Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الجمعة 13 أغسطس 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

تبيان الجهل والبهتان في رد السعيطي على ملاحظات كهلان (9)

قال السعيطي الجاهل: (قال كاتب التعليق: "

5.   ذكر أنّ الحسين بن علي رضي الله عنه فضّل الموت على أن يذهب إلى يزيد، وهذا خلاف كلام الأئمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإنّ الحسين لم يُقتل حتى أقام الحجّة على من قتله وطلب أن يذهب إلى يزيد أو يرجع إلى المدينة أو يذهب إلى الثغر، وهذا لو طلبه آحاد الناس لوجب إجابته فكيف لا يجب إجابة الحسين رضي الله عنه إلى ذلك وهو يطلب الكفّ والإمساك" انتهى.

فلندع للكاتب هذا الحكم، ولا نحرجه بالسؤال عن الطريق الذي ألهمه هذا الجزم! ولنرد عليه من الوجوه التالية:

الوجه الأول: من الواضح الذي تستحي أن تعزوه إلى كتاب، أو تقيم عليه شاهداً أنّ أيَّ باحث لا يستطيع أن يجزم في حوادث تاريخية هذا الجزم بالرجوع إلى مصدر واحد، كُتب هذا المصدر بعد تلك الحوادث بقرون مديدة! فالكاتب يقول: "خلاف كلام الأئمة" لكنه لا يتحفنا إلّا بمصدر واحد ينقل عنه، كُتب بعد سبعة قرون من تلك الحوادث! فإذا كان الكاتب يكتب لأولي الألباب، فأولوا الألباب لا ينزلون إلى فهم ما يقوله إلّا أن يأتي بأقوال "الأئمة" الذين زعم اتفاقهم على قوله!)

التعليق : هذا لون سمج من زخرف قوله ونمط مُبْرِمٌ من أهاضيب أباطيله لا يُخِيل أمره ولا يحتاج إلى تعليق، ولا يصدر إلا من بليدٍ عدم حياءه وإدراكه، فدأب على نهج غاية في البطلان وركب شططاً وشقاقاً بعيداً  يترفع عنه العقلاء، وحشا ردّه هذا بالسرقة والكذب من لدن استهلاله، واستمسك خلاله بالجهل الفاضح والإحالة الكاذبة والعزو المفترى وسوء الطوية والأدب مع أهل العلم وطلبته، وقد طمّ على ذلك ههنا، فزعم من لم يعرف إلى الحياء سبيلاً في كل ما فرط منه الاستحياءَ من العزو وإقامة الشاهد على ما لا مصدرَ له ولا شاهد، فقول أخينا كهلان عما ذكره السعيطي في هذيانه المنبري من "أن الحسين فضل الموت على أن يذهب إلى يزيد" إنه (خلاف كلام الإئمة) كلام صحيح سليم ولا مرية فيه، إذ لم يذكر نص هذه العبارة أحد من المؤرخين، بل الذي طلبه محاصروالحسين منه إنما هو الذهابُ إلى عبيدالله بن زياد أخزاه الله وأن يضع يده في يده وينزل على حكمه، فرفض الحسين رضي الله عنه ذلك شهامة وشمَماً، وفضل الموت شهيداً عزيزاً على أن يذهب إليه، بل إن أحداً من المؤرخين لم يذكر أبداً أن الذهاب إلى يزيد كان قد عُرِض على الحسين حتى يُفضل الحسين الموت على ذلك العرض، وهذا إجماعٌ من عامة المؤرخين، أمّا العيب بأن المصدر الذي اعتمد عليه أخونا كهلان كُتب بعد سبعة قرون من تلك الحوادث وأنه مصدر واحد فقد رددناه على هذا الجاهل في الحلقة الماضية، وأضيف هنا أن في ذكر الأئمة إشارة إلى المصادر وهي كتبهم، وإن اكتفى أخونا كهلان بكلام أجَلِّهِم قدْراً وأرفعهم ذكراً شيخ الإسلام وإمام الثفات والأعلام ابن تيمية رحمه الله، ثم إنه إنما قصد إلى كتابة ملاحظاتٍ مختصرة على هذيان السعيطي، فضرب مثلا بإمام عظيم وثقة ثبت من أئمة الإسلام، ولم يقصد أن يكتب بحثاً كاملاَ في هذا خاصة أن كلام أئمة التاريخ المشارَ إليه في ذلك متواترٌ مشهورٌ لا يكاد يخفى على من ألقى نظرة ولو عابرة على كتبهم، ولكنا سنذكر للقراء الكرام  - لا لعديم اللب ومريض القلب وزمرته - شيئاً مما زبره أئمة التاريخ الإسلامي ونقلته عبر العصور إزاء روايات عرض الخيارات الثلاث أو صنيعَهم حيالها :

يقول الذهبي بهذا السياق في "سير أعلام النبلاء": (وجاء عمر بن سعد بن أبي وقاص وقد ولاه عبيد الله بن زياد على العسكر وطلب من عبيد الله أن يعفيه من ذلك فأبى فقال الحسين اختاروا واحدة من ثلاث إما أن تدعوني فألحق بالثغور وإما أن أذهب إلى يزيد أو أرد إلى المدينة فقبل عمر ذلك وكتب به إلى عبيد الله فكتب إليه لا ولا كرامة حتى يضع يده في يدي فقال الحسين لا والله وقاتل فقتل أصحابه منهم بضعة عشر شابا من أهل بيته قال ويجيء سهم فيقع بابن له صغير فجعل يمسح الدم عنه ويقول اللهم احكم بيننا وبين قومنا دعونا لينصرونا ثم يقتلوننا ثم قاتل حتى قتل.)

وتعاقب على هذه الرواية أئمةُ هذا الشأن من قبل الذهبي ومن بعده ومنهم على سبيل المثال : -

ابن جرير الطبري في تاريخه مصدرا بها راويا لها بأكثر من طريق

ابن الجوزي في (المنتظم) معتمداً لها معرضاً عن غيرها

الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية رددها مرتين في بداية حديثه عن مقتل الحسين وفي آخره

الحافظ ابن حجر العسقلاني في الإصابة مقراً لها ولم يلتفت لسواها

ابن الأثير في الكامل مقدّماً لها على التي رويت عن عقبة ابن سمعان مما يدل على أنها الآثر لديه

السيوطي في تاريخ الخلفاء معتداً بها ومقتصراً عليها

وذكرها أيضاً من المعاصرين الراسخين في العلم الإمام العلامة الشيخ عبدالعزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله مُحسّناً لسندها عند الطبري، ولم يعبأ بغيرها.

