Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

السبت 15 أغسطس 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

قرأت لك :
البليهي : أسطول أمريكي واحد أهم مما اخترعته الإنسانية وفوكوياما لم يتراجع

البليهي: أسطول أمريكي واحد أهم مما اخترعته الإنسانية وفوكوياما لم يتراجع
صوت الأخدود - « نقلا عن صحيفة عكاظ السعودي ـ عبدالعزيز قاسم » - 14 / 5 / 2009م
المصدر : صوت الأخدود : http://www.okhdood.com/?act=artc&id=4211

ابراهيم البليهي في الجزء الثالث من مكاشفاته الطويلة، قال الأستاذ إبراهيم البليهي، إن العلم والتاريخ والواقع كلها تؤكد أن ثقافات الشرق تختلف نوعيا عن ثقافات الغرب، مؤكدا أن المعضلة بالذين لا يملكون قدرة المبادرة ولا قدرة التقليد النافع، وإنما يكابرون وينتفشون ويصرون على تخلفهم، ويرون أنـهم الأرقى والأفضل رغم كل ما هم فيه من هوان وعجز وفقر وجهل وتخلف، وتطرق البليهي إلى حادثة أبو غريب، لافتا إلى أن الإعلام الغربي هو من فضحها، ومتسائلا عن الإعلام العربي وأين كان من الآلاف الذين كانوا يموتون تحت التعذيب في عهد صدام حسين، وإلى تفاصيل الحوار:

- توقفنا في الحلقة الماضية عند الإسكندر المقدوني أستاذ إبراهيم، واسمح لي أن أقول بأن ثمة خلل في موازينك. فحين تتحدث عن الإسكندر، تحاكمه لعصره، وحين تتحدث عن الحضارة الإسلامية تحاكمها لعصرك. أفلا تستطيع على الأقل - أن تقول بأن الحضارة الإسلامية - أيضا - حسب موازين عصرها احترمت الإنسان؟
- لم أتحدث عن الحضارة الإسلامية تخصيصا، إنما تحدثت عن الحضارات القديمة عموما بأنـها لم تكن تحترم الإنسان احتراما يعترف بفرديته ويلتـزم بكل ما يترتب على هذا الاعتراف من حقوق واعتبارات، باستثناء الحضارة اليونانية ووريثتها الحضارة الرومانية ثم الحضارة الحديثة، وهي تمثل مراحل من حضارة واحدة إنـها الوحيدة التي حررت العبيد ومنعت الرق وحرمت الغزو العدواني التوسعي واستهجنت استرقاق الناس وبيعهم كالبهائم!!! واهتمت بالإنسان الفرد اهتماما ليس له سابق في التاريخ وعممت التعليم ونظمت الضمان الاجتماعي وحاربت تشغيل الأطفال، وأكدت المساواة واقعا وليس كلاما ورفعت الغبن عن المرأة وحددت ساعات العمل لكل العاملين، بدلا من الكدح الطويل القاتل في العصور القديمة، وضمنت راتبا تقاعديا للعاملين إذا بلغوا سن الستين، بعد أن كانوا في كل العصور يتركون لمصيرهم البائس، وضمنت للعاملين الأمن الوظيفي، وحمت الموظفين والعمال من الفصل التعسفي، وجعلت حقوق الإنسان شأنا إنسانيا عاما وأصلحت السجون.. إلى غير ذلك مما لا نـهاية له من الحقوق والإبداعات الرائعة التي ابتكرتـها الحضارة الغربية ولم تكن معروفة في أية حضارة سابقة، ونحن الآن نعيش هذه الابتكارات العظيمة وننعم بـها، ولكننا نعتبرها من البداهات الإنسانية ونتجاهل أنـها كلها ابتكار غربي.
- سأحتكم مرة أخرى للتاريخ، الذي ينقل لنا أن الإسكندر ملك، بدأ ملكه بتصفية خصومه من اليونان أنفسهم، وقتل في ساعة سكر أعز أصدقائه وجلسائه. وفي حروبه أباد خلائق لا تحصى، وحين استولى على عاصمة الفرس، تعمد إحراقها بأكملها. في حين يرسم لنا البليهي صورة مشرقة عن إسكندر طيب القلب، يحترم الإنسانية، لم يكن قصده في حروبه سوى نشر الفكر الفلسفي! لا بل وصفته بأن ما يفعله قمة التطور!، هل لا بد أن يكون الإسكندر مسلما حتى يبصر البليهي جناياته؟
هذا كلام لا يتفق مع وقائع التاريخ، فالإسكندر وفد إلى اليونان وهو طفل، فأبوه فيليب ملك مقدونيا غزا اليونان حين ضعفوا بعد الاقتتال الطويل الذي دار بين أثينا واسبارطة وأنـهك الاقتتال كليهما، مما أغرى فيليب بغزو اليونان والاستيلاء عليها ثم آل حكم اليونان إلى ابنه الإسكندر، وكان عبقريا وتلقى الفلسفة عن الفيلسوف الأكبر أرسطو وتشبع بالفكر الفلسفي فرأى أن ينشره في كل الأرض، ليزيل أسباب الاقتتال في الأرض، لكنه مات مبكرا قبل أن ينجز مهمته، فتقاسم القادة البلاد واحتفظ التاريخ بذكر البطالمة الذين حكموا مصر وأشاد بـهم وبدورهم الحضاري، لأنـهم حفظوا الفكر اليوناني وأنشأوا مكتبة الاسكندرية العظيمة، وكانت منهم الملكة الشهيرة كليوباترا التي انتهى بـها حكم البطالمة على أيدي الرومان، فصارت مصر إقليما رومانيا...

