Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الخميس 15 اكتوبر 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

عندما يتطاول الجهلاء على مقام المحكمة العليا

لقد مضت شهور عديدة منذ أن قامت بعض الصحف والمواقع الالكترونية بنشر مقالة للمحامي محمد إبراهيم العلاقي بعنوان (المحكمة العليا تشيع جثمان قانون تعزيز الحرية) ، لفت انتباهي ذلك العنوان المثير فطفقت باعتباري طالباًً في الدراسات العليا (القانون العام) أبحث في الموضوع من خلال قانون المحكمة العليا رقم 6 لسنة 1982 وتعديلاته ولائحة إجراءات نظر الطعون الدستورية الصادرة عن الجمعية العمومية للمحكمة العليا ، وكذا الأحكام الدستورية التي قامت المحكمة بنشرها في المجلة وعلى موقعها الالكتروني ، فأصبت بالدهشة والاستغراب لعدم صحة ما ورد في تلك المقالة من معلومات ، وكنت طوال تلك المدة أنتظر أن ينبري أحد أساتذة القانون أو رجال القضاء للرد على ما ورد في تلك المقالة من مغالطات وأخطاء قانونية فادحة لا يقع فيها حتى المبتدئون في دراسة القانون ، وما جاء فيها من عبارات تخلو من التهذيب ، ولا تليق بالمقام الرفيع الذي تحظى به المحكمة العليا في قلوب الليبيين ، وبالمكانة العالية التي خصها بها المشرع الليبي .

وبالنظر إلى أنني كباحث لم يصادفني ـ حتى الآن ـ وللأسف الشديد أي رد على تلك المقالة يتضمن تصويباً لما تضمنته من خروج على أبسط مبادئ القانون ومجافاة لأدنى قواعد اللياقة والأدب ، فقد رأيت ـ بدافع الغيرة ـ تسطير بعض الملاحظات في هذا الشأن تتمثل فيما يلي :

1. إن ما ورد في المقالة المذكورة ينُم عن جهل الكاتب المطبق ـ بصفته محامياً ـ بآلية الطعن بعدم الدستورية أمام المحكمة العليا ، فحمّل الدائرة المدنية الثالثة التي أصدرت الحكم محل النقد أوزاراًً ما كان ينبغي له تحميله إياها ، وبيانه أن الدفع بعدم دستورية النصوص الخاصة بالتقادم الواردة في القانون المدني إنما هو اختصاص حصري للدائرة الدستورية بالمحكمة العليا (الدوائر المجتمعة) ، طبقاً لنص المادة 23 من القانون رقم 6 وتعديلاته ، لكن الكاتب بتصميم مسبق ـ كما يبدو ـ لم يكلف نفسه مشقة البحث والتحري عن هذه المسألة الجوهرية باعتبارها من صميم النظام العام .

2. فات على الكاتب الاطلاع على لائحة إجراءات الطعن بعدم الدستورية أمام (الدوائر المجتمعة) التي رسمت طريق الطعن بموجب إحدى الوسيلتين : الأولى أن يدفع الخصم أمام محكمة الموضوع ـ بمناسبة النظر في قضية محددة ـ بعدم دستورية تشريع معين مع وجوب تحديد النص الموصوم بعدم الدستورية ، لتقرر المحكمة بعد تقديرها لعنصر الجدية في الدفع وقف السير في الدعوى إلى حين ورود ما يثبت قيام الطاعن برفع طعنه بموجب صحيفة أمام المحكمة العليا ، وذلك خلال ميعاد لا يتجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ صدور قرار المحكمة ، فإن لم يفعل استأنفت محكمة الموضوع السير في الدعوى .

والأخرى أن يبادر من له مصلحة شخصية في الطعن برفع دعواه مباشرة بموجب صحيفة إلى المحكمة العليا طعناً على تشريع محدد ينعى عليه بعدم الدستورية أو المشروعية ، إلا أن محامي الخصم (المطعون ضده) لم يدفع أمام محكمة الموضوع ـ لا ابتداءً ولا استئنافاً ـ بعدم دستورية النصوص المتعلقة بالتقادم الواردة في متن القانون المدني ، ولو أنه فعل ذلك لكانت محكمة الموضوع قد أوقفت السير في الدعوى تمكيناً له من رفع طعنه بعدم الدستورية للمحكمة العليا ، فكيف والحال هذه يحمّل الكاتب المحامي تبعات جهل وتقصير زميله محامي الخصم للدائرة المدنية الثالثة التي ليس من اختصاصها الفصل في المسائل الدستورية طبقاً للقانون .

لكن نرجسية المحامي وسعيه الحثيث للشهرة مدفوعاً ببواعث غير نبيلة تبعد كل البعد عن النقد البناء ، قفز على هذه الحقائق القانونية الدامغة ، فكال السب والتشهير للدائرة وللمحكمة العليا معاً ، وفعل ذلك أيضاً في حق المشرع (مؤتمر الشعب العام) الذي اتهمه بالتزوير الفاضح العلني وللنائب العام ، وكأنه ينتظر ـ فيما نرى ـ رداً على مقالته التافهة المليئة بالأخطاء والمغالطات من قبل المحكمة العليا ، أو قيام الجهات القضائية المختصة باتخاذ إجراء قانوني في حقه ، ولعل عدم الرد عليه كان رداً سلبياً شافياً وأبلغ في المقام من الرد آنذاك .

3. قامت المحكمة العليا في الآونة الأخيرة بنشر عدة أحكام دستورية على موقعها الالكتروني ، بالإضافة إلى عدة أبحاث في مجال الرقابة على دستورية القوانين بقلم رئيسها ، إسهاماً منها في نشر الوعي القانوني بمثل هذه المسائل التي تجنب الفقهاء الخوض فيها والتصدي لها ، لكن الكاتب المحامي (غير الموفق) لم يطلع على شئ منها ، وإذا كان قد اطلع بافتراض وكتب على النحو السالف الذكر ، فإن الحقد يكون قد أعمى بصيرته ، وها هي موسوعة المحكمة العليا تتنامى ليبلغ عدد أجزائها أربعة وعشرين مجلداً في كافة المجالات ، الدستورية والأحوال الشخصية ، والمدنية ، والجنائية بالإضافة إلى الكتاب الذي تم إصداره للتعريف بالمحكمة العليا خلال نصف قرن وهي جميعاً يجري توزيعها عن طريق دار الحكمة ودار الرواد .

4. يزعم الكاتب المحامي أن له سبق الفضل في الكشف عن مثالب القانون رقم 7 لسنة 2005 بشأن إلغاء محكمة الشعب ومكتب الادعاء الشعبي ، في حين أن هذا الأمر سبق طرحه في ندوة تم عقدها بمعهد القضاء ، وتم نشر الأبحاث والأوراق التي قدمت فيها بمجلة معهد القضاء ، لكن الكاتب المحامي يتجاهل ذلك ، طلباً للشهرة كعادته ... ، كما أن هذا الموضوع وغيره من المواضيع ذات الصلة بالرقابة على الدستورية واستقلال القضاء ... كان قد تم تناولها في العديد من الكتب والدراسات القانونية ، لكن الكاتب المحامي ـ كما يبدو ـ لم يقرأ وإذا قرأ لا يفهم .

وفي الختام صدق القائل :

ما ضر شمس الضحى في الأفق ساطعة ... أن لا يرى نورها من ليس ذا بصر

الناصر عبدالكريم أحمد


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home