هذا ولكون الطبري هو الأصل بين هؤلاء المؤرخين في ذكر روايات هذه الحادثة بأسانيدها فسنكتفي بنقلها منه

يقول الطبري  :( حدثنى زكرياء بن يحيى الضرير قال حدثنا أحمد بن جناب المصيصى قال حدثنا خالد بن يزيد بن عبد الله القسرى قال حدثنا عمار الدهنى قال قلت لابي جعفر حدثنى مقتل الحسين حتى كأنى حضرته قال فأقبل حسين بن على بكتاب
مسلم بن عقيل كان إليه حتى إذا كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال لقيه الحر بن يزيد التميمي فقال له أين تريد قال أريد هذا المصر قال له ارجع فإنى لم أدع لك خلفي خيرا أرجوه فهم أن يرجع وكان معه إخوة مسلم بن عقيل فقالوا والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نقتل فقال لا خير في الحياة بعدكم فسار فلقيته أوائل خيل عبيدالله فلما رأى ذلك عدل إلى كربلاء فأسند ظهره إلى قصباء وخلا كيلا يقاتل إلا من وجه واحد فنزل وضرب أبنيته وكان أصحابه خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل وكان عمر بن سعد بن أبى وقاص قد ولاه عبيدالله بن زياد الرى وعهد إليه عهده فقال اكفني هذا الرجل قال اعفنى فأبى أن يعفيه قال فأنظرنى الليلة فأخره فنظر في أمره فلما أصبح غدا عليه راضيا بما أمر به فتوجه إليه عمر بن سعد فلما أتاه قال له الحسين اختر واحدة من ثلاث إما ان تدعوني فانصرف من حيث جئت وإما أن تدعوني فأذهب إلى يزيد وإما أن تدعوني فألحق بالثغور فقبل ذلك عمر فكتب إليه عبيد الله لا ولا كرامة حتى يضع يده في يدى فقال له الحسين لا والله لا يكون ذلك أبدا فقاتله فقتل أصحاب الحسين كلهم وفيهم بضعة عشر شابا من أهل بيته وجاء سهم فأصاب ابنا له معه في حجره فجعل يمسح الدم عنه ويقول اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا فقتلونا ثم أمر بحبرة فشققها ثم لبسها وخرج بسيفه فقاتل حتى قتل صلوات الله عليه ).اهـ

ويلاحظ على هذه الرواية أنها من غير طريق أبي مخنف وأنها ذكرت طلبه مطلق الذهاب دون وضع يده في يده، وأن يَدَعُوه فيذهب لا أن يسيروه، فتوافقت مع ما قال ابن تيمية، وقد يكون ذكر مطلق الذهاب مجرداً هنا وهناك تصرفاً أو اختصاراً فقط أو مقصوداً – وهو الظاهر - إذ قد ترددت حكاية طلبه الذهاب إلى يزيد مطلقة عن وضع اليد ولفظ التسيير كما هنا أو عن أحدهما على لسان أكثر من شخص ممن حضروا الحادثة كالحر بن يزيد وغيره، ولدى البعض من رواة التاريخ، وقد يرشح هذا أن إرادة بعضهم أخذ البيعة من الحسين رضي الله عنه لليزيد دون الذهاب إليه  قد ذكرت  ضمن طلب استسلامه إليهم المرفوض عموماً من قبله، وان انفرد ذاكرها بذلك وشذ عن الروايات الأخر.

وقال الطبري أيضاً :(قال أبو مخنف) وأما ما حدثنا به المجالد بن سعيد والصقعب ابن زهير الازدي وغيرهما من المحدثين فهو ما عليه جماعة المحدثين قالوا إنه قال اختاروا منى خصالا ثلاثا إما أن أرجع إلى المكان الذى أقبلت منه وإما أن أضع يدى في يد يزيد ابن معاوية فيرى فيما بينى وبينه رأيه وإما أن تسيروني إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم فأكون رجلا من أهله لى ما لهم وعلى ما عليهم. انتهى.

ويلاحظ على هذه الرواية :

1 - أنها عن (أبي مخنف) صاحب الرواية عن عقبة ابن سمعان التي ذكرها ابن الاثير، وتعلق بها الجاهل السعيطي كما سيتلو من هذيانه، وساقها الطبري بإسناده تِلْوَ هذه.

2 – أن أبامخنف رواها عن أكثر من واحد من المحدثين خلاف الرواية الأخرى عن عقبة ابن سمعان فقد كانت روايته لها عن عبد الرحمن ابن جندب وحده كما سيأتي قريباً.

3 – أن أبا مخنف نفسه قد قال عنها إنها التي عليها جماعة المحدثين وهو حاصل معنى ماقاله كهلان من أن غيرها خلاف كلام الأئمة. 

ثم قال الطبري : -

(قال أبو مخنف) فأما عبد الرحمن ابن جندب فحدثني عن عقبة ابن سمعان قال صحبت حسينا فخرجت معه من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلا وقد سمعتها ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين ولكنه قال دعوني فلا ذهب في هذه الارض العريضة حتى ننظر ما يصير أمر الناس .

وهذه الرواية هي التي عدل بها السعيطي الرواية الأخرى فقال :

 (الوجه الثاني: الرواية التي ذكرها عن ابن تيمية هي إحدى الروايتين في مقتل الحسين.

قال ابن الأثير:"وقد رُوي عن عقبة بن سمعان أنّه قال: صحبت الحسين من المدينة إلى مكة، ومن مكة إلى العراق، ولم أفارقه حتى قُتل، وسمعت جميع مخاطباته الناس إلى يوم مقتله. فوالله ما أعطاهم ما يتذاكر به الناس من أنّه يضع يده في يد يزيد ولا أن يسيّروه إلى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنه قال: دعوني أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه، أو دعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير إليه أمر الناس، فلم يفعلوا).

