Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الإثنين 14 يونيو 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

يوميات مواطن جماهيري حر سعيد

كعادته استيقظ مسعود في الصباح الباكر وخرج مسرعا لعله يتفادى الكتلة البشرية المزدحمة يوميا على المخبز ، مؤكدة استحالة تحقيق فكرة الوقوف في طابور، ومؤكدة ايضا استحالة الحصول على ارغفة الخبز دون تدافع بالأيدي والأرجل ونخز بالأكواع.

وبخلاف المألوف لم تكن الحشود كبيرة على المخبز المجاور لمحل سكناه ، الا أنه كان في عجلة من أمره فغير وجهته تجاه مخبز آخر وهو يمني النفس بالحصول على بعض الأرغفة لأولاده قبل ذهابهم الى المدرسة في هذا اليوم الشتوي البارد ، لكنه وجد المخبز الآخر مقفلا فصاحب ذلك المخبز اختصر الطريق والجهد ، وجسد حريته وسعادته الجماهيرية !!! فباع الدقيق لمربي الأغنام كعلف !!! وتخلص من ازعاج المواطنين الاحرار السعداء وكلماتهم النابية كل صباح.

لم يجد المواطن الجماهيري الحر السعيد بدا من الرجوع الى المخبز السابق ،اقترب من الكتلة البشرية المزدحمة على شباك المخبز مفسحا المجال لمن قبله من المواطنين الأحرار السعداء ، لكن ذلك السلوك المهذب لم يلفت انتباه أحد ، بل بدأ نشازا ، وهو بالفعل نشازا في ظل النظام الجماهيري البديع ، وأخذت الكتلة تزداد حجما مع تدفق الناس والتصاقهم ببعضهم ...

انتظر بصبر لكن الكتلة ازدادت حجما وجلبة حتى أصبحت أشبه بطرد نحل !!!

ومرة أخرى لم يجد المواطن الجماهيري الحر السعيد بدا من الاستغناء عن بقية الحياء ، والالتصاق بالكتلة بكل ما أوتي من قوة ، وبعد جهد جهيد وبضعة كدمات وجد نفسه امام شباك المخبز ، أطل برأسه وفوجىء ان صندوق الخبز لا يزال مملوءا بالخبز، ناول الخباز نصف دينار فناوله الأرغفة وفي صعوبة بالغة استدار الى الخلف وشق طريقه للخروج من الكتلة البشرية معتمدا على قوة اكتافه وصلابة قدميه ، ولفظته الكتلة البشرية مملوءا بنشوة الانتصارغير مبال بفقدان ازرار قميصه.

حث الخطى تجاه أهله ليجد أن أولاده قد ذهبوا الى المدرسة دون افطار خشية عقاب المدير الصارم .... جلس صامتا في انتظار كوب شاي ، وانداحت أمام عينيه صورة من الماضي وتوغل في سراديب الذاكرة ، ورجع الى حقبة الستينات حيث كانت الدولة مهمومة بشأن المواطن رغم حداثة استقلالها وظروفها الاقتصادية الصعبة ، فكانت الدولة تتكفل بإفطار التلاميذ يوميا بشطائر لذيذة ومتنوعة من التونا، والمربى ، والحلوة المعجونة ، والتمر، و اللبن الطازج ، وكريات زيت كبد الحوت ، والتطعيم ضد الامراض ، ناهيك عن مجانية التعليم ، وتوفير الأقسام الداخلية لإيواء طلبة المعاهد والثانويات العامة ، وبيوت الجامعة ، وصرف منحة مالية مناسبة لكل طالب ، وزي جامعي راق للطلبة والطالبات مع توفير الاقامة والأكل الجيد ، وإيفاد البعثات الدراسية الى امريكا واوروبا في جميع التخصصات.

وتراءت له تلك الايام الطيبة التى كان المواطن يستطيب فيها طعم المواطنة ويشتم فيها رائحة الانتماء لوطن وأمه ... واعتلت وجهه سحابة حزن وحسرة على ذهاب تلك الايام ، واندحار تلك القيم والمعاني النبيلة ، فانقلبت الموازين وتبدلت المفاهيم وتلوثت النفوس حتى انهم وصفوا تلك الفترة بالعهد المباد !!!

تناول افطاره في عجلة وارتدى ملابسه في عجلة أيضا ، فالعجلة يتميز بها كل مواطن جماهيري حر سعيد دون غيره ولا أدرى لها سببا ، فليس ثمة شيئا يستدعي العجلة في ليبيا ، ربما تكون تعبيرا لاشعوريا عن مدى القلق والاضطراب وعدم الاطمئنان الذي يعاني منه ذلك المواطن الجماهيري الحر السعيد ، وربما تكون هروبا لا شعوريا من واقع مؤلم ومتأزم.

ركب سيارته العتيقة متوجها الى محطة الوقود ، أوقف السيارة للتزود بالوقود وأطفأ محرك السيارة منتظرا عامل المحطة الذي كان منهمكا في حكاية طويلة مع زميله.

انزعج العامل وتناول انبوب المضخة وضغط على لسان صغير بجانب المضخة العتيقة وقال في لهجة آمره : عبي يا أخ !!!

نزل المواطن الحر السعيد وشرع بتزويد سيارته محاولا تفادي تسرب البنزين من الأنبوب ، وفجأة تدفق البنزين بقوة على بنطلونه وحذائه لأن ( مسدس ) انبوب الوقود كان عاطلا ... لم يحرك عامل المحطة ساكنا سوى تناوله للنقود بفتور شديد ووجه خال من أي تعبير.

