Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الجمعة 15 يناير 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

تبيان الجهل والبهتان في رد السعيطي على ملاحظات كهلان (6)

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

تنبيه: التفسير الرابع الذي تقدم آخر الحلقة الماضية ينسب لعبد الله بن القاسم. 

وقد بقي تفسير خامس لسيد قطب على رأي من يعده مفسراً، ذكره – غفر الله له – في هذه الآية، فقال: (وعلى مشهد هذا النعيم الرخاء الجميل الظليل يلقن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم : إنه لا يطلب منهم أجراً على الهدى الذي ينتهي بهم إلى هذا النعيم ، وينأى بهم عن ذلك العذاب الأليم . إنما هي مودته لهم لقرابتهم منه ، وحسبه ذلك أجراً . 

{ قل : لا أسألكم عليه أجرا . إلا المودة في القربى . ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا . إن الله غفور شكور } . .

والمعنى الذي أشرت إليه ، وهو أنه لا يطلب منهم أجرا ، إنما تدفعه المودة للقربى وقد كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة بكل بطن من بطون قريش ليحاول هدايتهم بما معه من الهدى ، ويحقق الخير لهم إرضاء لتلك المودة التي يحملها لهم ، وهذا أجره وكفى!

هذا المعنى هو الذي انقدح في نفسي وأنا أقرأ هذا التعبير القرآني في مواضعه التي جاء فيها ).أهـ

وأقول : إن هذا التفسير لا يستقيم، إذ كيف يدعوهم إلى الهدى الذي ينتهي بهم إلى خيري الدنيا والآخرة ويبلغهم إياه إرضاءً لمودة القرابة وعاطفتها فقط ليس إلا، وهو مدلول قول سيد ( وحسبه ذلك أجراً) وقوله ( وهذا أجره وكفى) والله تعالى يقول: (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد ) وقوله (أم تسألهم خرجاً فخراج ربك خيرٌ وهو خير الرازقين) وما في معناهما القاضي بأنه لا يسألهم على التبليغ أجراً، ولكن أجره على الله الذي أمره بالتبليغ، أي أنه يسأل الأجر من الله فحسب، وليس ثم دليلٌ على أن هذا الأجر الذي يرجوه من الله هو إرضاء عاطفته في مودة قرباه فقط، وإن أُمِرَ بإنذار عشيرته الأقربين تدرجاً، ولم يختلف الباعث له على دعوة قرباه بوجه عام عنه على دعوة من سواهم، وما كان باعثه الحثيث له على كل ذلك إلا امتثال أمر الله بتبليغ رسالته ورجاء الأجر منه سبحانه، وهذا أمر مستفيض تنطق به الآيات والسنن.

ثم إن سؤال الرسول المودة من مخاطَبيه كما هو منطوق الآية ينأى بهذا المعنى أن يكون احتمالاً في الآية، ويجعل منه خاطرةَ أديب عابرةًً لدى تلاوته الآية وإحساساً بمعنى انقدح وتبدى للوهلة الأولى، وراق لصاحبه، فاهتبل تقييده ذاهلاً عن أسلوب الآية ومن سئل المودة فيها، فأشبه هذا التفسيرُ بعضَ الشيء التفسيرَ الإشاريَّ لدى المتصوفة من حيث إنه إحساس معنوي عابر عند سماع الآية أو تلاوتها، لكن صياغة الآية بعيدة عنه نافرة منه لا تحتمله بحال، وقد قدمه سيد رحمه الله على تفسيري ابن عباس رضي الله عنه وابن جبير رحمه الله، ورجح تفسير ابن عباس على تفسير ابن جبير، لكنه اعتبر تفسيره أقرب منهما وأندى، ونقول لسيد قطب رحمه الله : ما كان أقرب تفسيرك وأنداه لولا أن نظم الآية يتجافى عنه ويأباه، والله أعلم.