وتعليقنا : -

أن الرواية التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هي المعتمدة لدى المؤرخين كما تقدم، فقد حسّن سندها الإمامُ الفاضل الشيخ ابن باز رحمه الله، ورويت من أكثر من طريق، بل إن أبا مخنف نفسه صاحب الرواية عن ابن سمعان قد قال عن رواية عرض الحسين الخيارات الثلاث على محاصريه : إنها التي عليها جماعة المحدثين كما تقدم قريباً، أما ما نسب لابن سمعان فقد اختلفت روايته عند الطبري عنها في كلام ابن الأثير فبينما ذكرت رواية الطبري خياراً واحداً وهو أن يَدَعوه فيذهب في الأرض العريضة حتى ينظر ما يصير إليه أمر الناس زاد ابن الأثير خيارَ أن يَدَعوه فيرجع من حيث أتى فقد تكون عند ابن الأثير رواية أخرى، وتصدير ابن الأثير لها بـ(روي) إشارة لتضعيفها، لكنّ المتوجهَ الراجحَ أنها عين رواية الطبري – وهو أصل في هذه الروايات - تُصُرِّفَ في معناها وتُوُسِّع حيث الذهاب في الأرض العريضة يشمل الرجوع إلى المكان الذي أقبل منه، أو حصل اشتباه فيها برواية عرض الثلاث لدى بعض الناقلين فزيدت خياراً منها، أو انها نفت خيارين من روايات عرض الثلاث وبقي الثالث فأُدرِج اجتهاداً نظراً لعدم نفيه ولدخوله تحت الذهاب في الأرض كما تقدم، ويتوسع في الأخبار فتروى بالمعنى أحيانا، والله أعلم،  وتصديرها بـ(روي) حينئذ إما لمجرد الاختصار أو للإشارة لضعف أبي مخنف، فآلت على الراجح إليه كما ساقها الطبري، وأبو مخنف إخباري تالف وشيعي متعصب لا يوثق بروايته، فقد روى قَصصاً كثيراً في مثالب الصحابة كانت من وضعه، ولم تزل متخذا لنبز أولئك الأبرار لدى العقلانيين ومن قلدهم من الزائغين الأميين، وما تسامح المؤرخون في الرواية عنه وأكثروا منها إلا لحفظه كثيراً من تلك الحوادث وأن لديه من أخبارها ما ليس لغيره كما ذكر ابن كثير، وأنه قد يروي ما يخالف تشيعه أيضاً، فضعف أهل العلم من مروياته ما وافق بدعته أو خالف فيه غيره. ومما يؤكد ذلك أن عقبة بن سمعان نفسه قد قال في صلب هذه الرواية عن رواية عرض الثلاث إنها التي يتذاكرها الناس، والتذاكر بها يعني أنها المتداولة بين الناس الذائعة بين عامتهم وخاصتهم في تلك الأيام،  وفيهم من شهود الحادثة كثير،  فهل يُرَدُّ ما عليه أولئك بكلام عقبة بن سمعان وحده لو صح عنه؟ فكيف؟ وروايته عنه لا سبيل إلى إثباتها، وعلى فرض ثبوتها فإنها لا تنهض للسعيطي حجة على مدعاه من (أن الحسين فضل الموت على أن يذهب إلى يزيد) لأننا إن فهمنا منها أن الذهاب لم يعرضه الحسين عليهم فإنها أيضاً لم تذكر لا تصريحاً ولا تلميحاً أنهم قد عَرضوه عليه ولا ما ينبني على عرضهم من رفض الحسين له وتفضيل الموت عليه الذي هو مدلول عبارة السعيطي، فيبقى عرض الذهاب إلى يزيد على الحسين أو منه حسبها متلاشياً منعدماً، فيتهاوى المبني عليه، ويضمحل استناد السعيطي على هذه الرواية في تصحيح عبارته الباطلة المخالفة لكل من تكلم في هذه الحادثة من المؤرخين، ومن ناحية أخرى لو جنحنا جدلاً إلى أنها في مستوى الرواية الأخرى فإنها لم تنف نصاً طلبَه الذهابَ إلى يزيد الذي ذكره ابن تيمية وغيره، بل نفت أنه أعطاهم أن يضع يده في يد يزيد، وهذه العبارة لم ترد في كلام ابن تيمية ولا في جزء هام من روايات العرض كما تقدم، فلا يلزم من نفيها نفيُ عرض مطلق الذهاب الذي هو أعمُّ من أن يكون لوضع يده في يده، فقد يكون لمحاورته والحديث إليه عما بلغه عنه وعظته والتفاهم معه عموماً على ما يحفظ للأمة وحدتها ويصون شرعتها عن عبث الأهواء وفتن التسلط وشبه ذلك، فلا تصلح هذه العبارة للاعتراض الصريح عليه ( والضمير لِعرض الذهاب المطلق) السالم من الانتقاض، كما أن نفيَ هذه الرواية طلبَ أنْ يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين لم يكن اعتراضاً تاماً من جميع الوجوه على كلام ابن تيمية والروايات الموافقة له الذي نصه هنا أنه طلب أن يذهب أو أن يدَعوه فيذهب الى الثغر، وفرق بين أن يسيروه هم إلى الثغر (أو إلى يزيد كما جاء في الروايات الأخرى) فيكون سيره تحت أنظارهم وبترتيبهم وبين أن يدعوه فيذهب إلى الثغر (أو إلى يزيد أيضاً في غير هذه الرواية) ويسلك إليه كيفما يريد ويشاء،ولا جرم أن لا ضير ولا غضاضة عليه في الأولى إن قالها لما احتف به وبمن معه يومئذ من أحوال قد يدعوه تدبرها إلى مزيد من التواضع لربه جل وعلا وتقواه والتنازل حقناً لدماء المسلمين ومبالغة في الإعذار لأولئك الظالمين، ولو أن العبارة الآخرة أقرب إلى عزة سيد شباب أهل الجنة وشممه رضي الله عنه، فلئن تلفظ بالأولى فلعظيم تواضعه وورعه وتقواه، وإذا عرض الأخرى فلبالغ عزته وشممه وإباه، وهو في كلا الحالين الأبر الأتقى والأعز الأشم رضي الله عنه وأرضاه وأكرم مثواه،  وقد تكون مخالفة نص ما نفته هذه الرواية لنص  كلام ابن تيمية والروايات الموافقة له من باب التعبير عن الشيء بما يترتب عليه في وضع اليد أو عن المطلق بالمقيد في لفظ التسيير توسعاً وتسامحاً في رواية الأخبار، فقد تناقلها المؤرخون بهذا اللفظ أو ذاك، فتتوجه والحالة هذه مخالفتها لكلام ابن تيمية وما وافقه لكنها لا تقوى على معارضته لضعفها واضطرابها وشذوذها وشهادتها أن المشهور يومئذ خلافها كما تقدم، والله أعلم.  وهذه الرواية كيفما كانت لا تغني فتيلا في تأييد عبارة السعيطي الداحضة الباطلة (أنّ الحسين بن علي رضي الله عنه فضّل الموت على أن يذهب إلى يزيد ) كما بينا أولاً.