الاستعمار الغربي

- إذا دعني أسألك عن دماء أمتك التي أريقت أثناء فترة الاستعمار. وماذا عن ملايين الهنود في أمريكا، وماذا عن (ترومان) الذي دمر مدينتين مملوءتين بعشرات الألوف من العجزة والنساء والأطفال، وماذا عن دماء الفلسطينيين التي تسفك كل يوم، وماذا عن مليون أفغاني ذهبوا ما بين قتيل أو مقطع الأطراف، وماذا عن جرائم الشيوعية (ذات الهوية الغربية)، وماذا وماذا وماذا... أم أن هذه أيضا كلها خلايا سرطانية في جسم جميل؟!
الغربيون هم الوحيدون الذين يعترفون بجرائم أسلافهم ويأسفون لما حصل منهم ويعتذرون عن أخطاء وجرائم ارتكبها أجدادهم، إنـهم يشمئزون منها ويعلنون بكل الوسائل هذا الاشمئزاز ويدينون فاعليها ويحذرون كل دول العالم وشعوبه من أن تقع في مثلها، إنـهم لا يتسترون على فظائع أسلافهم ولا على أخطاء وجرائم الأحياء منهم، بل يكشفونـها هم بأنفسهم بمنتهى الوضوح وبكل التفاصيل، فالكتب الكثيرة التي تتحدث عن جرائم الأمريكيين الأوائل في إبادة الهنود الحمر هي كتب كتبها أمريكيون، بينما أن الكثير من الأمم الأخرى ما زالت تتباهى بكثرة من قتل أسلافها وكثرة من سبوهم وأحالوهم إلى عبيد يباعون كما تباع البهائم، وهنا يتضح الفرق الهائل بين الثقافات!!!...
- لنترك الإسكندر وهتلر وموسوليني ولآتيك بمثال معاصر في حادثة أبو غريب، ها هم الأمريكان رأس هذه الحضارة الغربية، وتابعت ماذا فعلوا في العراق.
من الذي كشف أبو غريب؟ أنتم أم الغربيون؟
إن وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية هي التي كشفت فظائع سجن (أبو غريب) وهذا يدل على أنـهم لا يتسترون على أخطائهم وأن لديهم من الحس الأخلاقي الرفيع ما يدفعهم إلى إعلان الأخطاء وكشف الجرائم حتى لو كان المذنبون منهم، إن هذا مستوى من الأخلاق الرفيعة والموضوعية النادرة ما زال الكثير من الأمم الأخرى غير قادرة على ممارسته أو حتى استيعابه وإدراك دلالته...
إن الذي حصل من بعض الأفراد الأمريكيين في سجن (أبو غريب) عمل فظيع وإجرام شنيع، لكنه سلوك فردي وقد استنكره الأمريكيون أشد الاستنكار وأدانوه أقصى درجات الإدانة، قبل أن يدينه أو يعلم به غيرهم، وهنا يكمن الفرق فالأخطاء والتجاوزات والجرائم تحصل في كل المجتمعات، لكن حين تكشف وتدان من المجتمع ذاته ولا يجري التستر عليها، فإن هذا مستوى أخلاقي رفيع...
لقد كانت سجون العراق تغص بالسجناء والمعذبين طيلة حكم صدام حسين، بل طيلة حكم البعث فأين كان الإعلام العراقي عن ذلك، وأين كان الإعلام العربي عن تلك الانتهاكات الفظيعة التي ارتكبها صدام حسين!!! لقد كان الآلاف يموتون تحت التعذيب، فأين كان الإعلام العربي عنهم؟!!! وكان الناس في الحواضر العراقية يبادون بالمواد الكيميائية كما تباد الحشرات من الحكومة العراقية نفسها التي واجبها أن تحميهم، إنه القتل الجماعي الممعن في التجبر والظلم والقسوة والوحشية، وقد كشفت المقابر الجماعية فظاعة ما فعله صدام حسين بالشعب العراقي، ولكن ذلك التجبر الصدامي كان يصاحب بالتمجيد للقائد الملهم، أما إذلال الشعب العراقي وقهره وإسكاته وتـهجيره فكل هذه من الشأن الداخلي الذي لا يستحق من الإعلام العربي أن يشير إليه، فالزعيم أهم من الشعب!!! فهل يوجد أفظع مما فعله صدام حسين في شعبه؟!! فأين هذه الحمية التي لا تتذكر سوى مساوئ الغرب مع أن ظلم صدام حسين للعراقيين هو من ظلم ذوي القربى، وهو كما يقول العرب: ((وظلم ذوي القرب أشد مضاضة)) ؟!!! لقد كان ملايين العراقيين يفرون خارج البلاد ويتيهون في الأرض فرارا من التعذيب الفظيع والموت الجماعي حتى بلغ الهاربون من خيرة أبناء العراق وأرفعهم تأهيلا أكثر من أربعة ملايين أي أن أكثر من ربع الشعب العراقي كانوا فارين ولاجئين ولم يجدوا من يؤويـهم إلا في البلدان الغربية: أوروبا وكندا واستراليا...!!!!
- اسمح لي أن أقول إن هذه حيدة منك.. فإذا كشف غربي حادثة أبو غريب، هل هذا يعني براءة الغربيين من تبعاتها؟ لم أقل ببراءة المجرمين، بل قلت بأن الأمريكيين هم الذين كشفوا جريمة أفرادهم فالغربيون أنفسهم أدانوا هذا الفعل الفظيع وأعلنوا شناعته وواصلوا غضبهم الشديد على الفاعلين، وطالبوا بالقصاص السريع منهم، إن الغربيين لم ينتظروا الإدانة أو التبرئة من خارجهم فهم أدانوا ويدينون مجرميهم قبل أن يكتشف الآخرون حصول الإجرام، إن حياتـهم لا تقوم على الغمغمة والإخفاء والتمويه والتضليل والتستر، ولكنها تقوم على الوضوح والمكاشفة والشفافية؟!!!..