 ولا أدري ما معنى قول سيد (هذا المعنى هو الذي انقدح في نفسي وأنا أقرأ هذا التعبير القرآني في مواضعه التي جاء فيها ) ولم يرد هذا التعبير في القرآن مقترنا بلفظ (إلا المودة في القربى ) الذي هو محل النزاع، وتجاذبته أنظار أهل العلم إلا في هذا الموضع، أما صدر الآية (قل لا أسألكم عليه أجرا) وشبهه فقد جاء في مواضع أخرى، ولا إشكال فيه، بل فيه التصريح باحتساب أجره في دعوته على الله وحده، سنةَ المرسَلين من قبله، وهو أجر أخروي كما هو واضح، ولا يصح أن يكون ذلك الأجر هو إرضاء مودة القربى التي يحملها لهم، وأوهن منه وأوغل في عدم الصحة أن يكون هو إرضاءها فقط كما زعم سيد، عفا الله عنه، والله أعلم. 

ثانيا:التعليق على كلام السعيطي : -

قال السعيطي : (خذ أيّها القارئ مثلاً من الأمثلة التي يضربها الكاتب للدلالة على أنّ عاطفته استولت على قلمه! وإذا ظهرت العاطفة على القلم، فلا تسمع إلّا غُلوَّا في القول، ومجازفة في الحكم، وجحوداً لكثير من الحقائق! هل رأيت طالب حقٍّ يجزم هكذا "التفسير الأضعف!" دون أن يُقيم دليلاً واحداً على هذا الجزم من كتاب الله ولا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!)

التعليق : -

لننظرْ هل وصفُ أخينا كهلان تفسيرَ ابن جبير بالأضعف غلوٌ في القول ومجازفةٌ في الحكم وجحود لكثير من الحقائق ودليل على استيلاء العاطفة على القلم كما يقول هذا الجاهل، أم أن هذا البليد البدعي ومن لمّعه هم أحرى الناس بهذه النعوت؟ وذلك من وجهين :

أولا: - لقد ردّ هذا التفسيرَ ابنُ عباس، وخطّأ ابنَ جبير فيه، وهذا منه إبطالٌ لهذا التفسير مع أن ابن عباس من أقرب الناس لأهل البيت، بل هو منهم وأعلمهم بعد علي رضي الله عنهم، ولو شام من أسلوب الآية وسبب نزولها أو ظرفه احتمالاً له  لكان به أحْفى وأحْفل.

فمن قال ببطلان هذا التفسير من أهل العلم فسلفه في ذلك ابن عباس رضي الله عنه، فإذا كان من قال بأضعفية هذا التفسير قد غلا في قوله، وجازف في حكمه، واستولت عاطفته على قلمه، فجحد كثيراً من الحقائق كما زعم هذا الجاهل، فكيف يقال فيمن رده على قائله واعتبره خطأ وغلطاً جرته العجلة كابن عباس ثم من تلاه من العلماء؟ ألا قاتل الله الجهل وأهله.

ثانيا:- يقول أبو مظفر السمعاني في تفسيره بعد أن ذكر تفسير ابن جبير وما يتعلق به قولاً رابعاً في الآية: ( وهذا أغرب الأقاويل وأضعفها ) فها هو السمعاني يصفه بالأضعف كما قال أخونا كهلان وبالأغرب كذلك، فهل هو أجدر بأن يكون غالياً مجازفاً، استولت عاطفته على قلمه، فجحد كثيراً من الحقائق؟ وما هذه الحقائق ياترى؟ أم أن هذا الغوي الغبي الذي يهرف بما لايعرف ( السعيطي ) هوالذي أحرز قصب السبق في هذه الأوصاف.