ثم قال الطبري أيضاً (قال أبو مخنف) حدثنى المجالد بن سعيد الهمداني والصقعب بن زهير أنهما كانا التقيا مرارا ثلاثا أو أربعا حسين وعمر بن سعد قال فكتب عمر بن سعد إلى عبيدالله بن زياد أما بعد فان الله قد أطفأ النائرة وجمع الكلمة وأصلح أمر الامة هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذى منه أتى أو أن نسيره إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئنا فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه وفى هذا لكم رضى وللامة صلاح قال
فلما قرأ عبيدالله الكتاب قال هذا كتاب رجل ناصح لاميره مشفق على قومه نعم قد قبلت قال فقام إليه شمر بن ذى الجوشن فقال أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك إلى جنبك والله لئن رحل من بلدك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة والعز ولتكونن أولى بالضعف والعجز فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه فإن عاقبت فأنت ولى العقوبة وإن غفرت كان ذلك لك والله لقد بلغني أن حسينا وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل فقال له ابن زياد نعم ما رأيت الرأى رأيك)اهـ

وهذه الرواية من أبي مخنف أيضاً وفيها عرض الثلاث كذلك ورواهاعن اثنين خلاف المنقول عن عقبة بن سمعان فعن واحد فقط .

وقول ابن تيمية استناداً على رواية العرض المعتمدة : (فإنّ الحسين لم يُقتل حتى أقام الحجّة على من قتله وطلب أن يذهب إلى يزيد أو يرجع إلى المدينة أو يذهب إلى الثغر، وهذا لو طلبه آحاد الناس لوجب إجابته فكيف لا يجب إجابة الحسين رضي الله عنه إلى ذلك وهو يطلب الكفّ والإمساك" انتهى.) صحيحٌ بداهة ومستقيمٌ  على قواعد الشرع أيما استقامة، ويجب الجزمُ به لدى كل عاقل، فإقامة السبط الحجة على قاتليه بما عرض ووجوب إجابته إلى أي من عروضه وجوباً مؤكداً قاطعاً لا ينازع مسلم فيه، سواء كان من ضمن عروضه الذهابُ إلى يزيد أو الثغر – كما هو المعتمد - أم لم يكن، لكن اعتماد ذينكم العَرْضين – كما هو الحال عند أئمة التاريخ – يجعل حجة السبط رضي الله عنه على قاتليه أتمّ وأقوى، وعَيْبُ السعيطي نقْلَ كهلان عن ابن تيمية هنا بإطلاق وتململه منه ولَظُّه بالباطل دونه يجعلنا في حيرة من أمره أهو مع الحسين أم ضده؟ بيد أنه كما قيل في مثله : (وربما إذا نظر . . . أراد نفعاً فأضرّ).

فها قد وضحت المحجة بحمد الله، وبرح الخفاء، وتقطعت الأسباب بهذا الجاهل، فتلاشى تهويله وذهب ضجيجه وعويله على نقل كهلان سدى " وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ"   

قال السعيطي : (الوجه الثالث: لنُسلِّم أنّ رواية الكاتب ثابتة، ألا تدل هذه الرواية على شجاعة الحسين؟! ألا تدل على تصديه للظلم؟! ألا تدل على أنه رفض أن يستسلم لمن حاصروه؟! إنّ الروايتين تدلان على ما أردت قوله على المنبر لشبابنا: وهو أنّ الحسين  بروحي أفديه رمز للشجاعة والتصدي للظلم!

ألا ترى معي أيها القارئ المنصف أنّ كاتب التعليق يضرب في غير مِفْصَلٍ، ويمشي في غير طريق؟!)اهـ

التعليق : -

أما أن الرواية التي نقلها أخونا كهلان عن ابن تيمية هي المعتمدة لدى أئمة التاريخ فهي كذلك كما تقدم، واعتمادها لن يمسه بزيادة أو نقص تسليم بليد أمي بثبوتها مصحوباً بزمرته أو عدم تسليمه (يقولون هذا عندنا غير جائز ... ومن أنتم حتى يكون لكم عندُ)

وأما شجاعة الحسين رضي الله عنه فليست محل النزاع، ولم يحم حولها ريب من مسلم إزاء أفضلِ بيوت بني آدم أطيبِها وأكرمِها وأبرّها، فهو ذروة الشجاعة ومحتد الإقدام وغير ذلك من الشيم الحميدة والشمائل البشرية الحسنى، كما أنَّ تصديَ الحسين رضي الله وأرضاه للظلم قد أبقاه الحسين مسطوراً بمداد من دمه الزكي الطاهر ودم أولئك الأبطال الشجعان والميامين الغُر من أعوانه ودم أولئك الكرام البررة والنجوم الزهر من شباب بيت النبوة رضي الله عنهم أجمعين وأرضاهم وأكرم مثواهم، ومحبة الحسين وهؤلاء والثناء عليهم والبر بهم من الواجبات البدهيات اللازمة للإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، فهم من الأتقياء الأبرار والشهداء الأخيار من أهل بيته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، بل تجب بداهةً تبعاً لذلك أيضاً مودةُ أولئك الأنصار والثناءُ عليهم الذين دفعهم التقوى وحرّكهم الصلاحُ للذود عن أهل البيت النبوي الكريم، ففدوهم بأرواحهم، وقتلوا بين أيديهم في ذلك اليوم العصيب، فليست حاجة المسلمين في هذا العصر ماسة للتذكير بمشاعر بدهيات كهذه، ولئن مست فلا تكون ممن لا يحسنه كهذا الجاهل.

ولم ينبس أخونا الكريم كهلان بحرف يخالف ما ذكرنا من صفات السبط رضي الله عنه، وإنما هرف السعيطي بالدندنة حول هذا - هنا وفيما تبقى من أوحاله - هروباً مما وقع فيه من غلط وجهل ودغدغة لعواطف القراء فقط  ليصرف أنظارهم عن محل النزاع، وهو مخالفةُ ما يدعيه السعيطي مِنْ " أنّ الحسين بن علي رضي الله عنه فضّل الموت على أن يذهب إلى يزيد" لكلامِ الأئمة وبطلانُه.