ثنائية الشرق والغرب

- زميلنا سلطان العامر يقول إن الفكر الحديث تجاوز منطق الثنائية التالية الشرق والغرب وتم توضيح الأسس العنصرية التي ينبني عليها، فالغرب ليس شيئا واحدا والشرق كذلك والحدود بينهما حدود وهمية وأسطورية والدراسات الحديثة ركزت على فضح المركزية الغربية في نظرتها للتاريخ والأسس الغربية. أين الأستاذ البليهي من النقد الموجه لهذه الأطروحة؟
العلم والتاريخ والواقع كلها تؤكد أن ثقافات الشرق تختلف نوعيا عن ثقافات الغرب، فالمجتمعات الشرقية التي تطورت مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وماليـزيا وتايوان وهونج كونج، ثم الصين والهند، قد استوعبت الفكر الغربي وهضمته واستخدمته بمنتهى الفاعلية، ولولا ذلك لما كانت قادرة على تحقيق الازدهار الذي تعيشه، فازدهار البلدان الشرقية لم يحصل ابتداء وإنما تحقق بالاقتباس الكامل من الغرب ومحاكاته والسير على دربه، وهذا شيء عظيم لأنـهم أجادوا التقليد ثم صاروا مبدعين لأنـهم استوعبوا سر التقدم، لكن المعضلة بالذين لا يملكون قدرة المبادرة ولا قدرة التقليد النافع، وإنما يكابرون وينتفشون ويصرون على تخلفهم ويرون أنـهم الأرقى والأفضل، رغم كل ما هم فيه من هوان وعجز وفقر وجهل وتخلف...
- ولكن هل قراءاتك في الفكر الغربي لا تتجاوز عتبة القرن التاسع عشر، الذي سادت فيه الكتابات النرجسية والتمجيدية التي تؤكد تفوق الإنسان الغربي على ما سواه من البشرية، الذي هو قرن الاستعمار وامتصاص ثروات الشعوب الأخرى، والذي انتهى بحربين عالميتين؟
إن نرجسية المتخلفين هي الأفظع والأشنع، فهم كالعائل المستكبر، أما الغربيون فإنـهم كلما تقدموا ازدادوا تواضعا واشتد نقدهم لأنفسهم وتضاعف احترامهم للثقافات الأخرى، حتى وإن كانت في حالة هوان وتخلف وعجز، إن الأوروبيين: سواء كانوا كتابا أو أدباء أو علماء أو مفكرين أو فلاسفة أو سياسيين، يعلنون دوما عن احترامهم للمتخلفين في ماضيهم وحاضرهم ومقابل مدح الغربيين لغربهم، فإنـهم ينقدون أنفسهم وثقافتهم وتاريخهم ما أوهم المتخلفين بأنـهم على ما يرام، بل بأنـهم الأرقى والأفضل فأوروبا تجاوزت مرحلة التباهي والتفاخر تجاوزا لا يفهمه المتخلفون، ولا يستطيعون استيعابه ولا إدراك دلالته...
نعم لقد كان بعض الأوروبيين في القرن التاسع عشر يتباهون بالازدهار الذي حققوه، لأنـهم شاهدوا الفروق الشاسعة بينهم وبين غيرهم، لكن أوروبا الآن تجاوزت هذا المستوى من الغرور والتباهي، بل صارت تبالغ في التواضع وفي تمجيد الثقافات الأخرى المتخلفة، أما غيرهم فيتباهون بالتخلف الذي يغمرهم، ومع ازدهار الغرب الهائل فإنه يواصل نقد ذاته نقدا لا رحمة فيه ويعلن احترامه لكل من يختلفون عنه مهما كانوا متخلفين!!! أما عن الاستعمار، فإن الأمم في العصور القديمة كانت تعتبر عدوان الأقوى على الأضعف سلوكا ماجدا لا يتنافى مع الأخلاق الفاضلة!!! بل كانت الأمم الغازية تفخر بغزوها للآخرين وتتباهى به، أما أوروبا في القرنين التاسع عشر والعشرين، فإنـها حتى حين غزت القارات الأخرى لم تقبلها مكشوفة، وإنما بررت فعلها بأنه من أجل تمدين المجتمعات المتخلفة، لذلك سمته (استعمارا) أي تمدينا وتعميرا وتنمية وحفزا على التحضر إنـها تؤمن بحق كل الأمم بالاستقلال وحق تقرير المصير، فهذه المفاهيم السيادية للشعوب هي مفاهيم غربية، أما في الحضارات القديمة فلا سيادة للضعيف وإنما الأقوى يـهاجم الأضعف دون حاجة لأي تبرير، فالشعور بالحقوق المتساوية للشعوب هو شعور أخلاقي حديث ابتكرته الحضارة الغربية، لذلك أوجدت الدول الاستعمارية لنفسها عذرا أخلاقيا بأنـها احتلت البلدان المتخلفة من أجل تمدينها ولم تقبل أن تكون غازية لمجرد التوسع، كما كان يحصل في كل العصور القديمة، بينما في الحضارات القديمة لم يكن الغزو بحاجة إلى أي تبرير، بل كانت الأمم تتفاخر بغزواتـها وتعدد فتوحاتـها مهما كانت عدوانية !!! فنحن الآن حين ننتقد الغربيين إذا توهمنا أنـهم قد تجاوزوا على غيرهم، فإننا قد أخذنا هذا النقد منهم، لأن ثقافتنا لم تكن تستنكر الغزو بل كانت تعتبره طبيعيا، فالدنيا في نظر كل الثقافات القديمة قائمة على التغالب: ((فهي لمن غلب))، بل حتى داخل المجتمع العربي نفسه أوجب الفقهاء طاعة الغالب حقنا للدماء وتقليصا لمساحات النـزاع والصراع على السلطة، إن استنكار الغزو والتجاوز على الأمم الأخرى ليس موجودا في ثقافتنا، وإنما هو شيء طارئ اكتسبناه من الغرب لنستخدمه ضده فقط، إننا نستنكر أن يغزونا الآخرون وقد صار هذا الاستنكار ثقافة عالمية، لكن الغرب هو الذي أوجد هذه الثقافة، وهو الذي نشرها، أما المتخلفون فإنـهم لو ملكوا القوة الغربية الهائلة، فالله أعلم ماذا يفعلون؟!!! لأن احترام الأبعدين المغايرين غير موجود في ثقافات الشرق، ولكنه مبدأ مجلوب وطارئ ولم يصبح ثقافة عامة تلقائية، لأنه في الماضي غير موجود إطلاقا...
- غير موجود في ثقافات الشرق ومنها ثقافتنا.. وبهذا الإطلاق أستاذ إبراهيم؟
نعم وبمنتهى الإطلاق أيضا وليس الإطلاق فقط!!! فاقرأ التاريخ العربي وصراعاته على السلطة وإقرأ التاريخ البشري وما فيه من حروب وعدوان وأنـهار من الدماء وجموع الأسرى الذين يتحولون إلى أرقاء يباعون كما تباع البضائع والبهائم !!!، وكان المعتدى عليهم تؤخذ أموالهم وتتحول بلدانـهم إلى ريع للغزاة وتسبى نساؤهم وتباع كما تباع الأغنام، لقد انتهى هذا كله بفضل الثقافة الغربية التي قامت على احترام الإنسان بشكل مطلق بغض النظر عن انتمائه...

