Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الإثنين 14 يونيو 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

الكلام في السياسة

صديقي صاحب خبرة سجن ليست بالقصيرة ذاق خلالها ويلات القهر والحرمان وتجرع مختلف أنواع التعذيب المعروفة والتي ابتكرها جلادو بوسليم والسكة والجديدة وغيرها من السجون التي لم يسمع عنها الشيطان إلا ودمعت عيناه وأرتجف قلبه رأفة وشفقة ..
بعد أن خرج صديقي من السجن في لحظة من ابتسامات الحظ الذي عادة لا يبتسم إلا مرة واحدة كل عشرين سنة قرر عدم الخوض في حكايات عن السياسة ، فقد كان سبب دخوله للسجن تافهاً لا يودي بصاحبه إلى ما آل إليه صديقي نتيجة هدرزة في زردة على سبيل البسط و الترفيه وتقصير الوقت ، إذ تخيل وبعض أصدقائه من معلمي مدرسته نهاية عام دراسي حافل بالعمل أنهم خططوا لثورة أو انقلاب تماماً كما يحدث في دول العالم الثالث من ثورات في منتهى البساطة والسذاجة حيث من ينهض باكرا ويصل مبنى الإذاعة يمكنه أن يعلن نفسه رئيساً للبلاد .. هكذا بدأت قصة المعلمين الأصدقاء عندما تحلقوا حول النار للتندر والسهر بعيدا عن صخب المدينة .. يوزعون حقائب الوزارات الخيالية فيما بينهم وسط الضحكات والسخرية من بعضهم .. والتي ليس من ورائها أي قصد حقيقي يهدف إلى التخريب أو فعل الدمار .. مجرد " بصارة" ليس إلا .
لكن العيون وفي غفلة منهم كانت مفتوحة على وسعها تراقبهم وترصد حركاتهم العفوية ، وقبل أن ترسل الشمس خيوطها الأولى كان الوزراء الخياليين يُحشرون في صناديق السيارات الخلفية ويرسلون إلى طرابلس رفقة تقرير كتبت فيه عبارات واتهامات تزج بأصحابها إلى المقصلة وأقلها الموت إهمالاً في الزنزانات .. كان التقرير مزوداً بتهم ملفقة وأخرى كاذبة كبهارات لزوم إتقان الطبخة قضى على أثرها أصدقاء الرحلة المدرسية حوالي خمسة عشرة سنة ظلما وتزويراً لا أحد يعلم عنهم شيئاً .
بعد أن خرج صديق حراً طليقاً أصبح يتحاشى الحديث عن السياسة خوفاً من تكرار المأساة والعودة إلى " دار خالته " وكلما طرحنا موضوعاً ما نجده يستأذن في المغادرة من مجلسنا معلناً أنه هجر مثل هذه الأحاديث كأن نناقش مسألة الطوابير على المخابز ونضع باللائمة على الدولة التي لم تضع ضوابط تنظيمية لاستيراد الدقيق ، أو تبرم الناس من غلاء أسعار السلع التموينية ومسألة دعمها بصورة صحيحة ، أو توفير الدواء وأجهزة الكشف الطبي المتطورة للمواطن في العيادات والمصحات بطرق مثلى وحديثة ، أو أي موضوع يدين دوائر الدولة ومؤسساتها في تقصيرها وقصورها من حيث قوانينها وعجزها في لوائحها ، وكان صديقي في كل مرة يتبرم من مثل هذه الأحاديث التي قد تعيده على حد تصوره إلى السجن وربما هذه المرة رفقة أصدقاء جدد .
في ليلة من ليالي الشتاء البارد وحينما كنا نتحدث عن دوري كرة القدم كان صديقي يناقش وضعية الفرق وترتيبها ويضع التصورات للبطل المتوقع والفرق الهابطة ، وفجأة استلم أحدنا زمام الكلام عن فريق الإتحاد العسكري الذي كان قاب قوسين من الهبوط إلى الدرجة الأدنى وقال ضمن ما قال أن الفريق سيء ولا يعرف كيف يحوز على النقاط من أجل تفادي الهبوط وأغلب اللاعبين أغبياء وجهلة وووووو. ولم أنتبه لصديقي إلا وهو يقف مستأذنا في المغادرة قائلا : في هذا البلد توصلت إلى حقيقة واحدة وهي أينما الحوار فثمة السياسة ، استودعكم الله ، أترككم وأنا أقول في ظل هذه الظروف أنني عائد إلى السجن لا محالة !!.فالحديث عن الغلاء خطر .. والحديث عن الفن خطر.. والحديث عن الطوابير خطر.. والحديث عن الكرة خطر.. والحديث عن الحب خطر .. فعن أي شيء يمكن يطيب لنا الكلام ؟

بقلم : حسين علي


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home