Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأحد 12 ديسمبر 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

عبقرية من كوكب آخر إسمها سلطة الشعب

أنا اختلف مع معظم الليبيين في شيء يقولونه دائمًا، وهو أنه يرون قد سلبوا حقًا لهم في عدم ممارستهم للسلطة الشعبية، وأنها سرقت منهم، وبالتالي فهم يعتقدوا بأنهم قد حرموا من أحد حقوقهم في الحياة وهذا الحق هو استلام سلطة الشعب.

لكني اعترض على هذا تمام الاعتراض، واعتقد بأن قول الليبيين هذا كان نتاجًا لما تعرضوا له من حملة تجهيل استمرت لأكثر من أربعين سنة، بحيث تم إقناعهم بوجود شيء اسمه سلطة الشعب، وأن الخطأ الوحيد كان يكمن في عدم تطبيق النظرية، وكانت ذريعة أصحاب النظرية في ذلك بأن الشعب في ليبيا يميل إلى الغوغائية بحيث كان سببًا مباشرًا في فشل المشروع العظيم والحل العبقري القادم من الصحراء وتحديدًا من تحت أسقف الخيام.

وهكذا صار هذا الشعب لا إراديًّا يلوم نفسه، ويتهم نفسه بالجهل والغبن والرذيلة لعدم مقدرته على استلام السلطة وبالتالي الثروة أو السلاح، وصار يتملق من ذلك بصب جام غضبه على اللجان الثورية التي يعتقد أنها ساهمت بشكل أو بآخر في حرمانه من حقوقه ونعيمه المفقود الذي كان يتوقع أن يعيشه.

والقليل من الليبيين كانوا يعتقدون بخلاف ذلك، وكانوا على يقين من البداية بحقيقة ما يحدث، وهم للأسف قلة بحيث لم يكن لهم أي تأثير في تغيير مجرى الأحداث نظرًا لوجود يد تضرب بعنف كل من تسول له نفسه قول الحقيقة.

والحقيقة أقول لكم يا سادة ليبيا الطيبين بأن هذه النظرية المزعومة لم تكن إلا كذبة إبريل التي انطوت علينا لسنين طويلة، فلا يوجد شيء على كوكب الأرض على مر التاريخ والعصور، ولا بخيال المفكرين والمبدعين والعباقرة، ولا حتى بكتابات الفلاسفة والحالمين يقول بأن الشعب يمكنه أن يحكم نفسه بنفسه، لأنه وببساطة حتى في دين النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- لم يحكم الشعب نفسه بنفسه، فقد كان الحاكم والأمير وأمير المؤمنين وقائد الجيش، والوالي والسلطان، وكل هذا كان في أيام الصحابة وعلى أيام دولة المسلمين التي تطبق شريعة الله على الأرض لم تكن سلطة الشعب، ولم يكن مطلوبًا في أي من الأديان أن يكن الناس سواسية، وذلك بدليل فرض الزكاة التي تمنح من الأغنياء للفقراء، يعني وبحكم الدين ينبغي أن يتكون المجتمع من فقراء وأغنياء وبالتالي يساعد الأغنياء الفقراء بأمر الشريعة، وبهذا تكون الأمور طبيعية وواقعية وبعيدة كل البعد عن الأحلام والخيالات.

ثم إذا صدقنا جدلاً بأن هذه النظرية صحيحة وهي إن تم تطبيقها التطبيق الأمثل يمكن من خلالها أن تتحقق السعادة الأبدية، وبسببها يمكن أن تبنى الحضارة، أيعقل أن يتركها من هم قد سبقونا بآلاف السنين إلى حيث الحضارة، أيعقل أن تتخلى دولة كاليابان هي قمة في الرقي والمجد عن نظرية بهذه الروعة وهذا الكمال، ألم يكن جدير بنا أن نلاحظ الغرب يتهامزون ضاحكين حين يشيرون إلينا بالتخلف، تحكمنا البدع وتعبث بنا أيادي وأفكار اللامنطق.