حضارتا اليونان والرومان

- دعني ألتف عليك بنفس المنطق وأعود للحضارة اليونانية والرومانية التي كانت تبيع أسراها كما تباع البهائم. ومع ذلك هي عندك حضارات كانت تحترم الإنسان؟
اليونانيون كانوا مرتبطين بالنظام العالمي الذي كان سائدا في عصرهم، فقد كانت تغزوهم الأمم الأخرى خصوصا غزوات الفرس المتكررة لهم، وكان الغازون يستعبدون من يأسرونـهم من اليونانيين وغيرهم، فاليونانيون مضطرون أن يعاملوا الآخرين بمثل ما يعاملوهم به وإلا لحقهم غبن فظيع وتجرأ عليهم الغزاة أكثر فيصبحون نـهبا للغزاة ثم إن اليونانيين وضعوا الأسس الراسخة للثقافة الإنسانية الحالية أي أن الثقافة اليونانية أسست مبادئ الاعتراف بقيمة الإنسان الفرد بغض النظر عن انتمائه، فهيأت للتطور الحالي الذي أدى إلى تحريم الرق وتحريم الغزو التوسعي وبقية المنظومة الجديدة من القيم الإنسانية الرفيعة، إن اليونانيين في عصر مجدهم لم يملكوا من القوة ما يمكنهم من فرض مبادئهم على العالم، أما الدول الغربية في هذا العصر فقد ملكت من القوة ما أتاح لها أن تفرض على العالم تحرير العبيد وتحريم الرق ومنع العدوان التوسعي، ثم إن الأفكار تتطور فالمهم هو تحديد اتجاه الأنسنة الشاملة، فالثقافة الإغريقية قد أكدت قيمة الإنسان الفرد منذ القرن الخامس قبل الميلاد، وكان ذلك بمثابة تـهيئة لإنـهاء الرق ولمنظومة القيم الإنسانية التي أعلت من شأن الإنسان الفرد وأبرزت حقوقه وحمته من التعسف ووضعت من التنظيمات ما جعل حياته أقل عسرا وأكثر أمنا...
- تقول: إن احتلال البلدان الأخرى كان مجدا. وتجعل هذه مذمة، وبعدها تمدح الإسكندر المقدوني الذي كانت أعظم منجزاته فتح بلدان الآخرين.. كيف نوفق بين كلامك هنا وكلامك هناك؟
لم تكن حروب الإسكندر المقدوني من أجل التوسع لذاته ولا من أجل نـهب خيرات الأوطان واستعباد المقهورين، بل سيطرت عليه فكرة توحيد الإنسانية كلها وإزالة أسباب الحروب إلى الأبد، لقد تشبع بفكرة أن الأحوال الإنسانية لن تستقيم حتى تنتشر الفلسفة، وكان يريد تمدين المجتمعات وجمعها على الفكر الفلسفي، وهي نفس الغاية التي أعلنتها البلدان الغربية لتبرير الاستعمار، إن مجرد الشعور بأن الحرب سلوك عدواني يتطلب التبرير الأخلاقي، يعتبر قفزة نوعية هائلة ففرق نوعي شاسع بين التفاخر بقهر الآخرين، وبين محاولة رفع مستواهم الحضاري وتمدينهم والسعي لإزالة أسباب الحروب...

إسهامات الشرق

- صرحت أن احتلال البلدان الأخرى أصبح أمرا مخجلا بفضل الحضارة الغربية. سؤالي البسيط هنا: هل أنت مقتنع أن الخجل هو الذي يمنعهم من احتلال بلاد الآخرين؟
إن الثقافة الغربية بأكملها لم تعد تستسيغ احتلال بلدان الآخرين، إنـهم قد تشبعوا بمنظومة من القيم لا تجيز لهم العدوان، فهم يستنكرونـها تلقائيا لذلك نجد أن الشعوب الغربية هي الأكثر احتجاجا ومعارضة للحروب، مع أن الحروب في هذا العصر تقع بعيدا عن ديارهم، فهم لا يتضررون منها بشكل مباشر، بل إنـهم يكونون ضدها حتى لو كانت تخدمهم اقتصاديا. إن الأحداث تؤكد هذه الحقيقة بما لا مزيد عليه، ومن هنا يجب إشاعة ثقافة السلم في كل المجتمعات... - لا زلت عند نفيك المطلق لإسهامات الحضارات الشرقية ومنها حضارتنا الإسلامية، لأجد نفسي مضطرا لتكرار أن الحضارة تراكم إنساني، فلماذا تعمد إلى اعتبار الحضارة الغربية هي الحضارة الأقوى؟
هذا السؤال لا يحتاج مني أكثر من أن أدعوك إلى أن تجيل بصرك فيما حولك لترى منجزات هذه الحضارة الفريدة الاستثنائية، أما كونـها الحضارة الأقوى، فإن قوتـها تجاوزت مستوى التساؤل أو التشكيك، فأسطول واحد من أساطيل أمريكا وحدها أعظم من كل ما عرفته الإنسانية منذ وجودها!!!!...
- بهذا المنطق: إذا كانت الحضارة الغربية المعاصرة امتدادا لحضارة اليونان، فلماذا لم يستطع الغربيون تحقيق نقلتهم النوعية إلا بعد ألفي سنة فصلتهم عن اليونانيين القدماء. فهل كان اليونان والرومان لا يفكرون؟!
إن الثقافة اليونانية كانت طفرة هائلة، ولكنها كانت سابقة لعصرها سبقا عظيما فلم تكن الثقافات البشرية قادرة على الارتقاء إلى مستواها ولا استيعابـها، وقد انحصرت تلك الطفرة في بقعة صغيرة من الأرض، ولم تكن أيضا تلك البقعة خالصة لها بل كانت إسبارطة ضدها، لذلك انـهارت قوتـها المادية وبقي تراثها الفلسفي الباهر، وقد حاول الاسكندر نشر هذا التراث فانتهى نـهايته المعروفة، ثم ورث الرومان التراث اليوناني، ولكن بعد أن اختلطت به ثقافة الشرق فأفسدته لكن الإشعاع الباقي منه كان كافيا وقد نشره الرومان في أوروبا الغربية، ثم حصل التدهور في الحضارة الرومانية نفسها ودخلت أوروبا في مرحلة القرون الوسطى المظلمة ثم أفاقت أوروبا من ذلك السبات واستعادت التراث اليوناني واستأنفت المسيرة الحضارية الظافرة.

