Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الاربعاء 14 ابريل 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

من ذكريات إبريل اللعين!!

ما زلت أيها الصديق أتواصل معك عند الخط الفاصل بين ذلك الواقع المرير الذي تجرعنا ويلاته وبين الخيال الذي رسمناه سويا لليبيا التي ولجنا عالمها حبوا على الركب .. ومازالت تلك الأيام ماثلة أمام عيني .. لم أنس ضنك ما سمي زورا وبهتانا بالسابع من إبريل لدرجة أن رغيف الخبز تيبس على نوافذ القسم الداخلي ويوم ذاك تركنا الدراسة وفررنا بجلودنا .. كنا نقوم بعملية الوثب فوق خنادق غير مجصصة خوفاً ورعباً من الألغام القادمة من الغرب لولا الراحل عبدالسلام الزادمة الذي كان منحازاً لنا وللشرق خاصة .. هل تذكر عشية كارثة إبريل عندما دعك باب غرفتنا بقوة وهو في حالة من الذهول عندما قال لنا : لموا حوايجكم وألبسوا ملابسكم وهيا معي .. وعندما قلنا له إلى أين ؟ ولأول مرة نرى مسدساً يتدلى على جانبه الأيسر .. لم يمنحنا فرصة معرفة الجهة المقصودة بل أردف قائلاً أنا خائف عليكم هيا بسرعة . وحينما تأكدنا من نية الرجل الصادقة لملمنا أشياءنا وسرنا خلفه فيما كانت سيارة تنتظرنا حيث ارتمينا في المقعد الخلفي بوهن وركب هو بجانب السائق وأشار له أن يقصد محطة الروميس وعندما وصلنا المحطة أستقل لك سيارة توجهت بك نحو الصحراء وأنا سيارة يممت بي إلى الشرق وقال لنا لا تعودوا إلى الجامعة قبل شهر من الآن بعد أن سدد ثمن أجرة ركوبنا ووضع في جيب كل منا عشرة دنانير .. ولم نعرف قصد الرجل إلا بعد أيام من السابع من إبريل .. كان يحبنا كثيرا رغم حالة التوجس منه ورغم قناعاتنا بأنه شهم وشجاع وكريم إلا أننا كنا لا نريد الاختلاط به أو الجلوس معه .. كم كنا نحتقر لهجته وكم كان ودوداً .

مازلت قادراً على استدعاء تلك السنوات التي مضى عليها أكثر من ربع قرن .. كأن أحداثها وقعت أمس لم يغب عن ذاكرتي قرارات الفصل التعسفية .. ولم يغب عن خاطري فقداننا لأصدقاء غيبهم السجن سنوات وسنوات .. ولم أنس الفوضى التي عمت الجامعة والتسيب الذي طالها بحجة تصفية الرجعيين والماركسيين .. لم نكن نعرف معنى الماركسية لكننا تعلمناها بعد الدمار الذي أصاب البلاد عقب السابع من إبريل .. البعض ذهب في تفسيراته إلى أن الهدف هو تأديب الشراقة وسحقهم وإبعادهم عن مراكز القوة في الجامعة .. كم من أستاذ وكم من دكتور فقد مكانته في الجامعة وصرنا نسير بجانب الحائط خوفا من فصلنا وطردنا من الجامعة ..

هل تذكر كل هذا يا دكتور صالح يا بومجاور ؟ لا أظن أنك نسيت كل هذه المعاناة بيسر وسهولة .. كنت دائماً تسألني عن غياب أصدقاء غادرونا عنوة وسيقوا زمرا إلى السجن .. مازلت لم أنس سالم وأحمد وصلاح وعبدالله وغيرهم ولا أعرف عنهم شيئاً حتى هذه الساعة .. قيل لي أن (.......) خرج من السجن وفي غفلة من الأمن هرب بأعجوبة إلى خارج البلاد .. وقيل لي أن (..... .. ) خرج بجواز سفر مزور لكنه اغتيل على أيدي لجان مكتب الاتصال في الخارج .

يا الله كم كان أبناء ليبيا أقوياء !!حب الوطن عندهم أكبر مليون مرة من القلب ..ليسوا مثلك أيها الأبله والتعيس فأنت لم تتذوق مرارة النفي داخل الوطن .. كنت مواطناً عادياً .. لم يدر في خلدك يوماً أن تنضم للمعارضة .. أو أن تقوم بعمل ضد وطنك .. لكنك كنت تنشد الحرية بطريقتك البائسة .. هم يختلفون عنك وعني وعن كل الناس .. لكننا جميعاً نشترك في حب الوطن .. فقد يكون عشاق الوطن حفاة وعراة ولكنهم مع ذلك يكونون في ذروة السعادة فالحياة في قاموسهم تعني الكثير من الحرية والقليل من الخبز .. يعيشون من أجل غاية وحيدة وهي الوصال مع الوطن .. فلا عشق إلا للوطن ..فالعشق مذاهب يا صديقي !!

أشكرك أيها الزميل ( د.صالح ) لأنك جعلت ذاكرتي المتيبسة ترسمك من جديد في لوح عمري نقطة ارتكاز تحت سن القلم بالرغم من أنك لم تكن عميقاً كما يجب ولم أكن سطحياً كما ينبغي إذ أنني مازلت قادراً على استدعاء الماضي وعلى نشر أعلام الظفر في الرمال المتحركة .. وقد تقرأ ولو على ومض اليراع أبسط معادلات المفاضلة بين الوطن والغربة .

حسين علي


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home