكانها الأصليين .

خرجت بنغازى بعد إندحار الفاشيست منهكة القوى , مثخنة بالجراح , مهيضة الجناح . يحاصرها من كل جانب الثالوث القاتل المخيف , متجسّدا فى واقع المرض والفقر والجهل . اطفال المدينة يموتون بالعشرات كل أسبوع ونسبة التعليم متدنية للغاية , والأمية متفشية تسرح وتجول فى المدينة . غير أن حكمة ورجاحة عقل السيد محمد ادريس ملك البلاد , والرجال المخلصين الّذين إلتفوا حوله غيرت واقع الحال المزرى , وبدأت المدينة تسترد أنفاسها وعافيتها , وأصبحت عيون أطفالها وشبابها وشيوخها , تشع بالامل وتتطلع الى حياة أفضل .
خلال عشر سنوات فقط من عمر الإستقلال المجيد , تغيرت بنغازى عمّت المدارس أرجاء المدينة وتم انشاء معاهد ومدارس لذوى الإحتياجات الخاصة , مجسّمة فى جمعية الكفيف الليبى , وإنشاء معاهد الصّم والبكم , ايضا تم إنشاء جمعية النهضة النسائية التى ترأستها المربية الفاضلة الأستاذه حميدة طرخان , كان ذلك عام1954 م .
وتم انشاء المستشفيات والمستوصفات فى معظم احياء المدينة . وقد تنازل السيد ادريس عن قصر المنار لوزارة المعارف , ليصبح أول جامعة ليبية فى بنغازى , حدث ذلك عام 1955 م أى بعد الاستقلال بثلاث سنوات وعدة شهور فقط . كان عدد أول دفعة إلتحقت بهذه الجامعة واحد وثلاثون طالبا لا غير, أضحت جامعة بنغازى فى سنوات قليلة جدا منارة علم , قشعت ظلام وأحزان قرون عدة . إستعانت جامعة بنغازى بأفضل الكفاءات العلمية العربية وخاصة من مصر وسوريا والعراق , تعاقدت جامعة بنغازى مع جهابذة التعليم فى الجامعات المصرية . مما حدى بالرئيس المصرى الرّاحل أن يشكو من تلك الجامعة , لأن أفضل أساتذة جامعات مصر فى ذلك الوقت إستقطبتهم هذه الجامعة الوليدة .