فوكوياما لم يتراجع عن انتصار الليبرالية ونهاية التاريخ

في رابع مكاشفاته، قال المفكر السعودي إبراهيم البليهي إن فرانسيس فوكوياما لا يقول ببلوغ نـهاية التقدم، ولكنه يؤكد عقم النظم الشمولية وتضاؤل فرصها في المستقبل، ودافع البليهي عن نظرية فوكوياما، وأبان أن الرجل لم يتراجع عن رأيه، بل إنه مازال مقتنعا تمام الاقتناع بأن الشعوب حين تملك خيارها، فإنـها لن تعود مرة أخرى إلى تجارب الأنظمة الشمولية كالشيوعية، وبأنه لا بديل عن الليبرالية ولا عن النظام الديمقراطي، وتطرقت المكاشفة إلى دور الدين في الحضارة الغربية، وقال البليهي إن العلمانية في الغرب لا تعني نفي الدين أو التخلي عنه أو محاربته أو قمع القائمين عليه، بخلاف ما هو شائع خطأ عندنا، وإلى تفاصيل المكاشفة:

ألا تعتبر الحضارة العربية والإسلامية قد حققت هذه القفزة النوعية التي نعيشها اليوم؟
الحضارة الإسلامية أنجزت إنجازات عظيمة في مجالات العقيدة وأصولها والفقه وأصوله والتفسير وأصوله والحديث واللغة وغيرها من العلوم الإسلامية الأساسية أو العلوم المساندة، لكنها لم تحقق أي تغيرات نوعية في المجالات الدنيوية لا في الحقول النظرية ولا في الممارسات العملية، ويستطيع أي مثقف أن يقارن بين الحضارة العربية وغيرها من الحضارات القديمة من جهة، وبين الحضارة اليونانية وامتداد الحضارة الغربية وما حققته من تغيرات نوعية من جهة أخرى، ليعرف هذه الحقيقة الناصعة، ومن المعلوم أنه حتى الازدهار الياباني أو الكوري أو الصيني، ما هو إلا امتداد لابتكارات الغرب، أما الحضارة العربية فلم يكن لها أي إسهام في هذه التغيرات النوعية أو في هذه القفزة كما تسميها.
وماذا عن الازدهار الذي تحقق في بغداد المأمون والرشيد وجامعات الأندلس الزاهر؟
- لم يتحقق في الحضارة الإنسانية تغيرات نوعية لا في بغداد الرشيد والمأمون ولا في الأندلس، وإنما حصلت ترجمات للفكر اليوناني، كانت محل اهتمام أفراد معدودين في بغداد والأندلس، إنها إضاءات مجلوبة من اليونان، وقد بادرنا بإطفائها ولم نكتف بهذا الإطفاء، وإنما بقينا خلال القرون التالية نكيل التهم لمن حاولوا نشر تلك الإضاءات بيننا، ومن ناحية أخرى، فإن عصر المأمون هو أزهى العصور العربية في مجال الفكر، لكنه انطوى على خلل جوهري فالمأمون أراد إلزام العلماء والمجتمع بما اقتنع به هو، وهذا يتنافى مع الفكر اليوناني المجلوب، كما أنه يفقد شرط الفاعلية الفكرية، فالازدهار ينهض على صراع الأفكار وليس على الاحتكار، إنه يقوم على مبدأ الإقناع وليس على الإخضاع، ومتى فقد هذا الشرط، فإنه ينقلب من فكر محرك إلى أيديولوجيا قامعة.
من وصفك الذي تميل إليه باعتبار الحضارة الغربية استثناء وأنها تخدم الإنسان، وسؤالي: هل تتقاطع أو تتشابك بطريقة أو بأخرى مع نظرية فوكوياما (نهاية التاريخ)؟
- نعم إنني أتفق مع فوكوياما، وقد لاحظت أن أكثر الذين نقدوه في العالم العربي قد أخطأوا في فهم قصده فتسرعوا في الحكم عليه قبل التحقق مما يعنيه اكتفاء بما يوحيه عنوان مقاله، ثم عنوان كتابه، فهو يعني بنـهاية التاريخ أن الإنسانية خلال القرون وبالذات خلال القرن العشرين، قد جربت الكثير من النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأنـها بعد هذه التجارب المريرة قد تحققت عن أفضل هذه النظم فلقد فشلت النظم الشمولية كالماركسية، وتخلى عنها حماتـها والمدافعون عنها فسقط الاتحاد السوفييتي وانـهار المعسكر الشرقي وتخلت الصين عن التصلب الماركسي وانفتحت على الآفاق، فالأمم والشعوب صارت تتجه نحو الليبرالية، ولكن الاتجاه لا يعني بلوغ النهاية، وإنما يعني التوقف عن معاداة الليبرالية والكف عن مواصلة البحث عن بدائل أفضل، فالتجارب قد أثبتت أنـها أفضل البدائل، لكن الأفضلية لا تعني الكمال ولا التوقف عن التحسين والتطوير، وإنما تعني الاستمرار في اكتشاف النقائص والعمل على تجاوزها...
إن فوكوياما لا يقول ببلوغ نـهاية التقدم، ولكنه يؤكد عقم النظم الشمولية وتضاؤل فرصها في المستقبل فقد تساقطت وانكشفت عوراتـها كالنظام الشيوعي، وبـهذا ثبت بأن الليبرالية هي الاتجاه الذي ثبت نجاحه، لأن الإنسان كائن تلقائي فلا يبدع وينتج ويتقن وتتأسس قدراته وتكتمل مهاراته، إلا إذا كان حرا ومندفعا عن رغبة بشكل تلقائي، أما التقييد والإلـزام، فإنه يفسد القابليات ويئد القدرات، وبـهذا فإن الليبرالية هي البيئة المناسبة للنمو والتقدم وتحقيق العدالة الاجتماعية النسبية والمحافظة على الكرامة الإنسانية.
وقد قرأت كتابك الذي حوى لقاءك مع فوكوياما كما قرأت كل التعليقات التي صاحبتْ اللقاء أو جاءت تعليقا عليه، لكني أختلف معك وأتفق معه بأن الشعوب إذا أتيح لها الخيار فإنـها لن تعود مرة أخرى إلى النظم الشمولية فقد سقطتْ تلك النظم إلى الأبد وفي مقدمتها النظام الماركسي وخَلَتْ الساحة للتجربة الليبرالية كمناخ حر يتسع لكل الاتجاهات ويستوعب كل الاختلافات ويمكن أن تستخدمه كل الثقافات فالليبرالية هي البيئة السليمة التي تتعاضد فيها كل الطاقات وتتلاقح كل الأفكار وتتكامل كل النشاطات إنـها تؤمن بقيمة الإنسان لذاته وليس لانتمائه كما أنـها تلتـزم بالنـزعة الفردية وبالمساواة وبالشفافية وحق المساءلة وحق التعبير وحق المشاركة، إنـها تحشد كل الطاقات لخير الجميع فتحفز النمو الإنساني وتحرك التطور الحضاري في كل المجالات وتحفظ للإنسان فرديته وتحترم كرامته ففي ظلها توصلت المجتمعاتُ الغربية إلى أقل الأنظمة سوءاً وهو النظام الديمقراطي ومازالت المجتمعات الغربية تتعرف على عيوب هذا النظام وتعمل على تطويره. إن الليبرالية هي المناخ الوحيد الذي يستخلص أنضج الآراء وأنجح الأفكار، فالليبرالية بيئة مفتوحة لكل العقول ومن صراعاتـها تنمو الأفكار وتتقدم العلوم والفنون والتقنيات وبـها تتجدد الحياة وتزدهر الحضارة...
إن فوكوياما يؤمن بعجز الإنسان عن الكمال ويعترف بعيوب الديمقراطية، لكنه يرى أن التجربة البشرية انتهت إلى رفض الأنظمة الشمولية وسقوطها إلى الأبد، ويقتضي ذلك عنده أن الاتجاه الليبرالي هو الاتجاه الأصلح وأنه النموذج الصحيح، ولكن صحة الاتجاه لا تعني بلوغ الغاية ولا تحقيق الكمال، وإنما هو يؤكد أن الاتجاه صحيح وأنه بمواصلة السير معه تتطور التجربة وتنضج الممارسة، فنقد الواقع ومواصلة تحسينه سمة رئيسية في المناخ الليبرالي، إنـها لا تؤمن بالنهايات ولا ترضى بالتوقف، بل إن تقدمها الباهر، قد تأسس على النقد، ونقد النقد إلى مالا نـهاية... صحيح أن كتاب فوكوياما يحمل عنوان (نـهاية التاريخ)، لكن الذي يقرأه يتضح له أنه لا يقصد معناه الحرفي، وإنما يقصد أن الأمم والشعوب إذا ملكت حق الاختيار، فإنـها لن تعود مرة أخرى إلى النظم الشمولية، فالليبرالية في نظره قد تجلت أهليتها وظهر الكثير من إيجابياتـها، فهو فقط يؤكد وضوح صحة الاتجاه الليبرالي ونـهاية البحث عن البدائل، إن فوكوياما لم يقل بأن الأمر انتهى أو أن البشرية لن تتقدم أكثر مما تحقق، بل إن البشر حسب نظريته سيستمرون في التقدم، لكنهم لن يغيروا المسار تغييرا جذريا كالتحول مرة أخرى مثلا إلى الشيوعية، فسوف يواصلون تحسين النظام الديمقراطي إلى ما لا نـهاية، فالغربيون عندما يتحدثون عن الديمقراطية- ومنهم فوكوياما - يقولون إنـها أقل الأنظمة سوءا، ولا يقولون بأنـها كاملة بل يؤكدون بأن الديمقراطية بأمس الحاجة إلى التطوير المستمر، ولكنها النموذج الذي ينبغي أن يطور، لكن لا مجال للبحث عن بديل مختلف جذريا، وإنما يجب أن يتواصل العمل للمزيد من التطوير والارتقاء وتجاوز النقائص في الأفكار والآليات، إن هذا هو ملخص نظريته...