هذاوعرضُ الحسين رضي الله عنه الذهابَ إلى يزيد ضمن خياراته الثلاث لا ينال بحال من أنه كان غاية في الشجاعة ورأساً في الإقدام، بل هو دلالة على عظم  بره وورعه وحسن استقامته، فقد ألجم شجاعته وإقدامه بتقواه، ووقف بالشجاعة والإقدام عند الحد الذي شرعه الله، فلم لا يذهب إلى يزيد؟ وهو ابن عمه - وقد علم أنه لن يقتله، بل سيكرمه ويحترمه كما أوصاه بذلك أبوه -  لم لا يذهب إليه؟ وقد خُذِل وبقي في جمع قليل من أهل بيته وأنصاره أمام جحافل جرارة من جند ابن زياد جفاة قساة جاهلين لا طاقة له بهم، لم لا يذهب إليه؟ فيحقن بذلك دمه ودم من معه ودم المسلمين المغرر بهم من الجهة الإخرى كذلك، ويجنب أمة الإسلام كارثة قتله ومن معه ومصيبته التي اتسع خرقُ الابتلاء بها  بعدُ على الراقع، وتركت في الأمة كُلوماً اتخذها الأعداءُ ذرائعَ لصدعِها ثمّ لِتحريف الدين والمروق منه منذ ذلك الحين إلى الساعة الحاضرة، بل إن عرضه الذهاب إلى يزيد ضمن الخيارات التي أعطاها لمحاصِريه لآخر خيط في يده يعطيه جمعاً لشمل الأمة وقد علم حيث خذل أن لا قدرة له على ما خرج لأجله، وهو إزالة ما لحق بها من ظلم وعنت، فكان ذلك الخيار دلالة على خشيته العظيمة من الله وشجاعة عظيمة مع نفسه في إلزام خلق الجرأة والإقدام ووزنه بقسطاس الإسلام كما كان كذلك آخر إعذارٍ  لأولئك الظالمين أمام الله  وقد أنذرهم عِظَمَ جرم قتله وحذرهم سوء عقباه.

وقول السعيطي عن الرواية المعتمدة التي ذكرها ابن تيمية :( ألا تدل على أنه رفض أن يستسلم لمن حاصروه؟!) صحيح، ونحن نقول  نعم إنها لتدل على ذلك، ولا خلاف في أنه رضي الله عنه رفض أن يستسلم لمن حاصروه، ولكنها أيضاً تدل على بطلان ما ادعاه السعيطي من" أنّ الحسين بن علي رضي الله عنه فضّل الموت على أن يذهب إلى يزيد" وهو محل النقد وموضع النزاع، فهو في هذه الرواية قد عرض على من حاصروه الذهاب إلى يزيد، فكيف يفضل الموت عليه وقد عرضه هو عليهم؟ في حين أن تفضيل الموت عليه لا يتأتى معناه إلا أن يكون الذهاب إلى يزيد مطلوباً ومعروضاً عليه من قِبَلِ الفئة الباغية، ولم يقل به كما قدمنا أحد من المؤرخين.    

والحق أنه إذا خاض الجهال الضلال في مثل هذه المسائل – ولو كانوا من المنتسبين للسنة – غلطوا وخلطوا، فأساءوا من حيث أرادوا الإحسان،ونبوا عن سبيل أهل السنة والإيمان، وكانوا فتنة للعوام إذ يقتربون من الروافض في بعض إطلاقاتهم وتعابيرهم علاوة على الاضطراب في النقل والكذب وسوء التقرير كما حدث لهذا البليد هنا.

قال السعيطي : (إنّ الروايتين تدلان على ما أردت قوله على المنبر لشبابنا: وهو أنّ الحسين  بروحي أفديه رمز للشجاعة والتصدي للظلم )

التعليق : -

بل نقول : إن الرواية المعتمدة التي ذكرها ابن تيمية أظهر في الدلالة على شجاعة الحسين حيث كان من ضمن خياراته التي عرضها أن يذهب إلى ثغر من ثغور المسلمين، فيجاهد أعداء الله، وهو مظنة قطع الأطراف  وذهاب الأنفس في سبيل الله، (والجود بالنفس أعلى غاية الجود) فلا يطلبه إلا من بلغ الذروة في الإيمان والمنتهى في الشجاعة والإقدام، وقد فضل الحسين رضي الله عنه هنا موطن جهاد أعداء الدين على قتال البغاة الظالمين حقناً لدماء المسلمين وطلباً لرضى رب العالمين، وفي ذلك دلالة على اتسامه بالتقوى والاتزان وحسن التدبير في ذلك اليوم العصيب وعلى حرصه أن يُنْزِل خلق الشجاعة والإقدام  المقامَ الأفضلَ رغم ذلك االكرب المُلِم والخطب العظيم، وقد كان في عرضه ذلك مندوحة لأولئك الظلمة عن قتله رضي الله عنه، ولكنّ البُغاة عمُوا وصمُّوا.

قال السعيطي :( ألا ترى معي أيها القارئ المنصف أنّ كاتب التعليق يضرب في غير مِفْصَلٍ، ويمشي في غير طريق؟!)

التعليق : - هذه شنشنة نعرفها من هذا الأمي لا قيمة لها فقد تبين بما قدمنا من الذي يمشي في غير طريق ويضرب في غير مفصل، ويمضي على المُخَيَّل خَبْطَ عشواء، وفي مثله مضرب المثل السائر (رمتني بدائها وانسلت)

قال السعيطي : (قال كاتب التعليق: "

6. ذكر أنّ الحسين بايعه الناس، والذي نعرفه أنّ بعض شيعة العراق طلبوا منه أن يأتي ليبايعوه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأمّا أصل مجيئه فإنما كان لأنّ قوماً من أهل العراق من الشيعة كتبوا إليه كتباً كثيرة يشتكون فيها من تغيّر الشريعة، وظهور الظلم، وطلبوا منه أن يقدم ليبايعوه ويعاونوه على إقامة الشرع والعدل." انتهى

إنّ قولي في بيعة الحسين قد مسّه الكاتب بالتحريف! لقد ذكرتُ بوضوح وجلاء أنّ الذين بايعوه هم شيعته في العراق. فانظر أيها القارئ إلى كاتب التعليق كيف لا يحترم ما تسميه صدقاً، ولا يتألم من أن يتحدث عمّا يتخيله، ويسوقه إليك في صورة ما لا يشك في وقوعه.

فلتقل للكاتب: بأيّ أُذن سمعت، أم بأيّ ذوق أدركت أنّ الخطيب قال إن الحسين قد بايعه الناس جميعاً؟!)