ورجع المواطن الجاهيري الحر السعيد إلى بيته لإستبدال ملابسه المرتوية بالبنزين ، وقبل أن يخرج من بيته ناولته الزوجة اسطوانة الغاز من داخل المطبخ فسألها : أين الاسطوانة الفارغة الأخرى ؟ فأجابت : في سور البيت ، وخرجت معه ، ولم يجدا الاسطوانة !!! صاحت الزوجة : سرقوا الاسطوانة ، تمتم الزوج وخرج من البيت غاضبا وهو يجر اسطوانتة الوحيدة ، ورجع إلى محطة الوقود مرة أخرى.

كان بائع اسطوانات الغاز جالسا على كرسي أمام مستودع الاسطوانات ، وبيده رزمة من نقود مهترئه ، وأشار بيده للمواطن السعيد بأن يضع الاسطوانة في أقصى المستودع حيث الاسطوانات الفارغة وتابعه بنظرات حادة ، وفي هذه الأثناء وصلت شاحنة معبأة باسطوانات غاز ، وعلى الفور قفل العامل المستودع ، وطلب من المواطن الجماهيري الحر السعيد أن ينتظر حتى تفرغ الشاحنة عبوتها، قائلا : السلامة أولا ...

امتثل المواطن الحر السعيد للأمر على الفور تمشيا مع تعليمات السلامة ، وعلى الفور شرع العمال في قذف الاسطوانات المعبأة على أرضية اسمنتيه دون أدنى شعور بالخطر ، ودون اي اعتبار لتعليمات السلامة ، محدثين جلبة شديدة تصم الأذان ، وظهرت لغة الإشارة كأحسن بديل للتفاهم.

وأخيرا هدأت الجلبة واختفت لغة الإشارة مع بقاء طنين حاد بالأذان.

وفتح العامل باب المستودع بتثاقل شديد ، فدخل الرجل ومعه بعض مواطنين آخرين أحرار سعداء ، وأخذ يتفحص الاسطوانات المتناثرة إذ أن أغلبها في حالة يرثى لها ، لم يعبأ المواطن بخطورة الغاز المتسرب من أغلبها ، فهو خبير في الفحص وشجاع أيضا إذ انه لا يأبه بخطورة تلك الاسطوانات عليه وعلى أهل بيته ، فهو مواطن جماهيري حر سعيد وشجاع أيضا ، وكيف لا ؟ وقد سبق له أن قاد بكل شجاعة وإقدام مظاهرات صاخبة وسط المدينة ضد الرئيس الأمريكي ريجن وهو يصيح :

( ريجن يا راس الدلاعه معمر علمنا الشجاعه ) !!! وليس هذا فحسب ، فقد تحدى المواطن الحر السعيد امريكا بالكامل :

( طز طز في أمريكا الشعب العربي عرف طريقة ) !!!

وازداد حماسة وشجاعة و(مرغ أنف أمريكا في التراب) مرة أخرى، وأضاف معها بريطانيا العظمى مناديا : ( طز مره ثانيه في أمريكا وبريطانيا ) !!!

ودون أدنى تردد أضاف الطز الرابعة بكل ثقة لكل من يتبع ريجن : طز مره رابعه في ريجن واللي تابعه !!!

ودون تردد أيضا سبق له أن أدلى برأيه في إحدى جلسات مؤتمر المحلة وقرر مقاطعة الصين مضحيا بأهم وجباته اليوميه والتي تتكون من الرز الصيني ( القصير )

وبلغ ذروة الحماسة والشجاعة ، ولم يتردد في معاداة العالم بأسره وصاح ملء رئتيه وبكل ثقة :( لو عادينا العالم كله عالمبادي ما نتخلى ) !!!

وعبر المواطن ( الحر السعيد ) عن سعادته و لا مبالاته بالحصار، مفتخرا ومكتفيا بان قائده بومنيار : ( طز طز في الحصار احنا قايدنا بو منيار ) !!!

بكل شجاعة تابع المواطن الحر السعيد فحص اسطوانات الغاز حيث يضع على رأس سبابته أو إبهامه قليلا من البصاق ويضغط برفق على رأس الاسطوانة ليتأكد من عدم تسرب الغاز، دون خوف من انتقال الأمراض منه أو إليه ، من بصاقه ، أو من بصاق من تفحص قبلة تلك الاسطوانات.

وكإجراء وقائي أخير يختار الاسطوانة الأقل تسربا والأقل انطعاجا ويدفع ثمنها بزيادة مئتين درهما نظرا لعدم وجود ( فكة ) بسبب عدم تداول العملة المعدنية !!!

ورجع وهو يفكر بمشقة حمل الاسطوانة إلى الدور الرابع حيث توجد شقته ، وكيف يتفادى تكسير درج العمارة بسبب ثقل الاسطوانة، وكيف يتفادى إزعاج الجيران، وكيف يتفادى اتساخ بنطلونه، وكيف يوفر ثمن اسطوانة أخرى كبديل للاسطوانة المسروقة !!!

وأخيرا انتهت المهمة المكوكية بصعوبة بالغة، واتجه إلى مكان عمله وكالعادة وصل متأخرا ومنقبضا، وكالعادة أيضا معتذرا عن التأخير.

بقلم : سعيد التايب


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home