فوكوياما ونقض نظريته

فوكوياما بذاته وبعد عشر سنوات، كتب مقالة نقض فيها تلك النظرية، وأنت تقول بها وتصر عليها..كيف هذا؟
- إن هذا القول ليس صحيحا، وإنما هو من الأوهام التي راجت، إن فوكوياما لم يتراجع عن رأيه، بل إنه مازال مقتنعا تمام الاقتناع بأن الشعوب حين تملك خيارها، فإنـها لن تعود مرة أخرى إلى تجارب الأنظمة الشمولية كالشيوعية، وبأنه لا بديل عن الليبرالية ولا عن النظام الديمقراطي، لكنه يؤمن في الوقت ذاته بنقائص هذا النظام وحاجته الشديدة إلى التطوير المستمر، كما أنه بات أكثر إدراكا بأن سلامة الاتجاه لا تكفي لكي يقتنع الناس به، فالعوائق الثقافية والسياسية والاجتماعية مازالت صامدة، وقد أصبح أكثر إدراكا لهذه العوائق وأشد اقتناعا بصلابتها، لقد بات يدرك فظاعة الحواجز التي تحدد خيارات الشعوب، فهو يعلم بأن الكثير من الشعوب لا تملك مثل هذا الخيار، إنه مقتنع بانتصار الليبرالية على المدى الطويل، غير أنه بات إدراكه للعوائق أشد من ذي قبل، لقد أعلن أنه كان متفائلا أكثر مما تسمح به الطبيعة البشرية، وكان يظن أن الناس سيكونون أسرع اكتشافا لسلامة الاتجاه الليبرالي بعد سقوط المعسكر الشيوعي، ولكن اتضح له أن المتخلفين غير قادرين على أن يروا هذا الضوء الساطع، وأن هذا السطوع يجري حجبه في الكثير من المجتمعات بألف عائق، عمدا أو جهلا. لقد أصبح أقل تفاؤلا وأشد إدراكا للعوائق السياسية والاجتماعية والثقافية التي تحد أو تجهض خيارات الشعوب، ولكن هذا الإدراك لا يعني التراجع عن رؤيته، بل يعني اكتشافه لعوائق أكثر مما كان يتوقع تؤخر الأخذ السريع بالخيار الليبرالي...
شيء عجيب هذا الدفاع المستميت الذي أتلمسه منك عن الحضارة الغربية..
- ليس دفاعا عن الحضارة الغربية، ولكنه تصحيح لفهم خاطئ، وتجلية للمعنى المقصود، ودفاع عن الحقيقة الناصعة، ومرافعة عن الكرامة الإنسانية. ودعوة إلى التقييم الموضوعي النـزيه، فالمتخلفون هم الخاسرون حين يتجاهلون الحقائق أو يتعامون عن الطريق، فالحق أحق أن يتبع...