لماذا لم نرفض الفكرة في مهدها ونقضي عليها قبل أن تستفحل فينا وتقودنا إلى الهاوية، لماذا لم نقل لصاحب النظرية دع عنك هذه الأفكار، فنحن لسنا بحقل للتجارب، نحن نريد بلاد كبقية دول العالم، تحكمها القوانين كما في أمريكيا وفي بلاد الغرب، نريد نظامًا بديعًا يفرض فيه القانون قوته بحيث يكون الجميع تحته سواسية، يحترمه الجميع ويسير في ظله كل كائن فوق الأرض، لماذا لم نوقن بأن بلادنا خلال فترة الخمسينيات والستينيات وبرغم الاستعمار وقبل قدوم النظرية كانت أكثر نظافة ونظامًا، لماذا لم نتذكر وقتها بأن هؤلاء الليبيين وبرغم عدم وجود النفط حين ذاك كانوا يشاهدون الأحداث الرياضية من سباقات سيارات الفورمولا ومباريات كرة القدم وهم مرتدين البدل الأنيقة وربطات العنق، لماذا لم نوقن بأن شوارع مدينة طرابلس كانت على تلك الأيام أكثر وقارًا واحترامًا ونظافة، وأن شعبها كان أكثر أدبًا واحترامًا، وأن السيارات في تلك الأيام كانت تصف بجنبات الطريق بشيء من الإبداع، وأن طيور الحمام كانت تقف على الأكتاف والأيادي دون خوف أو رعب، لماذا لم نفهم تلك الأيام بأن الحاكم والرئيس والملك والقانون هم شيء من النظام وأن رقي الشعوب لا يمكن أن يأتي إلا بالنظام، وأن سلطة الشعب المزعومة هي الفوضى في أشنع حالاتها، هي منتهى الفوضى، هي الفساد في الأرض وفي العباد، هي الدمار والخراب والتخلف وأكياس القمامة، هي السارق المسئول يسرق بيت مال المسلمين دون شعور بالخوف من العقاب، هي آلاف من المرضى على المعابر والحدود، هي أن تصير دولة المختار البقرة الحلوب، هي هدر للأموال بحسب المزاج والتقلبات، بحسب رغبة صاحب الجلالة وملك الغاب وملك الملوك، هي عند الصباح عداء للغرب وسبه وشتمه وإحراق لمنشآته ونعته بالفساد والكفر والإلحاد وهي عند المساء رقص وغناء وجلوس بكبرياء مع شانقي المختار، هي دعوة لابن الشهيد بضرورة الحضور، هي الصداقة بعد العداوة والتقلب والحركة الدوؤب كل لحظة كي لا تخرج من الكيس الفئران، هي حقائب الأطفال في المدارس يملأها الجهل والغش، هي خوف من المجهول القادم، ومن إسقاط المنازل ومن سقوط الكبرياء على الطريق حيث المعابر، هي كأس من الفوضى تجرعناه جميعنا إلى حد الثمالة، هي المضي إلى البداوة بسرعة الصاروخ، هي أرق وألم يفتك بالرؤوس، هي يا سادتي المضحك المبكي وأفكار أبو دبوس، هي عارنا ويا له من عار وقد عاش فينا العمر بأكمله.

لا تتأملوا خيرًا ولا تتفاءلوا، ولا تغريكم الشركات والعربات والهدم والبناء وآلاف الرافعات، لا تغريكم الطرق وبجنباتها الخنادق على امتداد النظر، فكل ما يحدث حولكم هو ليس لأجلكم، بل لأجل أن تمتلئ الجيوب، كل ما يحدث من حولكم من عمار ليس تغيرًا ولا رجوعًا إلى الصواب، إنها مجرد أوامر يتم تنفيذها لأجل أن تستمر اللعبة وفق شروطها المتغيرة، فعبثًا نحن حالمون، والحقيقة التي يجب أن تصدقوها هو أن ليبيا ستظل بؤرة الفساد، وستبقى أموال البترول تضخ بلا هوادة كي يحكم الباغون مدى الحياة، وستبقى يا شعبي البطل في حيرة بين قسوة قراتسياني وأناقة برلسكوني، وبين مصدق ومكذب بأنه كان يمكن لشيء اسمه سلطة الشعب أن تتحقق لو تم تطبيقها، عش حالمًا ولك الله.

واعلم يرعاك الله أن كلمة سلطة الشعب لم تكن إلا نوعًا من الأفيون لجعل الفقراء يضحكون برغم الأسى والمرارة، هي أسوأ ما حدث لليبيا على مر التاريخ، هي أشد فتكًا من حكم الأسبان والطليان، هي الموت البطيء بطعنة في الظهر من أيادي الأصدقاء، هي لم تقم لأجل أبناء البادية والأرياف الطاهرة والقرى الحبيبة، بل قامت لقمع كل هؤلاء، ولن يرحمنا التاريخ يومًا لأننا كنا بكل هذا الغباء.

مواطن الجبل


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home