Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأحد 14 مارس 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

لماذا كل هذا الحب وكل هذا الحنين تجاه العهد الملكي ؟ (5)  

لم يكن هذا الحب وهذا الحنين الذي يشعر به الليبيون تجاه العهد الملكي وليد فراغ ، أو بدون سبب أو بغير دافع يبرره .

ولكن ليست من أسباب هذا الشعور ، تلك المقارنة التي قد يلجأ اليها بعض الليبييين بين العهد الملكي وبين الحالة البغيضة التي أعقبته .

رغم أنها مقارنة صحيحة ودقيقة من الناحية الوضوعية.

ولكن لو دققنا النظر في هذه المسألة ، لوجدنا ان كل الليبيين حين يتناولون المسألة الوطنية ، فإنهم لن يجدوا أمامهم غير العهد الملكي رغم مضي مدة أربعين عاما على اغتياله .

وإذا كان الشعب الليبي بعد الاستقلال مباشرة ، قد نسى العهد أو الحقبة الإيطالية ، ولم يعد يتذكرها واقع مؤثر في حياته الحاضرة . لقد انتهت الحقبة الإيطالية ولم يعد لها وجود .

 بل الوجود صار لواقع جديد تفاعل معه المواطن الليبي وشارك في صنعه وصياغته ، ومن ثم لم يحدث فراغ بعد الحقبة الإيطالية .

أما الحالة التي أعقبت اغتيال النظام الملكي ، وتمثلت في استيلاء قلة من العسكر المستجدين في الجيش على مقاليد الأمور في ظروف مشوبة بالغموض ، فإنها حالة جامدة تتسم بالركود ، ومن ثم لم ينتج عنها أي شيء يعتبره الليبيون نافعا او مفيدا .

  ولهذا لم يعد أمام الليبييين أي جديد ، فهم تماما كالسجين الذي وضع بين جدران السجن ، لا يدري ولا يعلم شيئا إلا ما كان يعلمه ويعرفه قبل سجنه .

  أما الفترة التي أعقبت السجن ، فلم تأت بجديد يجعله ينسى الماضي ، بل هو يعيش فقط وليست في ذاكرته غير الماضي والماضي فقط .

وهكذا الحالة أو الفترة التي أعقبت العهد الملكي ، هي بالفعل ، فترة من الركود الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي . 

  انها أشبه بفترة الموت ، ولهذا فإن الليبيين ، توقفوا عند مرحلة العهد الملكي باعتبارها فترة الحياة والعمل والتغيير والبناء ، لا لأنهم يبغضون الفترة اللاحقة ، بل لأن هذه الفترة اللاحقة ليست في حقيقة الأمر إلا تجسييد لواقع الجمود والركود الذي أصاب في مقتل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد .

 

العهد الملكي كان عهد الشعب الليبي بأسره ، وليس عهدا خاصا بشخص أو مجموعة من الأشخاص .

ولهذا السبب ، لم يكن العهد الملكي مرتبطا بشخص بعينه ، بل كان مرتبطا بقضايا وطنية وبغايات وطنية وأمال وأماني شعب بكامله .

  ولهذا كان العهد الملكي ، هو عهد الزعامات الوطنية العظيمة وعهد القادة الكبار ، ورجالات الدولة من الطراز الفريد .

وأولئك هم كذلك صناع الاستقلال وبناة الدولة الحديثة في ليبيا ، فهم بحق المناضلون الأوفياء للوطن .

ونذكر من بين القادة العظام الذين أنجبتهم ليبيا في هذه الحقبة التاريخية الهامة ، السيد حسين مازق والسيد عبد المجيد كعبار والسيد محي الدين فكيني والسيد محمود المنتصر والسيد محمد أبو الإسعاد العالم والسيد عون سوف والسيد إبراهيم بن شعبان والسيد الطاهر بكير والسيد أحمد سيف النصر والسيد فاضل بن زكري والسيد طاهر المريض والسيد عبد الحميد البكوش واليد عبد المولى لنقي والسيد محمد الصيفاط .. وغيرهم كثير .كثير .

   وكان لوجود رجال كهؤلاء الرجال العظام في تاريخ ليبيا ، أثره الكبير فيما حدث من تغيير كبير في الحياة الليبية خلال تلك المرحلة .

  وهؤلاء كانوا جنودا مخلصين لبناء الدولة ، ومشاركين فعليين في خلق كيان جديد هو المملكة الليبية بقيادة الملك العظيم إدريس السنوسي ، وهي التي غيرت مجرى الحياة في ليبيا بأقاليمها الثلاثة .