التعليق : -

مع اعتقادنا أن أخانا الكريم كهلان أصدق من ملء الأرض من أمثال السعيطي وزمرته، وما تقدم من السعيطي كاف في تمكن خلق الكذب والتزييف منه وممن كان شريكاً له في رده(1) مع ذلك فإنا سنتنزل معه ابتداءً ونجعل محط نظرنا في نقده ما أقر به هو من قوله : (أنّ الذين بايعوه هم شيعته في العراق) فهذه العبارة أيضاً باطلة من وجهين :

1 – أن الحسين رضي الله عنه إنما دعاه قوم من شيعة العراق عن طريق المراسلة للقدوم عليهم حتى يبايعوه، فلما جاءهم خذلوه، وتولوا عنه، فلم تحصل منهم بيعة، فقول السعيطي (أنّ الذين بايعوه هم شيعته في العراق) باطل، والفرق واضح بين الدعوة للقدوم لغرض البيعة وبين نفوذ البيعة ووقوعها.

2 – أن ادعاء حصول البيعة منهم لم يقل به أحد، بل تجمع المصادر على أنهم حين قدم عليهم نكصوا عن بيعته، وأنكروا مراسلتهم إياه، وتخلوا عنه، بل شاركوا في قتله، فالعبارة باطلة على أي وجه أخذت.

وأما قول السعيطي: (فانظر أيها القارئ إلى كاتب التعليق كيف لا يحترم ما تسميه صدقاً، ولا يتألم من أن يتحدث عمّا يتخيله، ويسوقه إليك في صورة ما لا يشك في وقوعه) فسوء أدب من هذا الأمِّي مع طلبة العلم نضح به إناؤه ومشربه الآسن، فكهلان أصدق منه قيلاً وأهدى سبيلاً، وما نقله هو المعتمد لدينا، وفيه من البطلان إضافة إلى ما تقدم نسبةُ البيعةِ التي تخيلها البليد إلى عموم الناس، وما عاب به كهلان فهو الأحرى به وزيادة، وياليت هذا الهاذي الأمي يتوجع من كثرة افترائه وبشاعة جهله، فيرعوي عن غيه ويأوي إلى الصدق ولو مرة، ويصيخ للنصح ولو ساعة، وهيهات.

وقول السعيطي : (فلتقل للكاتب: بأيّ أُذن سمعت، أم بأيّ ذوق أدركت أنّ الخطيب قال إن الحسين قد بايعه الناس جميعاً؟!) هذيان باطل وتحريف لكلام كهلان حيث زاد(جميعاً) بعد (بايعه الناس) و النص على العموم بزيادة هذا اللفظ لم يذكره كهلان، والخطب فيه سهل فبهتان السعيطي في غيره أفدح وأجلى، وقد صار يستمرئ ذلك الافتراء ويستحليه، وكم له فيه من أذواق ومواجيد.

قال السعيطي : (قال الكاتب: "

7.     قال إنّ الحسين رضيَ الله عنه، مدرسة في الخروج على الظالمين، وهذا يشبه كلام الرافضة، ويخالف ما عليه الجماهير من أهل السنة في الصبر على أئمة الجور، وترك الخروج عليهم. ويخالف رأي ائمة الصحابة وإشارتهم له بعدم الخروج. قال شيخ الإسلام: وأشار عليه أهل الدين والعلم كابن عبّاس، وابن عمر، وأبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام بأن لا يذهب إليهم." انتهى

حينما ينقاد الكاتب بِزمام عدم الإنصاف يبلغ التحامل به مبلغاً يُخرج كلامه من النصيحة إلى الافتراء والتشهير!

ما الذي يجعل للرافضة ـ قاتلهم الله ـ موضعاً في التعليق على خطبة خطيب سنّيٍّ يستقي كُلَّ ما يقول من مصادر أهل السنة، فيُلقِي على الناس ما تدعو إليه العقيدة الصحيحة: من حبِّ آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، إلى إظهار حُبِّ عليٍّ للخلفاء الثلاثة، إلى المدح والثناء على زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى تعظيم أبي بكر الصديق وعمر وعثمان؟!

إن حُبَّ الحسين، والثناء عليه بما فيه، و" مشابهة الرافضة" لا تجتمع إلا في مُخَيِّلَةٍ تتراكم فيها صُوَرُ الأشياء على غير نِظام!).

التعليق :

هذا كذب من هذا الجاهل وحيدة وتخليط من أكثر من وجه :

1 – أن ما ذكره كهلان هو الأصل لأنه من صادق كان قد ألقى السمع أثناء شهوده الخطبة وكتب ملاحظاته فور قضاء الصلاة على ما ادّكر من خُلَّيْطَاها(الخطبة)، وما قولُ السعيطي إنه لم يصدر منه إلا ادعاءُ مكينٍ في الكذب على صادق، فلا يلتفت إليه، وما يغني عنه هذا؟ ومآل ما ادعاه وما نسبه إليه كهلان واحد.

2 – أن ما قاله كهلان إنما هو مشابهة عبارة السعيطي لكلام الرافضة، ومن الواضح لمن لديه خبرة بأساليب الروافض وغَرُور شعاراتهم أن عبارة (الحسين مدرسة في الخروج على الظالمين) أورمز للثورة عليهم مع فحوى الخطبة كلها قد نحت بشبه نحو منطق التشيع والرفض ومتت بسبب إليه حتى أن بعض مستمعيها سأل من يليه هل هذا الخطيب سني أم شيعي؟، و كذلك كانت تزكية للخروج نفسه وإيماءً إلى أن الحسين إمام وقدوة فيه، في حين أن الحسين رضي الله عنه قد نصح من قِبَلِ أهل العلم والدين بعدم الخروج، وذكّروه خذلانَ أهل العراق لأبيه ثم لأخيه من قبل رضي الله عنهما كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لكن الحسين رضي الله عنه حسب صدق من أرسلوا إليه، وأن يوفوا بما عاهدوه عليه، فلم يكن خروجه إذن رضي الله عنه وأرضاه مجازفة ولا تهوراً، بل حصل ما لم يكن في حسبانه من تخاذلهم وتخليهم عنه ونقضهم العهد بأن يبايعوه عند قدومه، فعلم السبط رضي الله عنه حينها أن لا طاقة له بما قدِم لأجله، وأراد الرجوع، فمنعه المحاصرون منه، وأعطاهم خياراته الثلاث، فلم يقبلوا، وأصروا عليه أن يستسلم ويذهب إلى عبيد الله بن زياد، فرفض، وفضل أن يقاتل فيموت شهيدا على ذلك، فلا يقال عن الحسين إنه مدرسة في الخروج على الظالمين ولا رمز للثورة عليهم كما ادعى الجاهل وكما يدندن الروافض كثيراً حول هذه المعاني لأنه قد وقع في تقدير خاطئ حيث ظن في مراسليه الصدق والوفاء، ولم يتسن له أيضاً ما رامه بخروجه، فلا هو رضي الله عنه وأرضاه مدرسة في ذلك الخروج لأن ذلك الخروج لم ينجم عنه ما كان مرجواً منه ولا هو أيضاً رمزٌ للثورة على الظالمين لأن أحداً لا يوصف بذلك حتى يكون ما هو رمز له قد آتى  أكله وبدت ثمرته وفق ما كان متوقعاً منه خلاف ما حدث للحسين رضي الله عنه، بل العبرة والدرس الذي يؤخذ من خروجه إنما هو أن لا يُخْرَجَ على الظالمين ولا يُثارَ عليهم إلا بعد أخذ رأي أهل العلم والدين خاصة إذا كان الأنصار من العامة والدهماء.