أما قول السعيطي (دون أن يُقيم دليلاً واحداً على هذا الجزم من كتاب الله ولا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم). فهو كلام جاهل، إذ ليس كل جزم بأضعفية وجه مّا في تفسير آية أو بطلانه يكون برهانه دليلاً صريحاً من كلام الله أو كلام رسوله، بل ثََمَّ دلائل أخرى عليه أحياناً، ترجع إلى أسلوب الآية أو سبب نزولها أو ظرفه مكاناً أو زمناً كما في هذه الآية، وأخونا كهلان في نصيحته بصدد ملاحظات موجزة منها تنبيهه على أن ما اقتصر عليه السعيطي هو الوجه الأضعف في الآية، ولم يقصد كتابة بحث في تفسيرها، ثم هاقد تقدمت أدلة أهل العلم على بطلانه تترا من أوجهٍ عدّةٍ، منها النظر في سياق الآية بين الآي أو فيما يتصل بمعناها من الآيات في سُوَرٍ أُخَرَ، فهلاََََ اسطاع ردَها الصعلوكُ المتطفل.  

قال السعيطي : (وليكن الكلام على هذه النقطة من وجوه:

الوجه الأول: اختلف سلف الأمّة في تفسير هذه الآية، ونقل المفسّرون أقوالهم في تفاسيرهم.

والمروي عن حبر الأمة هو ما ذكره الكاتب. والتفسير الذي ذكرتُه في الخطبة هو المروي عن سعيد بن جبير، ولم يُرو عنه – فيما وقفت عليه من المصادر – رجوعه عن هذا التفسير، وإن كان حبر الأمة قد ناقشه فيه. وقول سعيد بن جبير وافقه عليه عمرو بن شعيب والسُدِّي وغيرهما. وبه قال زين العابدين علي بن الحسين كما نقله المفسرون. بل هو رواية ابن جبير عن ابن عبّاس.)

التعليق: -

أما ابن جبير فكما لم يرو عنه رجوعه عن قوله في الآية لم يرو عنه ثباته عليه بعد تخطئة ابن عباس له، التي هي تغليط لابن جبير ورد لقوله، وليست مناقشة كما زعم الجاهل، ولم يرُدّ ابن جبير على تخطئته بشيء، والأقرب أن يدل هذا ضمناً على رجوعه عنه كما ذكرت سابقاً، ولو كان لديه حجة لتعزيز قوله أوالثبات عليه لأبانها، وقد يؤيد ذلك أن السمرقندي ( المتوفى سنة 375 للهجرة) نسب في تفسيره (بحر العلوم) إلى ابن جبير القولَ بمعنى تفسير ابن عباس فقال : (وقال سعيد بن جبير: إلا المودة في القربى، يعني: إلا أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم ).

ولم يوافق ابن جبير على تفسير (القربى) بقربى آل محمد من أئمة التفسير من السلف غير ابن شعيب على وجه الاحتمال لا اليقين، وأما السدي فالتحقيق – والله أعلم – أنه لم يقل بهذا التفسير، فقد ذكره الطبري في من قال بتفسير ابن عباس حيث ذكر عقبه – على عادته في تقفية الأوجه بذكر قائليها - قولَ السدي بإسناده إليه فقال : (حدثنا محمد قال : ثنا أحمد قال : ثنا أسباط عن السدي في قوله " قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى" قال : لم يكن بطن من بطون قريش إلا لرسول الله فيهم ولادة فقال : فقال قل لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودوني لقرابتي منكم ) وهذا هو المظنون بالسدي والأقرب لروافد تفسيره الذي جله عن ابن عباس(صاحب هذا التفسير هنا) وابن مسعود كما يقول العلماء.

