Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأربعاء 15 يوليو 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

الامازيغ عبر التاريخ ـ الاصول والهوية
الجزء
(3)

يمكن اعتبار تاريخ أفريقيا الشمالية والصحراء تاريخ فتوحات واحتلالات أجنبية تحمّلها الأمازيغ بصبر كبير، ولذلك انحصر دورهم في التاريخ في المقاومة، وكان الإبقاء على استمرار اللغة والعرف والأشكال القديمة للتنظيم الاجتماعي أهمّ نجاح لتلك المقاومة وما تجدر الإشارة إليه هو أنّه لا ينبغي تبسيط التاريخ ، خاصّة في حال المبالغة في إسقاط الحاضر على الماضي .

في الواقع يمكن أن نعكس مقدّمتي القياس ونسائل التاريخ كيف أن شعبا يمتاز بالمرونة ، طيّعا للثقافات الأجنبية إلى درجة أنّ بعضه أصبح تدريجيا بونيا، رومانيا، إغريقيا فعربيا يمكنه أن يـحتفظ بتقاليده ولغته وفنونه أي في كلمة واحدة يبقى هو هو أي يبقى أمازيغيا (10).

أن يُحصَر الأمازيغ في دور تاريخي سلبي، وألاّ يُرى فيهم سوى مشاة وخيرة فرسان في خدمة المحتلّ، وحتّى إذا اعترف لفرقهم بأنّها الفاتح الحقيقي لأسبانيا في القرن الثامن ولمصر في القرن العاشر، فإنّ ذلك –عند البعض- لا يعدو أن يكون زيغا أو حالة استثنائية، وهو البعض الذي لا يتورّع عن إصدار أحكام قاسية في حقّ البربر أقلّها وصمهم بالعدمية.

لا تشكّل القرون الطويلة من التاريخ عصورا أمازيغية مجهولة فقط، فقد كان هناك دون ريب رجال ونساء متميّزون طبعوا عصرهم بأعمال بارزة، ولكن التاريخ الذي كتبه الأجانب لايحتفظ دائما بالذكرى التي هم أجدر بها، وهذا هو الغرض الذي أنشئت من أجله دائرة المعارف البربرية (Encyclopédie Berbère) التي تنوي الكشف عن ذلك الزمن وإلقاء الضوء على تلك الشخصيات الأمازيغية المتميّزة(11).

أصـول الأمازيغ

إنّ تكوّن الشعب الأمازيغي أو بالأحرى مختلف المجموعات الأمازيغية، يظلّ قضية شائكة، لأنّ الموضوع طُرح منذ البداية طرحا سيّئا وما يمكن تسميته بالنظريّات "الإشهارية" جعلته يستند تقليديا على الغزو والنزوح والفتوحات والاحتلال، وبالتدريج ذهب الباحثون في كلّ اتّجاه شرقا نحو الميديين والفرس، إلى سوريا وبلاد كنعان، نحو الهند وبلاد العرب الجنوبية (اليمن) وإلى تراقيا وبحر إيجة وآسيا الصغرى،وحتّى شمالا نحو أوربّـا الشمالية وشبه الجزيرة الإيبرية وجزر المتوسّط وشبه الجزيرة الإيطالية … والمؤكّد هو أنّه من الصعب أن نجد بلدا لم يقل هؤلاء الباحثون بأنّ الأمازيغ لم يقْدِموا منه،أمّا الفرضية التي يمكن دخول الموضوع بها فهي: ماذا لو أنّ الأمازيغ لم يأتوا من أيّ بلد ؟. والأحرى هو البحث على الأقلّ في الخلط الذي وقع في معطيات الدلالات المختلفة والمتناقضة، وليس أفضل من البدء في فحص الأمازيغ أنفسهم،من البقايا البشرية السابقة للفترة التاريخية وهي الفترة التي كما نعرف كان فيها السكان الحاليون يعيشون في هذا البلد.وفي كلمة ينبغي منطقيا الموافقة على أولوية الأنثروبولوجيا، فهذا العلم لا يسمح فقط بتحديد أصالة الأمازيغ ضمن سكّان الجنوب المتوسّطي،بل يسمح أيضا بتبيان مجموعات الأمازيغ في هذا الربع الشمالي الغربي من أفريقيا وعلى الخصوص التركيز على معطيات الثقافة أكثر من معطيات الطبيعة،ومن بينها استمرار اللغة الأمازيغية(12).