أصبح طلبة جامعة بنغازى يتمتعون بمزايا لم تكن متوفرة لأقرانهم طلاب الجامعات العربية آنذاك , فقد تقرر منح كل طالب منحة شهرية قدرها خمسة وعشرون جنيها , وكذلك بدلتين سنويا , وكانت الكتب والمراجع توزع بالمجّان . فى تلك السّنوات كان متوسط مرتبات موظفى الدولة الليبية خمسون جنيها .
اطلق إسم الشاعر رفيق المهدوى على احد مدرجات الجامعة تكريما ووفاء وعرفانا لما قدمه للوطن عبر مسيرة نضالية امتدت لأكثر من نصف قرن , ومن ضيوف مدرج رفيق المهدوى كان الشاعر نزارقبانى ومظفر النوّاب , وتوفيق زيّاد , والعديد من ادباء ومثقفى تلك المرحلة . صدر عن جامعة بنغازى مجلة مرموقة إسمها قورينا يصدرها طلبة الجامعة شهريا , كانت تلك المطبوعة الشهرية من أهم المجلات الأدبية والثقافية والسياسية , وكان إتحاد طلبة الجامعة يتم إختيارهم بالإنتخابات النزيهة دون تدخل إدارة الجامعة أو السلطات الحكومية . داخل اروقة الجامعة تدور صراعات فكرية ذات مستوى راق , وكان معظم الطلبة مسيسين وينتمون لمعظم التيارات السياسية التى كانت سائدة فى ذلك الوقت . فى احد إنتخابات إتحاد طلبة جامعة بنغازى سقط التيار التقدمى وفاز التيار الدينى وسيطر على الإتحاد وبالتالى إنتقلت ادارة ورئاسة تحرير مجلة قورينا الى التيار الدينى , يومها كتب فى إفتتاحية مجلة قورينا مقالة شديدة اللهجة بعنوان ( سقط الذين لا يستطيعون .....) بقلم الأستاذ على بوزعكوك الذى كان محاضرا بالكلية ومشرفا على هيئة التحرير . كان الصّراع داخل الحرم الجامعى صراعا فكريا شريفا قوامه المحاججة وطرح الافكار مع احتفاظ جميع الفرقاء بالعلاقات الجيدة كان هذا هو الجو السائد فى تلك الايام الخوالى.
ذات يوم فى منتصف الستينات دخل الحرم الجامعى احد صغار ضبّاط الجيش بملابسه العسكرية , وكان هذا الضّابط الصغير منتسب لإحدى كليات الجامعة , رفضت إدارة الجامعة إستقباله بالزّى العسكرى , ولفتت إنتباهه بعدم تكرار ذلك وأبعد عن الحرم الجامعى وطلب منه أن يراجع كليته بلباسه المدنى . كان هذا الضّابط الصغير هو الملازم معمر القذافى الذى اصبح فيما بعد رئيس مجلس قيادة الثورة . لم ينس هذا الطالب هذه الحادثة , وبعد أن استلم مقاليد الحكم سجن عميد الجامعة الاستاذ عبد المولى دغمان مدة سبع سنوات عجاف .
بعد أربعة عشر عاما على انشاء هذا الصّرح العظيم الذى سمي بجامعة بنغازى تم تغييره بإسم جامعة قاريونس تيمنًا بإسم ( كامبو) إنطلق منه الجند ليلة القبض على بنغازى وبقية مدن وقرى ليبيا .
بميدان البلدية وبالقرب من الجامع العتيق يوجد هناك مقهى العرّودى ذاك المقهى الذى تحول الى منتدى سياسى كبير , يجتمع فيه النقابيون , والصحفيون , والشعراء , والسياسيون , من جميع المشارب إضافة الى عدد من رجال جمعية عمر المختار . كان من أبرز روّاد مقهى العرّودى الشاعر احمد رفيق المهدوى , الذى جادت قريحته بأجود الاشعار الوطنية المحفزة والشاحذة للهمم والعزائم .
كانت قصائد وأشعار رفيق المهدوى هى صوت الناس المعبرة عن آمالهم وتطلعاتهم السياسية , ومن هناك ومن مقهى العرّودى تنطلق قصائد رفيق كالبرق الخاطف تتناقلها الألسن قبل وصولها للصّحف وتصبح كمنشورات سياسية ضد السلطة . لم يبخل الشاعر الكبير, فقد سخّر إمكاناته الادبية والشعرية الفصحى والعامية لوطنه ومواطنيه .
قدم قصائد رائعة وجريئة فى جميع المجالات , أطلق العنان لحروفه وكلماته المتراصة وتجاوز كل الخطوط قائلا.
أقول ولو شدوا لسانى بنسعة ... فإنى عليه اليوم لست بخزان
اذا حان قول الحق فالصمت لم يكن ... لحكمته حكم وفاعله جان
ولست أبالى ان تجر صراحتى ... جفاء عظيم أو عداوة غضبان
الى أن يصل
إذا المرء فى دين وعرض ومبدأ ... تسامح أو حابى فليس بإنسان
مفردات واشعار رفيق رافقت مسيرة مدينته ووطنه ففى أحلك الظروف وفى أزمنة الجّفاف واليأس يبذر حروف كلماته المباركة , ويرويها بأشعاره وقصائده , مؤمنا بأن ( الكلمة كالنخلة لاتثمر من أول عام ) . فالكلمة الطيبة لابد لها ان تثمر لامحالة وإن طال الزمن .
كان رفيق يحضّ الناس على المطالبة بالإستقلال الكامل ووحدة الوطن بأقاليمه الثلاثة , تمثل فى قوله .
إن لم نوّحد رأينا وجوابنا ... فمصيرنا للرّق غير عجيب
قولوا لهم بلسان شخص واحد ... هذى مطالب كل حرّ ليبى