ولم يعز الطبري ولا البغوي القول بتفسيرابن جبير إلى السدي، ولم يذكره الطبري حينئذ إلا في رجال إسناد هذا التفسير إلى علي بن الحسين رضي الله عنه حيث قال : (حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا إسماعيل بن أبان، قال: ثنا الصباح بن يحيى المريّ، عن السديّ، عن أبي الديلم قال: لما جيء بعليّ بن الحسين رضي الله عنهما أسيراً، فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم، وقطع قربى الفتنة، فقال له عليّ بن الحسين رضي الله عنه: أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: أقرأت آل حم؟ قال: قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم، قال: ما قرأت { قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى }؟ قال: وإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم.)، ولا أعلم أحداً نسب ذلك إلى السدي قبل الماوردي، فقد نسبه إليه دون إسناد أو إحالة، ولعل هذا اشتباه وسهو منه، جاءه من ذكر (السدي) في سند هذا القول إلى على بن الحسين، ثم تابعه على هذه النسبة - دون إسناد - من جاء بعده كابن الجوزي وأبي حيان وغيرهما، إذ قد خلت منها تفاسير الأولين كالطبري وغيره، مع أن الطبري عمدة في نسبة التآويل التفسيرية إلى من أُثرت عنهم، فإذا وجد مصدر آخر صح فيه إسناد هذا القول إلى السدي لم يبلغ الطبري ومن تلاه حسب اطلاعنا إلى الماوردي، وكذلك من جاء بعد الماوردي كالبغوي، وذلك مستبعد – رجعنا عن هذا الاحتمال. والله أعلم. مع أن هذا السدي – وهوالكبير - صدوق يَهِمُ، بل رُمي بالتشيع، وهذا التفسير ربما يؤيد ما رمي به من نزعة عند أهل التشيع، فقد لا يعتد به منه على فرض ثبوته، وإنما أكثر أهل العلم النقل عن السدي لتقدم عصره – فهو من التابعين - وفصاحته وقوة فهمه للغة العرب وتوثيق ثلة من أهل العلم الأولين له، وقد رجح الشيخ أحمد شاكر توثيقه أيضاً في شرح المسند، والله أعلم.

ومع وجود السدي في إسناد هذا التفسير إلى علي بن الحسين، وهو صدوق يَهِم رمي بالتشيع كما يفول ابن حجر، فيه أيضاً الصباحُ بنُ يحي المزني، وهو شيعي متروك بل متهم كما قال ابن حجر والذهبي، وقال ابن حبان : (كان ممن يخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد ) وفيه أبو الديلم وهو مجهول، لم يقف أهل العلم له على ترجمة، فإسناد هذا القول إلى على بن الحسين – كما ساقه الطبري – لا يصح بحال، ولذلك قال الشيخ محمود شاكر عنه : ( هذا إسناد هالك ).

وعلى تقدير صحته عن علي بن الحسين فقد قال به والتز إليه عندما غاظه جاف ظالم وهو تحت وطأة القهر مقيداً موثوقاً استئناساً بذلك التفسير لما عسى أن يدفعه عنه من شماتة ظالم وجفاء جاهل بحقوق أمثاله وحرماتهم كما أسلفنا، ولو كان في سعة من أمره يتهيأ له فيها أناة وتدبر للآية وما اكتنفها لربما قال بغيره، والله أعلم.

أما عمرو بن شعيب فرواه الطبري عنه بهذا الإسناد وبهذا اللفظ : ( حدتني محمد بن عمارة ومحمد بن خلف، قالا : ثنا عبيد الله قال : أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق قال سألت عمرو بن شعيب عن قول الله عز وجل : " قل لاأسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى" قال: قربى النبي صلى الله عليه وسلم)، وهذ إسناد صحيح، لكن هذا القول من عمرو بن شعيب - كما أورده الطبري - ليس صريحاً في معنى تفسير ابن جبير، حيث كان مقتضباً جداً، فسر ( القربى) فقط بقربى النبي صلى الله عليه وسلم، فهي صادقة بأن يكون المقصود منها ذوي قرباه وأهلَ بيته صلى الله عليه وسلم، فيكون المعنى إلا أن تودوا أقاربي وأهل بيتي، قتتوافق وتفسيرَ ابنِ جبير رحمه الله، ومحتمِلةٌ أيضاً لأن يكون معنى قرباه صلى الله عليه وسلم قرابتـَه من قريش ورحمَه فيهم، فيصير معناها : إلا أن تودوني لأجل قرابتي منكم ورحمى فيكم، فتلتقي مع تفسير ابن عباس رضي الله عنهما، والله أعلم.