ينبغي في الواقع فحص معطيات الأنثروبولوجيا والألسنية(13) تباعا ، كما تنبغي العودة إلى آلاف السنين لفهم كيف تكوّن تعمير هذه المنطقة الشاسعة ما بين الصحراء والبحر المتوسّط، وأن نضع أنفسنا في بداية العصر الذي يسمّيه الباحثون في ما قبل تاريخ أوربّا: الباليوليثي الأعلى،ففي ذلك العصر كان يعيش في الشمال الأفريقي إنسان من نوع الإنسان الحالي هو الإنسان العاقل العاقل وهو صانع الحضارة العاترية، تلك الثقافة الشبيهة بالموستيرية، وهذا الإنسان العاتري الذي اكتشف في موقع دار السلطان في المغرب الشبيه بالإنسان الذي اكتشف في جبل ارحود يجعلنا نقبل فكرة أنّه انحدر منه، ومن المهمّ هنا الإقرار بتسلسل سلالي من الإنسان العاتري إلى خلفه الإنسان الذي عرف منذ مدّة طويلة بالإنسان المشتوي (Mechtoïde) ، وإنسان المشتى هذا شبيه بإنسان كرو-مانيون (Cro-Magnon) في الخصائص الطبيعية (الطول 1,74م في المتوسّط للذكور، سعة الجمجمة 1,650 سنتم3) وقلّة الانسجام ما بين الوجه العريض والمحجر ذي الشكل الطولي.

كان إنسان المشتى في البدايات يصنع أدوات صنّفت تحت اسم الإيبرومورية (Ibéromaurusiens) التي توجد آثارها في كلّ المناطق الساحلية والتلّية ، وكانت الإيبرومورية هذه معاصرة للمغداليني (Magdalénien) والأزيلي (Azilien) الأوربيين ولها نفس الخصائص التي تحملها صناعة العصر الحجري القديم المتأخّر (صغر الأدوات الحجرية) وفي غالب الأحيات تكون عبارة عن نصيلات صغيرة ذات الظهر (Lamelles à dos)، وهذه الأشياء هي عناصر أدواتية في شكل قطع منفصلة يمكن تركيب مقابض خشبية أو عظمية عليها ممّا يجعلها أدوات وأسلحة فعّالة .

كان من المألوف اعتبار إنسان المشتى - وهو ابن عمومة لإنسان كرو-مانيون – ذا أصول من خارج الشمال الأفريقي ، فقد اعتبر البعض أنّه قدم من أوربّـا عبر اسبانيا ومضيق جبل طارق لينتشر في الكناري و الشمال الأفريقي كلّه، ودليلهم أنّ أمازيغ الغوانش احتفظوا بخصائصه حتّى الغزو الإسباني، ويعتقد البعض الآخر أنّ إنسان المشتى منحدر من الإنسان العاقل-العاقل الذي ظهر في الشرق (إنسان فلسطين) ومن ذلك المنشأ الأصلي انطلقت هجرتان الأولى أعطت لنا إنسان كرو-مانيون والثانية اتجهت نحو أفريقيا ونموذجها هو إنسان المشتى. ومن هذين الافتراضين نجد أنفسنا أمام فكرة الأصل الشرقي والأصل الأوربي،وهما عنصران ظهرا فيما بعد في القصص الأسطورية العتيقة، وفي التفسيرات التهويمية (Fantaisistes) في العصور الحديثة التي لا تخلو منها حتّى الفرضيات العلمية الحالية ، ومع أنّ الفرضيتين متضاربتان تضاربا كبيرا يجعل قبولهما أو قبول إحداهما صعبا للغاية ، فافتراض نزوح إنسان كرو-مانيون عبر إسبانيا لا يمكن تحديده، لأنّ المقاربة التشريحية لا تقرّ ذلك، فجمجمة الباليوليثي الأعلى الأوربّـي لها خصائص أقلّ وضوحا من نسله المنحدر منه فرضا في الشمال الأفريقي، ونفس الحجّة يمكن أن تعترض سبيل فرضية الأصول الشرقية لإنسان المشتى، لأنّه لم توجد أيّ وثيقة أنثروبولوجية ما بين فلسطين وتونس يمكن الاعتماد عليها،وأكثر من ذلك لدينا معلومات كافية عن سكّان الشرق الأدنى في نهاية الباليوليثي الأعلى،إنّهم الناطوفيون (Natoufiens) من النمط البروتو-متوسّطي ، الذي يختلف كثيرا عن إنسان المشتى ، فكيف يمكن تفسير – على ضوء ذلك – فكرة انحدار إنسان المشتى من أصول شرقية دون أن يترك ذلك أيّ أثر على الصعيد الأنثروبولوجي ؟.