البليهي والشعوبية

هذه الأفكار التي تقول بها، بما فيها من جلد ذات واحتقار للعقل العربي، جعل من بعض معارضيك يتهمونك بالشعوبية.. أين أنت من هذه التهمة؟
- إنني أحاول أن أقوم بدور الطبيب، فأشخص مرض المجتمع العربي بأقصى ما أستطيع من الاهتمام والدقة، ثم أعلنه بأمانة ووضوح، وأقترح العلاج بمنتهى الإخلاص والحب. أما إذا استمر المجتمع ينكر مرضه، فسوف يبقى من غير علاج. لقد أثبتت تجارب الشعوب، بأن التقدم مشروط بقبول النقد دون تحفظ ولا تحديد ولا حجر، والاستفادة القصوى من كل الأفكار وفتح القنوات لكل الروافد والإصغاء لكل الآراء، والسماح في التعبير الحر لجميع الاتجاهات. أما الضيق بالنقد، فهو برهان على المرض والضعف والانغلاق والجهل والغرور والانتفاش والعجز والكلال، إننا نحن العرب لا نطيق النقد مهما كان صادقا وضروريا، لذلك بقينا ندور في مسارات التخلف. بينما الغربيون وهم في القمة ينتقدون أنفسهم ليل نـهار، وهذا هو الذي جعلهم يتقدمون كل هذا التقدم الباهر لأنـهم لا يتوقفون عن نقد ذاتـهم مهما بلغوا من ازدهار، إنـهم يتقدمون بسرعة هائلة، لكنهم يرون أنـهم ما زالوا في مستوى لا يليق بالإنسان!!! ويريدون أن يصعدوا إلى ما لا نـهاية، بينما نحن العرب في الحضيض ومع ذلك لا نطيق النقد، بل إننا نرفض النقد، لأننا في الحضيض، فنحن عاجزون عن إدراك قصورنا، وإن أدركناه، فإننا نحن العرب غير مستعدين للاعتراف به، ومن هنا جاء عجزنا الفاضح عن مبارحة متاريس التخلف!!!...
إذا كان النقد عندك يعني الإقرار بالتأخر والتخلف وتقدم الآخرين، فالأمة لم تتوقف قط عن هذا النقد. لكن المشاريع العملية هي ما تحتاجه الأمة. فماذا لديك سوى ما تسميه نقدا، ويسميه الآخرون (جلد ذات)؟
- بالعكس، إننا في ثقافتنا العربية على امتداد التاريخ نجيد التقريظ الذي يتجاهل القصور في من نحبه ونبجله أو التسفيه الذي لا يعترف بجوانب الكمال في من نكرهه ونحتقره، إننا نكون مع طرف دون أي تحفظ وضد طرف دون أدنى تدقيق. فنحن العرب نجيد الهجاء الماحق أو المدح المطلق ولا نحسن التقييم الموضوعي، إننا ذاتيون حتى النخاع ومن النادر أن نتعامل أو نتصرف أو نقيم بموضوعية وحياد، وهذا على مستوى التعامل الفردي. أما على مستوى رؤيتنا لذاتنا العامة: لواقعنا وتاريخنا وتراثنا، فإننا كنا ومازلنا نواصل تمجيد أنفسنا تمجيدا مطلقا، رغم ما نعانيه من تخلف مشين، كما نواصل القدح بالآخرين وازدرائهم وهجائهم وشحن العواطف ضدهم، رغم ما حققوه من ازدهار. إن آفتنا فظيعة، وعلاجها الوحيد هو التخلي عن إدعاء الكمال وعن توهم الاكتفاء وترك المكابرة، والكف عن الانغلاق، والاعتراف بالعجز والهوان، وقبول النقد وفتح المجال واسعا لصراع الأفكار، والاستفادة القصوى من تجارب المزدهرين وتوطين العمل الجاد، وتشجيع الصدق مع النفس، ومواجهتها بالحقائق المرة .فالمجتمعات لا تتقدم إلا بما تضيفه لواقعها الحاضر وتتجاوز به ماضيها القريب والبعيد، فلولا الإضافات والإبداعات والابتكارات والاختراعات والتصحيحات التي حققها المزدهرون الواثقون، لما تقدمت الإنسانية، ولبقيت تدور في نفس المسارات، فالنقد الموضوعي هو جهاز المناعة الذي يحمي الأمم من السقوط...