أما رواية ابن جبير له عن ابن عباس فلم تصح كما قال الحافظ ابن حجر فيما تقدم.

وقول الجاهل : (وقول سعيد بن جبير وافقه عليه عمرو بن شعيب والسُدِّي وغيرهما) فيه إيهام وكذب.

إذ يوهم أن قول ابن عباس لم يوافقه عليه أحد من التابعين، والحق أن جمهور المفسرين من السلف مع تفسير ابن عباس، فقد وافقه منهم طاوس وعكرمة والشعبي وأبومالك وقتادة ومجاهد وعطاء ابن دينار والسدي (كما ذكره الطبري بإسناده إليه) ، وبنحوه قال عبدالرحمن ابن زيد بن أسلم أيضاً. وكيف لا تكون الجمهرة معه وهو التفسير الوحيد في الآية الثابت عن صحابي من أكثر الصحابة علماً.

وأما الكذب ففي قوله (  وغيرهما ) حيث لم يقل بتفسير ابن جبير أحد من السلف غير عمرو ابن شعيب على الراجح على ما به من اقتضاب يجعله ليس صريحاً فيه كما قدمنا ، وعلى فرض أن ابن شعيب والسدي كليهما قد قالا به، فمن غيرهما من مفسري السلف وافق ابن جبير؟ اللهم إلا علي ابن الحسين الذي لم يثبت عنه، وقد ذكره الجاهل بعد ذلك مباشرة فقال : (وبه قال زين العابدين علي بن الحسين كما نقله المفسرون ) وهذا يدل على أنه أراد بـ (غيرهما) غيرَه، فمن هو هذا الغير ياترى ؟ فإن قال الجاهل قصدت من الغير الزمخشري والفيروزآبادي ( وسيأتي الكلام فيهما) قيل له : ولئن ذكرا تفسير ابن جبير مؤيداً بهالك الأحاديث، واقتصرا عليه، أو وافقاه، فليسا من طبقة ابن جبير ولا في مصافه حتى يذكرا معه ثم إن أحدهما ليس من أهل السنة أصلاً، والمقام في ذكر المفسرين من السلف، إذ لم يذكر هنا غيرهم.

وكذلك هي عادة المفسرين أن يذكروا أسماء السلف الذين اتفق قولهم في الآية فقط ويعرضوا عن ذكر الخلف في هذا المقام ولو بعطف لفظ عام مقصودين به كـ(غيرهم) مثلاً لأنه يوهم أن ذلك الغير المعطوف عليهم من نفس الطبقة، وذلك لتمييز أقوال أولئك السلف عن آراء غيرهم إجلالاً لهم وإكراماً، لا يتعدى حدوده إلى اعتماد كل أقوالهم الاجتهادية، أو يمنع مخالفة أهل العلم لهم فيها كما هو معروف. والله أعلم.        

قال السعيطي : (الوجه الثاني: حسبك شاهداً على أنّ وصفَ تفسير سعيد بن جبير بالأضعف مجازفةٌ أنّ كثيراً من محققي المفسرين ذكروا قوله هذا في موازاة قول ابن عبّاس دون الحكم عليه بأنّه (الأضعف!)، ارجع مثلاً إلى تفاسير كلٍّ من: الإمام القرطبي، والإمام ابن عطية، وأبوحيّان (إمام اللغة في زمانه)، والإمام الفخر الرازي، والإمام ابن جزي الغرناطي، والإمام الآلوسي.

التعليق : -

لقد تقدم الرد على الرمي بالمجازفة في فاتحة الرد على كلامه في هذه الحلقة.