في الأخير، يبقى الأصل المحلّي وهو ببساطة ما نعتقد أنّه مهمّ اليوم، فمنذ اكتشاف الإنسان العاتري اتّضح للباحثين المتخصّصين في أفريقيا الشمالية مثل: شاملا(M. C. Chamla)، وفرمـباخ( D. Ferembach) الانحدار المباشر والمتواصل منذ النياندرتاليين شمال-أفريقيين (إنسان جبل ارحود) إلى الكرومانيونيين (إنسان المشتى) ويكون إنسان دار السلطان العاتري هو الوسيط بينهما، لأنّه يتمتّع بخصائص الإنسان العاقل-العاقل .
نياندرتاليون أفريقيون( جبل ارحود Néanderthaliens Africains (Djebel Irhoud
عاتري (دارالسلطان Atérien ( Dar Es-Soltan
(خصائص الإنسان العاقل-العاقل ( Caractères Homo Sapiens-Sapiens
الإنسان المشتوي [كرو– مانيون] Homme de Mechta (Cro-Magnon )

يأخذ نموذج المشتى في الإمّحاء تدريجيا أمام إنسان آخر،ولكن لم يكن اختفاؤه نهائيا ، فقد وُجد أنّ % 8 من بين الجماجم المحفوظة في مقابر فجر-تاريخية و بونية هي لأناس مشتويين (Mechtoïdes) [ شاملا 1976]، وحتّى في الفترة الرومانية التي أشبعت بحثا من قبل الأركيولوجيين الكلاسيكيين، وجدت العديد من الجماجم في شرقي الجزائر تحمل خصائص مشتوية، وحتّى في السكّان الحاليين يلاحظ وجود ملامح مشتوية تعود في أغلبها إلى النموذج المتوسّطي الذي يذكّر بالخصائص الرئيسية لإنسان المشتى، ويمثّل هؤلاء الآن حوالي % 3من الشمال أفريقيين الحاليين وهم أكثر حضورا في جزر الكناري.

نلاحظ ابتداء من الألف الثامنة ق.م. ظهور نموذج جديد في القسم الشرقي من الشمال الأفريقي [نجهل تماما ما حدث من تحوّلات على الصعيد الأنثروبولوجي في الحدود المصرية الليبية] للإنسان العاقل له العديد من خصائص السكّان المتوسّطيين الحاليين،فهو ذو قامة عالية (1,75 للرجل و1,62 للمرأة) ولكنّه يتميّز عن إنسان المشتى فهو أضخم منه قليلا، وأكثر انسجاما في تفاصيل الجمجمة: المحجران مربّعان والأنف ضيّق والهيكل العظمي أكثر خشونة، وزاوية الفكّ على الخصوص ليست مسحوبة نحو الخارج،والخلاصة أنّه ليس هناك كما يقول الأنثروبولوجيون قياسات خارجية (Extroversions des Gonions)، والواقع أنّ هذه الخصائص موجودة بكثرة وملحوظة عند إنسان المشتى،وقد صنّف هذا الإنسان ضمن البروتو-متوسّطي (Proto méditerranéen) كما وجدت في نفس الفترة البروتومتوسطية مجموعات قريبة منه أنثروبولوجيا في الشرق الأدنى [الناطوفيون] وفي جميع جهات البحر المتوسّط ويبدو أنّه انحدر منه نوع كومب كابال (Combe Capelle) الذي يسمّى في أوربّا الوسطى بإنسان برنو (Brno) المتميّز عن إنسان كرو-مانيون،وفي هذا المجال يقترح فرمباخ وجود سلالة شبيهة بالكومب كابال خلال الباليوليثي الأعلى في الشرق الأدنـى .