ذات يوم كلفت إدارة المباحث احد مخبريها بمراقبة رفيق , انتبه الشاعر لظّله الجديد الذى بدأ يلاحق خطواته, وكانت من عادة رفيق التمشّى يوميا من ميدان البلدية مارا بشارع عمر المختار الى ان يصل الى الكورنيش القديم المحاذى للميناء ثم يعود من حيث أتى الى أن يصل الى مقهاه المفضّل , هناك يجلس بعد ان ينتهى من رياضته , ويجلس المخبر العجوز على احد الكراسى منهكا تعبا. بعد برهة يلتفت الشاعر الى المخبر فيجده قد غطّ فى سبات عميق, ينهض الشاعر من مكانه ويتجه الى ظلّه ويوقظه قائلا له ( هيّا يا أخينا اريد ان امشى ورانا شغل ) .
بعد أربع سنوات على وفاة الشاعر رفيق كرّمته الدولة الليبية السابقة , ووضعت صورته على طابع بريد تخليدا لذكراه, وكتب على الطابع عبارة أحمد رفيق المهدوى شاعر الوطن الكبير . وغداة عصر الجماهير والثقافة والنظرية , أزيح اسم رفيق وتعمد محوه من الذّاكرة الشعبية وشطب بالكامل وحلّ مكانه شعراء شعبيون اهانوا الكلمة وجعلوا منها باب رزق وإرتزاق امثال العزومى والنويرى وسالم صبره.
عام 61 م ومن رحم باطن الارض الليبية المباركة , فاض الذهب الاسود وتم تصدير أولى شحنات النفط الى دول العالم عبر زرقة مياه شواطئنا الجميلة الممتدة على البحر الابيض المتوسط . وبدأ الإنتعاش والحياة تحل مكان اليأس والحرمان والاحزان . تحولت بنغازى الى خلية نحل تتنافس فيها كبريات شركات المقاولات العالمية والوطنية من اجل الظفر بمشاريع العطاءات والتشييد , توسع شريان المدينة البحرى المتمثل فى ميناء بنغازى , وتم انشاء الطرق وتعبيدها , وأقيمت خطة خمسية للإعمار , وتم ردم جزء كبير من شاطىء الشابى عن طريق شركة يونانية عملاقة وبدأ المشروع من جهة الفنار وصولا الى الميناء وتم انشاء الكورنيش الجديد ووضع السيد ادريس ملك البلاد حجر الاساس لبناء جامعة بنغازى الجديدة فى طريق القوارشه , كذلك تم ردم الاسباخ التى كانت تغطى مساحات كبيرة من المدينة . ايضا تم انشاء الخطوط الجوية الليبية وتم استيراد طائرات الكارافيل الفرنسية , كان مدير هذه المؤسسة هو السيد هاشم العبار الذى أرتقى بهذه المؤسسة الى مصافى شركات الطيران العالمية فى فترة وجيزة جدا . إذ تم كل ذلك فى سنوات قليلة لم تتجاوز عدد اصابع اليد الواحدة بصمت ودون ضجيج . من المفارقات المضحكة المحزنة , أن الرّائد بشير هوادى عضو مجلس قيادة الثورة , الذى صنعت وفصّلت على مقاسه محكمة الثورة , أصبح رئيسا لهذه المحكمة الهزيلة التى حاكمت رجال المملكة الليبية الشرفاء , قال فى مداولته متهكما وساخرا من السيد ادريس الذى كانت من بين التهم الموجهة اليه أنه وجد فى مذكرته اليومية تمنياته ان تصبح بنغازى كمدينة لوزان السويسرية , فى تلك المحكمة عيّر وشتم السيد ادريس على هذه الامنية وحكم بالإعدام غيابيا واتهم بالعمالة للغرب مع تهم اخرى بهذا المستوى . ومن جهالات هذا الرّائد أنه قال فى نفس تلك المحاكمات . ( لو انشئت هذه المدن الرياضية على دواليب وإطارات .
لقمنا ببيعها لأن هذا إسراف وتبديد لأموال الشعب ) . لقد تحولت فيما بعد المدينة الرياضية وخاصة مجمع كرة الطائرة وكرة السلة والتنس كحلبة من حلبات آباطرة الرّومان للتنكيل بالخصوم عن طريق رمى الخصم الأعزل فى مواجهات الحيوانات المفترسة . نعم فقد فعلها الحيوان المفترس عبدالرّازق الصوصاع , الذى استأسد داخل الحلبة على شاب صغير أعزّل شنقه داخل حلبة الرّومان الجدد . كان هذا الضّحية هو الشّاب الصادق الشويهدى , الذى لم تشفع له نداءاته المتكررة بعدم شنقه .
وبما ان الثورة مثل ( القطوس ) تأكل أبنائها , فقد إلتهم ( البسٌ الاخضر ) مجموعة من ( قطاطيسه ) الذين صنع بهم الإنقلاب , وكان من بين هذه القطط ( القطوس الأجرب ) بشير هوادى , حدث هذا منذ اكثر من ثلاثين عاما ولا أحد من الليبيين يعرف اسباب حقيقة ما وقع بين ( القطاطيس ) من اختلافات الى يومنا هذا .
جرّد بشير هوادى من جميع مناصبه الكثيرة وحرم من جميع المزايا التى كان يتمتع بها ووضع فى الإقامة الجبرية فى منطقته بودان ( وجاته فى الريش ) وأصبح نسيا منسيا لم يعد يذكره احد سوى ضحاياه الكثر . ثم افرج عنه سيده بعد مدة طويلة ومنحه جواز سفر وسمح له بالسفر والنزهة خارج الحدود واصبح من ذلك اليوم كثير التردد على سويسرا وبالذات مدينة لوزان التى اصبح احد مريديها وعشاقها , وقديما قيل أن الرّائد لا يكذب اهله لكن الرائد بشير هوادى كذب على نفسه وعلى اهله وعلى الجميع .

يتبع وللحديث بقية .

فتح الله ابزيو


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home