وبعد اغتيال هذا الكيان ، انهارت كل مقومات الدولة ، ولم يظهر على السطح ، رجال دولة جدد مكان القادة التاريخيين ، بل الذين ظهروا وحاولوا أن يؤدوا ما كان يقوم به رجالات العهد الملكي ، ثبت أنهم غير صالحين وغير مؤهلين للقيام بذلك الدور ، لا من الناحية الوطنية ولا من الناحية الاجتماعية أو المهنية  ولا من الناحية النفسية أو المعنوية ...؟

ولهذا تلاشوا ، ولم تقم لهم قائمة ، كل ما هناك أنهم كانوا مرتزقة فقط للعصابة الجديدة .

وبعد ذلك بوقت قصير ، تكشفت الحقائق المؤلمة ، وتبين أن الوطن والتاريخ والمستقبل لم يعد كما كان في العهد الملكي ، متجسدا في ليبيا . بل تحول ذلك إلى شخص القائد المعلم المفكر المبدع ، قائد النصر والتحدي ،  وقائد الثورة ، ومبدع النظرية العالمية ، ملك الملوك ، مؤسس الاتحاد الأفريقي ، زعيم القومية العربية ....الخ الخ من الصفات الكاذبة الوهمية .  

  وتجمدت الحياة في ليبيا عند هذا الشخص .

ولأنه هو القائد والمفكر والمعلم ، لم يعد هناك مجال لقادة غيره ولا مفكرون ولا معلمون ، فهو وهو فقط كل ذلك ؟

ولكن على الآخرين ، أن يكونوا عبيدا لهذا القائد وتابعين لهذا المفكر ، ومريدين لهذا المعلم .

وهو الذي يصنع كل شيء وهو الذي يفكر في كل شيء وهو الذي يعلم كل شيء .

وما على الآخرين ، إلا ان يتجمعوا هاتفين للمعلم القائد قائلين : علم ياقائد علمنا . علمنا كيف نحقق مستقبلنا .

وبعد مضي عشرات السنيين والقائد المعلم ، يعلم ويعلم .

 ولكن لا أحد تعلم ، ولا أحد حقق مستقبلا ، وإنما الذي حدث هو العكس ، فجميع هؤلاء الذين اعتبروا أنفسهم رهن إشارة القائد ، دمروا كل شيئ وخربوا كل شيء .

ولعل أول شيء دمروه ، وقبل أي شيء آخر ، وهم شاعرين ، هو كرامتهم ، وآدميتهم ، فتحولوا إلى أمساخ أو دمى قبيحة الشكل .

   لقد جردهم القذافي من طبيعتهم البشرية ، وجعلهم في درجة أحط من درجة الحشرات ، فمن الحشرات ما ينفع ويفيد ، ومن الحشرات من يصون ويحترم كرامته ويدافع عنها .

أما أمثال هؤلاء السفهاء ، فلا كرامة ولا شرف ولا نخوة .

بل حتى العاهرات والبغايا ، يحتفظن بقدر من الشرف والكرامة والاعتزاز بالنفس ، وهو ما لا نجده عند الخانعين الذين يمارسون أقبح وأقذر نوع من العهد والدعارة ، وهؤلاء هم عملاء القذافي ومرتزقته .

فهل ينتظر أحد أن تبنى ليبيا على أيدي القذافي أو يد عملاءه ؟

وبعد مضي أربعين عاما ، وبعد أن دخلت الميزانية الليبية مئات المليارات من الدولارات ، وهي مبالغ كانت تكفي كي تكون ليبيا في مصاف الدول الأوربية ، أو على أقل تقدير تكون أعلى مستوى من أي دولة عربية .

ولكن الذي حدث هو معلوم لدى الجميع ، فالمواطن الليبي يمثل أسوا حالة في العالم العربي ، سواء من الناحية المعيشية أو من الناحية السياسية أو من الناحية الاقتصادية .

وهذه الأوضاع السيئة التي يعاني منها المواطن الليبي ، غير مبررة ، من الوجهة المنطقية ، وليست مقبولة من الوجهة الواقعية ، فهذا المواطن يمتلك ثروة هائلة ، ولكنه غير منتفع بها ، بسبب أن تلك الثروة نهبت منه وتم اغتصابها ، من عصابة إجرامية لا ضمير لها .

  ترى هل كان يمكن أن يحدث هذا السخف في العهد الملكي ؟

 والشيء بالشيء يذكر ، وهنا نشير إلى واقعة حدثت سنة 1957 ، وكانت ميزانية الدولة الليبية التي أقرها مجلس النواب قد بلغت سبعة ملايين جنيه ليبي ، جل هذا المبلغ هو نظير إيجارات القواعد الأمريكية والبريطانية .