في نظر شاملا(M. C. Chamla) يمكن التعرّف ضمن البروتومتوسّطيين على نوعين هما :

-نوع واسع الانتشار،وهو تحت-نوع،ذو جمجمة قويمة الأجزاء (Orthognathe).

-نوع أقلّ انتشارا وهو نوع عين دكّارة ، فيه بعض سمات الزنوجة .

هذان النوعان هما حاملان لصناعة قبل-تاريخية هي الصناعة القفصية وكما هو معروف فإنّ القفصي يغطّي فترة أقلّ من الإيبروموري، ويمتدّ من الألف الثامنة إلى الألف الخامسة .

تمّ الحصول على معلومات هامّة عن القفصيين وعن نشاطاتهم، بفضل المواقع العديدة المسمّاة رماديات أو محلزات(Escargotières)، وامتدّت حضارتهم على قسم كبير من تونس والجزائر الحاليتن، ومن خلال الأدوات القفصية التي تمّ العثور عليها [ نصيلات وسكاكين و أزاميل ذات أشكال مختلفة…] وخاصّة الأعمال الفنّية ذات الأهمّية البالغة في نظر الأثريين والأنثروبولوجيين على السواء وهي الأعمال الفنّية الأقدم في عموم أفريقيا القديمة ، ويمكن القول بأنّها أصل الأعمال الفنّية الرائعة في النيوليثي،وهي –وهذا هو الأهمّ- أصل الفنّ الأمازيغي، فهناك تقارب بين الديكورات القفصية والنيوليثية،لايزال الأمازيغ يستخدمون بعضا منها في الوشم وفي النسيج وفي زخرفة الفخار وحتّى على الجدران، والواقع أنّ ما نراه اليوم من ديكور زخرفي فطري عند الأمازيغ لا يمكن أن نعيده فقط إلى الديكور الهندسي،بل لا بدّ من ربط حلقات التاريخ ببعضها لاكتشاف استمرارية بشكل أو بآخر من فجر التاريخ إلى العصر الحديث .

يتبع...

امدوكال ( اغروت اتكزم )
________________________________________________

(10) هي معجزة حقّا أن تنجو الأمازيغية من عاديات الزمن وتصل إلى القرن الواحد العشرين رغم عدم وجود سند من الدين أومن السياسة يدْعمها،وعلى العكس من ذلك شنّت عليها حرب أيديولوجية في عهد استقلال دول الشمال الأفريقي تحت غطاء معاداة الاستعمار،مع أنّ الاستعمار ظلّ في هذه البلاد فترة طويلة ولم يفعل لها شيئا سوى بعض الدراسات التي لم تخْرجْها من دائرة الفولكلور.
(11) كان الراحل غابريال كامبس أحد المبادرين إلى تأسيسها وظلّ يعمل بجدّ وتفانِ في تحرير مادّنها، ولا يزال الفريق العامل بها يواصل العمل لإكمالها .
(12) تنظر العامّة اليوم نظرة أفقية ونظرا لما تختزنه الذاكرة من ذكريات ليست دائما حسنة فهذه المجموعة السكانية أو تلك تستنكف أن يكون بينها وبين مجموعة أخرى أيّ رابط خاصّة إذا كانت قد تخلّت عن لغتها الأمازيغية منذ أجيال هنا يظهر التنكّر بجلاء، ويعتقد هؤلاء وهم مخطئون أن الفوارق اللغوية دليل على فوارق في الأصول ... .
(13) نقصد الدراسات الألسنية الفيلولوجية المتخصّصة لا كما رأينا في بعض الكتابات السياسوية المؤدلجة التي أقحمت نفسها في ما لا تفقه فيه وهي كتابات يمكن وصفها بالكاريكاتورية الساذجة على طريقة "شكسبير الشيخ الزبير" فوجدنا من يتصدّى للتأليف لإثبات أنّ ثامطّوث من الطمث وأرقاز من الركيزة ...الخ من هذه الترّهات لتمرير بعض الطروحات البائسة.


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home