أما قوله : ( ...أنّ كثيراً من محققي المفسرين ذكروا قوله هذا في موازاة قول ابن عبّاس دون الحكم عليه بأنّه (الأضعف! ارجع مثلاً إلى تفاسير ... الخ) فزعم مرسل دون دليل، وعيله أكثر من نظر، إذ بعض من ذكر كابن جزي مثلاً لا يعتبر لدى المفسرين من محققيهم، ثم إن عامة المذكورين لم يصرح أحد منهم بالتسوية بين التفسيرين قوة وتوجيهاً أو توازيهما على حد تعبير الجاهل. 

ولْنسلط النظر على أقوالهم بحثاً عن هذه الموازاة المزعومة دون الإطالة بذكر تلك الأقوال، فهذه التفاسير بين يدي الناس وفي النت ميسور الرجوع إليها لمن أراد التحقق مما لنا عليها من نظر.

أولا القرطبي : لقد ذكر تفسير ابن عباس أولاً، وبعد أن استوفاه نقلاً وشرحاً وتبياناً حكى بقيل تفسير ابن جبير، فذِكْرُه تفسير ابن عباس أولاً يدل على ترجيحه له، وحكايته تفسير ابن جبير بقيل مؤخراً عن تفسير ابن عباس يدل على تضعيفه له حيث قال: (وقيل: القربى قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم، أي لا أسألكم أجراً إلا أن تَودّوا قرابتي وأهل بيتي)، فلا موازاة.

ثانياً ابن عطية : استهل كلامه في الأية بتفسير ابن عباس، وهذا دليل على رجحانه لديه كما هي عادة المفسرين في تقديم الوجه الذي يرتضونه على أنه المعنى الأسد في الأية.

 ثالثاً أبو حيان:أما أبوحيان  فقد صدر أيضا بتفسير ابن عباس، وأردفه بتفسيري الحسن وعبدالله بن القاسم، ثم قفى بتفسير ابن جبير احتمالاً رابعاً في الأية، مما يشير إلي أنه أضعف عنده  من التفاسير التي قدمها بين يديه، فلا موازاة، وإن أسهب بما لا طائل تحته من كلام الزمخشري.

رابعاًً الفخر الرازي: ذكر في تفسير الآية أولاً ثلاثة أقوال لم يكن منها تفسير ابن جبير فضلاً عن أن يجعله موازياً لتفسير ابن عباس، وإنما استطرد في ذكر معنى الآل آخراً بعد أن ذكر بعض الأحاديث الهالكة التي أوردها الزمخشري، واضطرب قوله عندما نقل عن الكشاف حديث أنها لما نزلت هذه الآية قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ فقال عليٌ وفاطمة وابناهما، فقال الرازي بعده : فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النبي صلى الله عليه وسلم، وليت شعري هل يختلف أهل العقل فضلا عن أهل العلم في أن علياًّ وفاطمة وابنيهما أقارب النبي صلى الله عليه وسلم، فيعتمد على هذا الحديث الواهن الهالك لإثبات ذلك؟