3 – أن مشابهة شخصٍ في تعبير مّا لكلام الروافض لا يلزم منه أن يكون رافضياً خالصاً، فقد يجمع بين حب آل بيت النبي صلى الله وسلم وصحابته رضي الله عنهم، ويقرر وشائج المودة وعلائق القربى بين علي والخلفاء الثلاثة، ويثني على زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة ويحفظ قدرهم، ويوقرهم رضي الله عنهم أجمعين وأرضاهم، ويقع في تعبيره هذا الشبه عن جهل، وهذا واضح.

بل قد تتماثل معتقدات بعض الناس وأعمالهم ببعض عقائد الروافض وطقوسهم كما يقع فيه ضلال المتصوفة –– من الاستغاثة بغير الله التي لا يرى السعيطي - وهومن جهلتهم - بها بأسا(2) أو الطواف بالقبور والتمسح بها أو نسبة علم الغيب لغير الرسل عليهم السلام وشبهها رغم مخالفة هؤلاء للروافض في موقفهم من الصحابة وأمهات المؤمنين وادّعائهم أن القرآن محرّفٌ وغير ذلك من المسائل ورغم انتسابهم أيضاً لأهل السنة على وجه العموم.

وأما دعوى الجاهل البدعي أنه (خطيب سنّيٍّ يستقي كُلَّ ما يقول من مصادر أهل السنة، فيُلقِي على الناس ما تدعو إليه العقيدة الصحيحة) فما سبق من الرد عليه وما سيتلوه – إن شاء الله -  يأتي هذه الدعوى من القواعد، ويكشف غشاوة جهله بمصادر أهل السنة وبما تدعو إليه العقيدة الصحيحة معاً.

وإطراء السعيطي نفسه بأنه (خطيب...الخ) ليس بشيء لأمرين:

1- أنه لم يكن هو الخطيب الأصلي – على علاته - بل خطب عند غيابه

2- أن الخطابة في هذا المسجد ما استحوذ عليها خطيبه الأصلي أيضاً إلا بسلوك سبل التسلق (3) التي مرد عليها فصار بها خبيراً خِرّيتاً، وما التزلّف الممجوج لمحمد سعيد الباضنكجي قبل سنين وإطراؤه  بحضرته والثناء الزائف عليه والجلوس في خنوع بين يديه وتقبيل قبعته المعتاد الذي شاهده الناس أيامئذٍ مراراً عنا ببعيد،(4) ولا يغرنك أيها القارئ الكريم سكوت جمهور الحاضرين أو توقيرهم وثناؤهم على متصدر لخطابة أو متطفل على فتوى أو عضو في مجمع لم يطلب لتلك العضوية بل سألها متلهفاً صاغراً مرات فمُنِعها، ثم مُنِحها بعد إراقة ماء الوجه في الوساطة والاستجداء أو مدع لخطة القضاء وشواهد حاله والواقع الذي يتحرك فيه من أعظم الشهداء على كذب دعواه وأجلى الأدلة على نقضها، لا يغرنك سكوت أولئك فكثير منهم عوامّ يستهويهم بريق المناصب، ويبهرهم خُلّب الادعاآت وزخرف الإعلام الجهوي أو الحزبي ومن تأثر به، وبضاعتهم من علوم الشرع ووسائلها مزجاة، وإن زيّن بعضَهم شهاداتٌ عليا أو مهاراتٌ في مناحي الحياة المادية الأخرى أو حسن خلق مثلاً، ثم قد يتعامل بعضهم مع من هذه حاله تحت ضغط الأمر الواقع بحكم وجوده في المركز مثلاً فيرجع إن احتاج إليه وإن لم ير فيه أهلية، كما يسكت بعضهم عنه وإن رأى كثيراً مما يؤخذ عليه أو ينفر منه لما يعلم من ضيق صدر ذلك المغرور بالنقد واستنكافه أن يؤوب للحق إذا خالف هواه(5)، وقد يُعرِض البعض عنه أيضاً رغبة بالمساجد عن الخصام والملادّة أو نأياً عن التلاحي بين المسلمين خاصة في ديار الغربة مع قلة الوعي وكثرة الغوغاء، هذا عدا من أعمتهم دعوى الجاهلية - الجهوية أو الحزبية - فلم يَبْصُروا بصنيعتهم إلا من خلالها.

وها نحن نتحدى السعيطي  ومن استخلفه في الخطابة وواطأه على هذا الرد وخلائط تلك الطفرة أن ينقدوا ما تعرضنا له من مسائل نقداً علمياً، وليس كما سلف منهم  تهويشاً بالجهل وتشويشاً بالعيب واللمز كذباً ولغطاً اضطررتنا بشاعته ونكارته للإغلاظ في رده عليهم بالحق دحضاً لباطلهم وتبياناً لزيغهم وكشفاً لبهتهم أهل الهدى بما هم برآء منه، وما كان أحسنَ قولَ الشيخ ابن عاشور رحمه الله في هجاء محمود بن عمر الزمخشري لأهل السنة عدواناً وردهم بالمثل عليه : (وأما ما تبجح به الزمخشري في «الكشاف» فذلك من عُدوان تعصبه على مخالفيه على عادته، وما كان ينبغي لعلماء طريقتنا التنازلُ لمهاجاته بمثل ما هاجاهم به، ولكنه قال فأوْجَب.)