وهذا المبلغ هو المبلغ المتاح للحكومة للإنفاق على كل أجهزة الدولة .

ومن بين هذه الأجهزة ، وزارة التربية والتعليم ، التي كان يطلق عليها اسم وزارة المعارف .

وفي شهر يناير 1957 كان السيد الطاهر بكير هو وزير المعارف ، ولم يكن هذا الرجل يهدأ ويرتاح إلا بعد أن تأتيه معلومات تفيد بأنه تم توزيع الوجبات الغذائية على طلبة المدارس بالكامل ، وفي كل مناطق المملكة .

  هل هناك رجل دولة في العهد الانقلابي يستطيع أن يفعل ما كان يفعله السيد الطاهر بكير ؟

  أم أن المقارنة في هذه الحالة ، هي قارنة ظالمة ، بل سخيفة .

ترى لو أن هذه المليارات من الدولارات قدر أن تكون بيد رجال العهد الملكي ، فماذا سيكون عليه الحال ، حال المواطن اللييي ؟

هل يتحصل طلبة المدارس الليبية على وجبات غذائية في عهد القذافي ، وبعد ارتفاع حصيلة الدخل الليبي من النفط ، مثلما كان ذلك متاحا في العهد الملكي ، رغم ضآلة الموارد وضعف الميزانية ؟  

  العهد الملكي كان عهد يضم رجال دولة كبار ، وقادة عظام ، ولا يتصور أحد أن يقبل أمثال هؤلاء القادة ، وقوع مهازل باسم الدولة الليبية ، مثلما هو واقع الحال في العهد الانقلابي الراهن .

هل يمكن لأحد أن يتخيل مثلا من السيد عبد الحميد البكوش أن يقبل أن تنتهك حرية أو كرامة المواطن الليبي ؟

هل يمكن لأحد منا أن يتصور أن السيد محمود المنتصر أو السيد عبد المجيد كعبار أو السيد إبراهيم بن شعبان ، أو غيرهم من رجالات العهد الملكي ، يسمحون بمصادرة الحقوق والحريات كما يحدث كل يوم في عهد القذافي ، هل يمكن أن تقع مجزرة أبو سليم في عهد السيد محمد عثمان الصيد مثلا .

هل يمكن أن يحدث اضطهاد سياسي وفكري يؤدي إلى هجرة الكفاءات الوطنية خارج الوطن في عهد السيد حسين مازق ، أو في عهد أي حكومة ملكية أخرى ، كما هو واقع الحال الآن وهو واقع مرير ....؟

هناك مئات وألاف من خيرة أبناء الوطن مهاجرون في المنافي ، رغم أن الوطن في أمس الحاجة إليهم ، ولكن البطش والطغيان والقمع ، جعلهم يفضلون الهجرة والحياة في المهاجر والمنافي ، عن الحياة في المعتقلات والسجون .

هل يمكن ، وفي أي فترة من فترات العهد الملكي ، أن تتم ملاحقة الليبيين في الداخل أوالخارج لقتلهم وتصفيتهم جسديا أومعنويا ، مثلما حدث للشهيد محمود نافع والشهيد الخطيطي وغيرهم ....كثير .. هل يمكن أن يحدث تجويع وإذلال جماعي للشعب الليبي في العهد الملكي مثلما حدث في عهد القذافي ؟

 إن ما وقع للشعب الليبي من كوارث وفواجع في العهد الانقلابي ، ما كان يمكن أن تقع في العهد الملكي ، بل لا أحد من رجالات الدولة الليبية يسمح بتلك الجرائم ، لأنهم رجال دولة دستورية تحمي الحقوق وتصون الحريات وتحترم كرامة المواطن .

وهكذا كانوا ملتزمون ، فلا أحد من الليبيين تعرض للقمع أو البطش أو الطغيان في أي فترة من فترات العهد الملكي ، بينما لا يوجد ليبي واحد نجى من إجرام القذافي وعصابته ، سواء في الداخل أو في المنفى .

ولهذا كان طبيعيا أن يشعر الليبيون بالحب والحنيين نحو العهد الملكي ، وفي نفس الوقت ، لديهم شعور بالكراهية والبغض تجاه العصابة القذافية .

على أبو شنة الغرياني
________________________________________________

الحلقة (1) : http://www.libya-watanona.com/letters/v2009a/v27feb10m.htm
الحلقة (2) : http://www.libya-watanona.com/letters/v2009a/v03mar10n.htm
الحلقة (3) : http://www.libya-watanona.com/letters/v2009a/v07mar10c.htm
الحلقة (4) : http://www.libya-watanona.com/letters/v2009a/v09mar10v.htm


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home