ثم قال الرازي بعدُ: إذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد تعظيم. وهذا أيضاً ليس موضع خلاف، وتدل عليه أحاديث صحيحة كثيرة، ولا يَعتمِد على ثبوت هذا الحديث كما يوهم كلامه ، لكن الرازي بناه على فرضية ثبوت حديث هالك فاضطرب قوله في تفسير الآية بأُخَرَةٍ - بعد أن أحكمه ابتداءً - بناءً على تلك الفرضية، حيث جعل الآية دالة على تلك الخصوصية، وإذا عُكِسَ عليه دليلُه بأن هذا الحديث لم يثبت تلاشت مقدمات برهانه، ولم يبق لدلالة الآية على ذلك وجه تمشياًّ مع ترتيب دليله، ثم زاد إغراقاً في البعد والاعتساف فخلط بين وجوب حب هؤلاء الأربعة الثابت من أكثر من وجه وبين معنى هذه الآية، وجنح بها جداً، فأقحم في معناها وجوب مودة الصحابة لأنهم مقربون، يشملهم معنى (القربى) في الآية ، بل كل من أطاع الله وكان مقرباً عنده، دخل في معنى القربى بزعمه، وما جنح إليه الرازي من هذا فنظرٌ وانٍ وتهوك بعيدٌ في معنى الآية مردودٌ عليه، ولعل من قال عن تفسيره: (فيه كل شيء إلا التفسير) قد لاحظ أمثال هذا، كالأسلوب الشرطي أو البرهاني المبني على مقدمات وهمية لم يتحققها، ولا دليل عليها كما هو ديدن هذا الرازي المفتون بعلم الكلام والفلسفة، فقد أغرب وأغرق بهذا وشبهه من الأنظار الفاسدة كتابه (أساس التقديس) انتصاراً لمذهب الأشاعرة، فهتك أستاره، وكشف عواره العلامة الرباني أبوالعباس ابن تيمية في كتابه النفيس القيم (تلبيس الجهمية ) الذي استبان به طرائق جهله وانحرافه، فأتاها من القواعد حتى خارت واضمحلت، بأسلوب شفى به غليل أهل السنة من النابين عنها، فرحمه الله، وأكرم مثواه، ولله دره.

خامساً ابن جزي الغرناطي: صدر بتفسير ابن عباس فدل على أنه الأوجه عنده كما هي عادة المفسرين وهو وإن ذكر تفسير ابن جبير ثانيا فلا موازاة إلا بنص.

سادساً الآلوسي: قدم تفسير ابن عباس وأطال الكلام عليه ناقلاً شارحاً وهذا يدل على أنه المعنى المقدم عنده في الأية ثم ثنى بتفسير ابن جبير فلا موازاة.

وقول الجاهل : (ارجع مثلاً إلى تفاسير كلٍّ من:.......) يفهم منه أيضاً أن الذين ذكروا قول ابن جبير موازياً لقول ابن عباس كثير لم يستقصهم، لكنه اقتصر على مثلٍ منهم، والحق أن دعوى الموازاة لم يصرح بمدلولها أحد ممن ذكرهم، بل منهم صرح بخلافها كالقرطبي، ومنهم من دل صنيعه على ذلك، وأن جمهور المفسرين عبر العصور كالطبري والقرطبي وابن كثير والشوكاني والقاسمي وابن عاشور والسعدي وغيرهم قد جعلوا تفسير ابن عباس هنا هو الأصح الأقوى دراية ورواية، يقول الشوكاني : (ولا يقوي ما روي من حملها على آل محمد على معارضة ما صح عن ابن عباس من تلك الطرق الكثيرة، وقد أغنى الله آل محمد عن هذا بما لهم من الفضائل الجليلة، والمزايا الجميلة) أهـ

قال السعيطي : (الوجه الثالث: أن المعنى الذي ذكرتُه ظاهر في الآية. ولذلك رجحه بعض أئمة اللغة؛  كالزمخشري ـ إمام اللغة في زمانه ـ، والإمام اللغوي المجد الفيروزبادي ـ صاحب القاموس المحيط ـ فسدّدوا النظر وأصابوا المرمى!)

التعليق : -

هذا جهل مركب وعمى أن يزعم غوي خلي عن مبادئ لغة القرآن وأوليات علم التفسير أن ما ذكره هو الظاهر في الآية، لاقتصار الزمخشري عليه بله الفيروزآبادي.