وأين الجهلة الطغام والغشم الهمج من علم الزمخشري وذكائه، ولولا غلبة هوى الاعتزال على علامة البلاغة (محمود بن عمر.....) ونَكْتُ البدعة في قلبه  لكان بعيداً عما بدر منه.

وقول السعيطي : (إن حُبَّ الحسين، والثناء عليه بما فيه، و" مشابهة الرافضة" لا تجتمع إلا في مُخَيِّلَةٍ تتراكم فيها صُوَرُ الأشياء على غير نِظام!) تخليطٌ وخروجٌ عما نحن بصدده، فحبُّ الحسين رضي الله عنه أو الثناءُ عليه بما فيه لم يكن هو المأخذ على السعيطي هنا، وإنما المأخذ عليه هو وصفُ الحسين رضي الله عنه بأنه (مدرسة في الخروج على الظالمين) أو رمز للثورة عليهم على حد دعواه، وهذا ليس ثناءً عليه بما فيه ولا من لوازم حبه أو دلالة عليه، وما تلك النعوت فوق مضاهاتها لشطحات الروافض إلا إطلاقاتٌ مردودة وتعابيرُ باطلة إزاء ما حدث له رضي الله عنه كما ذكرت آنفاً، لذا لم يصفه بها أئمة الإسلام لا في القديم ولا في الحديث، لكن جهل السعيطي هنا وهواه قد خرجا به من الحق إلى الباطل، ومن الواقع إلى الخيال، فعاب كهلانَ كذباً وسبّه جزافاً.

قال السعيطي : (إذن فلندع الكاتب يتلقّف من الوساوس ما يشاء، ويُقحم الروافض في الخطبة كما يشاء! ولا أحسب القارئ في حاجة إلى أن يسمع مني كلمةً في مناقشة هذا الحديث، فإن عِوَجه ملموسٌ باليمين واليسار)

التعليق : -

لقد بينا قريباً بطلان عبارات السعيطي ومشابهتها كلام الروافض كما ذكر أخونا كهلان، وما شنآن السعيطي هنا وفي جميع ما تقدم أو تأخر من هذيانه إلا وسوسة من شيطانه أوتيها هذا الأمي بشماله - وكلتا يدي هذا الجهول شمال - ولولا اغترار بعض العامة به ما استحق هو ومن تولى كبر هذا البهتان معه نقاشاً ولا رداً، فهم كما قال أحد العلماء فيمن هو خير منهم : "الظفر بأمثاله شر من الهزيمة، فكأنما تحاور بهيمة".

يتبع إن شاء الله

بقلم أبي أيوب الأثري

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 - جاء الخطيب الأصلي أو المتسلق الرسمي متشنجاً غضبان ومغيظاً محنقاً إلى كهلان بعد أن نُشِرَت ملاحظاته، وكان مما قاله في سكرة اضطرابه : سوف نرد سوف أجعل الشيخ – يقصد السعيطي – يكتب رداًّ.  وهذا دليل على أن هذا الرد قد اشترك فيه الخطيب الأصلي وكتب بتأييده وعلى عينه على أقل تقدير، بل نرجح – والله أعلم - لأسباب كثيرة أن معظمه من صياغته وتعبيره. 

2 – قال ما معناه ذلك لمن تكلم معه في ضلال (محمد بن علي السنوسي) فإن إنكر فلعنة الله على الكاذب.

 3 – لِمَنْ ثافنَ التسلقَ ودرب به أوجهٌ عدة لمعاملة الناس وفق توجهاتهم وميولهم ودهاءٌ يجنّه مِسَحٌ من التدَهْقنٌ و التصنع قد تنطلي خدعته على كثير من الناس، فلا  تغتر أيها القارئ بما بلاقيك به أهل التسلق من وجه  أو بما تسمع منهم من كلام، فتتوهم فيهم مخايل أحوال ونقائب هم منطوون على خلافها، إياك أن تغتر بذلك فلكل فئة لديهم وجه، ولكل حالة لبوس (يوماً يمانٍ إذا لاقيت ذا يمنٍ . . . وإن لقيت معدياً فعدناني) بل زنهم واعرفهم بمن يُقرِّبون ومن يتولَّوْن ومن يعادون ويَقْلُون وبما يأتون وما يذرون، وتدبر في كل ذلك حركاتِهم وبوادرَ تفلت منهم إزاء مخالفيهم توجُّهاً أو جهة لم يستطيعوا إخفاءها تدل على ما وراءها من الأمر المبيت والطبخ الخفي للتعصب الجهوي أو الحزبي أوللانحراف الصوفي كما تنبئ عن التصنع وعدم تحرّي الصدق وتَطرُّق الغرور وحب الفخفخة والظهور إلى تلك الأنفس المريضة كذلك، بل إن هذه الصفات خاصة أولاها ثم تاليتها لا تمثل أمراً عارضاً بل خطاً مطّرداً واضحاً وخلقاً متأصلاً ونزعة متجذرة لدى هؤلاء المتسلقين وزمرهم ومن على تلك الشاكلة ينشأ عنها مسار - نظري وعملي - جائر لتسويغ كثير من الآثام والانحرافات والمظالم، (وعند الله تجتمع الخصوم) تدبر ما ذكرنا أخي القارئ الكريم ملياً، ولا تستعجل، فستستبين سبيلَهم بإذن الله، والله يتولاك بما ينفعك ويرعاك.

4 – وقس على ذلك إطراء المتسلق الزائف ليوسف القرضاوي (رئيس المجمع الأوربي) وادّعاء أن من ردّ عليه لم يفهم كلامه، وقد اختُص هو بفك رموزه والغوص عن درره وكشف أحاجيه، ومن كلام القرضاوي المقبوح المردود سوء أدبه مع الخالق سبحانه حين صرح في معرض استنكاره ما يتحصل عليه المتحكمون من نسب عالية في انتخاباتهم منشؤها التزوير قائلاً: (حتى الله لو عرض نفسه لما نال هذه النسبة) تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيرا، هذا وقد أنكر شطحات القرضاوي فيما صدر عنه من تصريحات متشنجة وأحكام طائشة ثلل من كبار أهل العلم لا يداني المتملّق تلاميذهم.

5 – ولا أدلّ على ذلك من ملاحظات كهلان هذه التي كانت نصيحة هادئة مجردة كيف ضاق المتسلق بها ذرعاً فاضطرم واضطرب، ثم أدبر واستكبر، وتمخض هو وصنيعته فخرجا بهذا الرد.


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home