البشرية والغرب

من خلال سكبك لعبارات الثناء والإعجاب بالجانب الإنساني والقيمي عند الغرب، كيف تفسر لنا شقاء الإنسانية اليوم، بسبب الغرب الذي يحاول فرض قيمه الغربية على أمم البسيطة، ودونك العراق وأفغانستان نموذجين؟
- حين تؤكد (شقاء الإنسانية اليوم بسبب الغرب)، فإني لا أشك بأنك تطلق مثل هذا الكلام دون أن تمحصه، لأن الحياة الإنسانية في هذا العصر أفضل بما لا يقاس من الحياة في القرون القديمة. إن الحضارة الغربية قد وفرت لكل الناس حتى الذين يحاربونـها ويشتمونـها من الإمكانات والقدرات والحماية والضمانات والتسهيلات ومن وسائل الرفاه، ما لم يكن متاحا في العصور الغابرة حتى للأباطرة، فهل تستطيع أنت الآن أن تنام في (حر) مدينة جدة إذا انطفأ المكيف؟!!! إننا ننسى التغيرات الإيجابية العظيمة التي وفرتـها الحضارة المعاصرة، فنطلق الأحكام القاصمة دون مراجعة ولا تدقيق، فأيـهما أدعى للمشقة والعسر أن تسافر بالطائرة أو القطار أو السيارة أم أن تسافر على حمار أو بغل أو بعير؟!!! هل تريد أن نعود لمطبخ (الحطب) ونتخلى عن مواقد الغاز والميكروويف وأفران الكهرباء والغلايات التي ترافقك حتى في سيارتك؟!!! وهل تستطيع أن تستغني عن هاتفك المحمول وعن الجريدة وعن الكمبيوتر وعما لا حصر له من التيسيرات الرائعة؟!!! فأين الشقاء الذي تسببت به الحضارة الغربية؟ !!! إنه حكم في منتهى الجور!!! إننا نطلق الأحكام جزافا من غير أي تمحيص!!! بل إن منجزات الغربيين في مجال القيم الإنسانية أهم من إنجازاتـهم في المجالات المادية، فلأول مرة في التاريخ تصبح حقوق الإنسان ذات أولوية في القوانين والإجراءات وتصير شأنا إنسانيا عالميا، إن الشقاء الإنساني لم يأت من القيم الغربية وإنما جاء من رفضها وعدم إدراك أهميتها أو من عدم التـزام الذين يتبنونـها أو من القصور في تطبيقها إن المجتمعات تزدهر وتتحسن أوضاعها بمقدار ما تأخذه من القيم الرفيعة الطارئة، ولكن رفض المجتمعات المتخلفة لهذه القيم، هو الذي أبقاها في هذه الأوضاع البائسة فاستمرت ترزح تحت أثقال الفقر والمرض والاستبداد والكلال والتخلف، فهذا الرفض هو الذي أوصل الصومال وأفغانستان والسودان وباكستان وغيرها إلى أوضاعها المأزومة البائسة. إن هذا الرفض هو الذي أدام كل المساوئ التي يعيشها الناس في المجتمعات المتخلفة، إن العالم الغربي هو صاحب الفضل في تخفيف الشقاء الإنساني بما وفره للعالم من تسهيلات لا حصر لها وبما ابتكره وأوجده من تنظيمات وأعراف وضوابط وقيم ومنظمات تدافع عن الإنسان وتوفر له الحماية. إن المجتمعات المتخلفة تلحق بنفسها الضرر البالغ حين تتجاهل أن القيم الإنسانية العظيمة الطارئة، هي مصدر الازدهار الذي يعيشه العالم المزدهر، فلا بد أن ندرك بأن محاربة هذه القيم، هو الذي أطال أمد التخلف في المجتمعات المتخلفة...
وصفتني بأني لم أمحص كلامي عن الحضارة الغربية، غير أنني ممحص لهذا الاتهام لك، لأن كل هذا الذي سمعته خلال هذه المكاشفة بالدفاع والوصف للغرب والإعجاب بما أنجزه الغربي، تشوهه ثغرة كبيرة برأيي تشكك في حكمك، فأنت بكل هذا الإعجاب لم تعش بين ظهراني القوم، ولم تمكث الفترة الكافية في الغرب حتى تتضح الصورة الكاملة لك، ومن ثم تستطيع الحكم بعلمية وموضوعية أكثر؟
- لو أخذنا بـهذا المنطق الغريب الذي تقوله لما كنا قادرين على فهم الإسلام الذي هو أعظم ما نفخر به، لأننا لم نصاحب الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم نعايش وقت الرسالة، وإنما وصلت إلينا تعاليم الإسلام وأحكامه عن طريق النقل والكتب، فنحن نقرأ القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة الطاهرة، فنعرف الإسلام من خلال هذه القراءة ثم إن العالم كله يتعلم في مدارسه ومعاهده وجامعاته أفكار وعلوم وتقنيات ونظم الغرب، فلو كان ذلك يتطلب أن يعيش كل الناس من جميع الشعوب في الغرب لكان التعلم محالا !!!! فالمراجع المكتوبة هي مصادر العلوم ومنها يستمد التعلم، أما المشافهة فهي مصدر الجهل المركب والبرمجة التلقائية، إننا نعرف عن طريق الكتب أعماق الكون والمجرات والكواكب وخفايا (الخلية الحية) وعناصر المادة مع أننا لم نشاهدها بأنفسنا، ولم يشاهدها في العالم كله سوى عدد محدود من العلماء، ومثل ذلك يقال عن كل العلوم فأولئك العلماء وصفوا لنا كتابة ما شاهدوه وما توصلوا إليه فعرفناه عن طريق قراءة ما كتبوا، لكن يبدو أن ثقافة الحس وثقافة المشافهة مازالت تسيطر على أذهاننا نحن العرب فلا نعترف إلا بما نراه ونلمسه ونسمعه!!!
كما أن المعترض ينسى أننا بواسطة التلفاز والانترنت نرى ما يجري في البلدان الأخرى واقعا جياشا بالحركة والحياة ونعرف كل ما يدور فيها، وكأننا نعيش مع أهلها، فالزعم بأنني لن أعرف ثقافة الغرب وواقعه وحضارته وتاريخه وتراثه وفلسفته وعلومه وآدابه، إلا إذا عشت فيه هو زعم غريب، ويتعارض مع بداهات المعرفة ومع أبجديات التعلم!!! إن الذي يعيش في الغرب ولم يقرأ عنه ولم يستوعب تراثه ولم يتعرف على المنابع الفكرية لواقعه لن يعرف شيئا عن العلم والفكر والفلسفة والفن والأدب بينما تتاح هذه كلها للباحث الذي لم تطأ قدمه أي بلد غربي!!! ولكن الأغرب أن هذا الاعتراض الساذج قد راج وسمعته من أكثر من واحد، رغم تـهافته الواضح!!!...
- لا زلت في اعتراضي لأن الجانب الأخلاقي هي عبارة عن ممارسة، يكتشفها المرء عن طريق الاحتكاك والتعامل لا عن طريق الكتب؟
- إن هذا الاعتراض تنقضه البداهات الإنسانية، فنحن المسلمين في هذا العصر رغم فاصل القرون نعرف أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم بمنتهى الدقة والتفاصيل فنستوعبها وكأننا رأيناه وعايشناه عليه الصلاة والسلام فليس مقبولا أن يدعي مسلم، بأنه لا يستطيع الالتزام بدعوى أنه لا يعرف أخلاق الرسول ولا الأخلاق الإسلامية بحجة أنه لم يعايش الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما وصلت إليه وصفا في الكتب!!! إن هذا الإدعاء مرفوض عند الجميع فحين تتعارض أخلاقنا مع أخلاقه عليه السلام فليس مرد ذلك إلى أننا لا نعرف كيف كان يتعامل ولا كيف كانت أخلاقه، وإنما لأننا لا نلتـزم بتلك الأخلاق الرفيعة فلا يصح القول أبدا بأن المعرفة تتوقف على الرؤية المباشرة أو السماع المباشر أو المعايشة الدائمة، ولو صح هذا الزعم لكان التعلم محالا، بل إن الإنسان قد يولد في الغرب ويعيش فيه ولا يستطيع أن يدرك مزاياه ولا عيوبه، فالمعايشة والتطبع وحدهما لا يكسبان المعرفة النظرية، إنما تؤدي المعايشة إلى التشبع التلقائي حتى للأميين، ثم يفيض عنه السلوك وينساب منه بشكل عفوي من غير معرفة نظرية ومن دون إدراك للأسباب، فالأمي يعايش ويتبرمج بـهذه المعايشة، لكنه بذلك ليس عالما، وإنما هو متطبع بالواقع تطبعا تلقائيا...


بالقاسم الخالدي


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home