فالزمخشري من أهل الضلاعة في علوم العربية، لكنه من أهل الضلالة والجهالة بعلم الحديث لا يميز صحيحه من سقيمه، ولذلك حشى كشافه بكثير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، تتبعه فيها أهل العلم كالحافظ ابن حجر في (الشافي الكاف في تخريج أحاديث الكشاف)، والحديث الذي جعله عمدته في تفسير هذه الآية، وأنزلها عليه وهو (لما نزلت قيل: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: " عليّ وفاطمة وابناهما "  ) - ككثير من الأحاديث التي ألقاها في هذا الموضع - واهٍ هالك، انخدع به، واعتقد صحته، فاعتسف تفسير الأية عليه، واستأنس بأمثاله، ويرد عليه بالوجوه المتقدمة في إبطاله، وبالجملة فهو صاحب هوى، به ضلالة الاعتزال، وتلك عادته في كل مايراه ويعتقده، وكلامه في تأويل (إلى ربها ناظرة) وفي (آمنتم من في السماء) وغيرهما من أظهر الأدلة على ذلك.

أما الفيروزآبادي فهو إمام في متن اللغة (العلم بمعاني المفردات)، وقد تكون له مشاركة مّا في بعض العلوم الأخرى، لكنه لا يعتبر من أهل هذا الشأن، ولا يعتد بقوله عند أهل العلم بالتفسير فضلاً عن الاعتماد عليه، ويرد عليه بما تقدم.

هذا ولم يكن اقتصار الزمخشري والفيروزآبادي على تفسير ابن جبير أو ترجيحهما له من سداد النظر أو إصابة المرمى في شيء، وإن كان ذلك لمن الخطإ والخذلان، فقد تجاهلا تحت تأثير أحاديث هالكة تفسيراً في البخاري لصحابي جليل كان المرجع في التفسير غير منازع للتابعين وتابعيهم، أولم يدع  له الرسول صلى الله عليه وسلم أن يُفَقه في الدين ويُعَلم التأويل، من أجل ذلك قال الشعبي : (أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عنها فكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوسط الناس في قريش فليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده فقال الله له قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى إلا أن تودوني في قرابتي منكم ، أي تراعوا ما بيني وبينكم فتصدقوني ، فالقربى هاهنا قرابة الرحم كأنه قال : اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوة) ولم يحر ابن جبير جواباً عندما خطّأه، واتفق جمهور المفسرين من السلف على القول به، كما تعاقبت أنظار خلفهم أحقاباً إلى اليوم على أنه أصوب ما قيل في الآية وأصحه.

فالإعراض صفحاً عن تفسير مَنْ هذا شأنُه وتلك مكانتُه وإغفال ذكره في آية اختلفت فيها أنظار من دونه من أهل العلم والاقتصار على تفسير إمام منهم يتقاصر عن رتبة ابن عباس رضي الله عنه علماً وطبقة وقدراً أو ترجيحه إنما هو خطأ جلي ومسلك مشين مردود على من انتهجه، وهو ملوم.        

وأما قول السعيطي (فسدّدوا النظر وأصابوا المرمى!) فهو حكم باطل من جاهل صاغر متشبع بما لم يعطه، ما سدد نظراً يوماً، ولا أصاب مرمى، بل شأنه الإخفاق حيث توجه(1) وفاقد الشيء لا يعطيه.

يتبع .. 

أبوأيوب الأثري

____________________

1ـ يبدو واضحاً – والله أعلم - من أسلوب الذي سمى نفسه (معمر سليمان) ونفسيته التي يكتب بها أنه السعيطي بعينه، فهذا هو نفـَسُه الحاقد على أعلام السنة وأئمة الهدى، وذلك سبيله في السرقة ومخاريقه*، ولى الدبر في كمد وحسرة مغتاظاً من التبيان، وضاق بأدلته ذرعاً أنْ كبتته، وردته إلى حجمه، فخنس، ثم برز باسم آخر خيفة أن تتبين حاله لينفّس عن غيظه رافعاً عقيرته  بما استهواه من حجج داحضة، لم يكن هو أبا عذرتها، فلما رشقته سهام الحق تلكـّأ، ثم بُهت، وانكفأ من ذلك خاسئا حسيراً.

* أي ألاعيبه.             


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home