Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الجمعة 13 فبراير 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

قرأت لك :
قليل من الكرامة

قليل من الكرامة
الياس خوري

المصدر : ألوان عربية 03/02/2009 http://alwanarabiya.com/?p=1478

صار رئيس الحكومة التركية بطلا شعبيا عربيا. صور رجب طيب اردوغان تملأ العالم العربي، لا لشيء سوى ان الرجل قال كلمة حق، ودافع عن كرامته وكرامة بلاده، في وجه الصلافة الحربائية التي يتميز بها سفاح قانا شمعون بيريس.
كان يكفي ان يقف الرجل في دافوس ويقول ما يجب ان يقال، ثم ينسحب من الجلسة، كي يعود للكلام معناه. كان من واجب عمرو موسى ان ينسحب مع اردوغان، لا ان يبقى جالسا الى جانب الرئيس الاسرائيلي، لكن هذه حكاية اخرى تثير الحزن! لم يقل الرئيس التركي سوى الكلام البديهي الذي يعرفه الجميع. ان تصير البديهيات بطولة، فهذا يؤشر الى الواقع المخيف الذي وصلت اليه المنطقة، مع هذا العصر الذي يتحكم به مماليك لا يحق لهم ان يتمملكوا، لأن انجازهم الوحيد كان الهزيمة. عكس مماليك الزمن القديم الذين طردوا الفرنجة قبل ان يذيقوا المنطقة طعم تمملكهم الطويل.
اللافت ان اردوغان صار بطلا عربيا من دون ان يفعل شيئا. كان يكفي ان يقول ما قاله كي يشعر الناس بعودة النصاب الى الكلام، وبأن الكرامة ضرورة انسانية، القليل منها قد يكون كافيا كي يبلسم الجراح النازفة.
اللافت في كلام اردوغان كان حديثه عن الامبراطورية العثمانية. تخيلوا ماذا كان سيثير هذا الكلام في الذاكرة العربية، او التركية، لو قيل منذ خمسين عاما! وهذا درس بليغ عن معنى الماضي وعن كيف يقرأ الناس ماضيهم على ضوء حاضرهم.
لماذا عاد اردوغان، في لحظة غضب امام البرلمان التركي، ليذكّر الناس بأنه سليل الامبراطورية العثمانية؟ تركيا التي تناضل منذ عقود من اجل ان تقبل عضويتها في الاتحاد الاوروبي، تقول وتفتخر بأصولها العثمانية! تركيا الكمالية التي ادارت ظهرها للماضي العثماني بأسره، غيرت ابجديتها، وألغت اللغة القديمة، ومنعت الطربوش، تستسيغ اليوم كلاما يذكّرها بماض ارادت محوه من الذاكرة؟
هذه المفارقة الكبرى تطرح سؤالا لا وجود لجواب بسيط عليه. فهي تستعيد من جهة اسئلة الهوية، وتجيب من جهة اخرى على تحديات يفرضها الواقع.
قد تكون زلة لسان من رئيس تيار اسلامي ديموقراطي معتدل يقود الدولة التركية العلمانية. فأردوغان وصحبه تعلموا من دروس فشل الحركات الاسلامية في تركيا، وقدموا توليفة معتدلة وعقلانية، تحافظ على علمانية الدولة من جهة، لكنها تستعيد الدين في المجتمع من جهة اخرى. تتابع السياسة التركية التقليدية في التحالف مع الغرب، وفي بناء علاقات استراتيجية مع اسرائيل، لكنها تسعى الى موقف متوازن في المنطقة. رفضت المشاركة في غزو العراق، وتستقبل اليوم المفاوضات غير المباشرة بين سورية واسرائيل.
لكن ما جرى في غزة كان فوق قدرة اي عقلانية سوية على الاحتمال. صحيح ان 'العقلانية الاوروبية'، بقيت شبه صامتة امام هول المجزرة، لكن صمتها المتواطئ جاء دليلا اضافيا على عجزها عن اتخاذ موقف عقلاني حين يتعلق الأمر باسرائيل. وهذا يعود الى تاريخ علاقتها العنصرية بيهود بلادها، التي وصلت الى ذروتها في المحرقة النازية.
من المرجح ان يكون رد الفعل الاردوغاني، وتذكيره بتسامح الدولة العثمانية مع اليهود العثمانيين، علامة افتراق جذري تاريخي آن له ان يبرز. لكنني اميل الى الاعتقاد بأن الصلافة الاسرائيلية دفعت الرجل الى تذكير المجتمع السياسي الاسرائيلي الذي لا يعيش الا على عصابية الذاكرة، بأن ذاكرة العالم متعددة، وبأن الماضي الذي يستعيده الاسرائيليون مع كل انعطافة، ومن اجل تبرير جرائم الاحتلال ليس أحاديا، بل يمكن ان تقدم اعادة قراءته دحضا كاملا لكل الادعاءات الصهيونية.
الحركة القومية الصهيونية القائمة على مزيج العنصرية والاساطير الدينية، بدأت منذ هزيمة الخامس من حزيران (يونيو) تفرض ايقاعها على المنطقة. ضمور الحركة الوطنية العربية وهزائمها تم استبداله بصعود الحركات الاصولية التي نجحت في فرض ايقاع عبثي على منطق الحروب الاسرائيلية. لم يعد في استطاعة اسرائيل ان تدعي النصر. الواقع ان آخر انتصار اسرائيلي كان اول انتصار وانتهت الحكاية. انتصرت اسرائيل عام 67، وبعد ذلك لم تذق طعم الانتصار العسكري. حققت انتصارا سياسيا كبيرا في معاهدة السلام مع مصر، لكنها على المستوى العسكري دخلت في دائرة الحروب المستحيلة. اي دخلت في جريمة حرب متمادية، بدأت في مذبحة شاتيلا وصبرا عام 1982، وكانت مذبحة غزة فصلها الجديد، الذي سمح للذاكرة العثمانية بأن تنبثق من جديد على لسان رئيس الوزراء التركي.
لو صدر هذا التصريح منذ خمسين عاما، لأثار ردود فعل مستهجنة وصاخبة في المشرق العربي. ذاكرة الثورة العربية الكبرى المجهضة، كانت ستكون بالمرصاد لأي عودة او تذكير بالزمن الماضي. كما ان رؤية الحركة القومية، التي كانت تعد العرب بالحداثة والتنمية والوحدة القومية، كانت ستنتفض ضد العودة الى ماض اطلق عليه العرب اسم عصر الانحطاط.
لكن الناس طربت اليوم لهذا الكلام، بل ان اردوغان صار بطلا شعبيا في العالم العربي. لم يخف الناس من العودة الى الانحطاط العثماني، بل رأوا في هذا الكلام انعتاقا من انحطاط اشد وأدهى، يحطم الكرامة، ويجعل الدم العربي والفلسطيني مستباحا ورخيصا وبلا ثمن.
الا يدعو هذا الواقع الى التفكير العميق في المصير العربي؟ ام ان اللعنات الثلاث: اسرائيل والديكتاتورية والنفط، تشل الارادة والكرامة معا، وتأخذنا الى وهم استعادة ماض لن يعود؟!


علي جبريل


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home