Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأحد 11 اكتوبر 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

40 عاما.. أزمة العقل الليبي

لا أود في هذه العجالة من العرض استفزاز فئة النخبة المثقفة من مجتمعنا الليبي ونسيجه الفكري والحضاري العقائدي والفكري علي اختلاف منهاجهم ورؤيتهم ، ولا استخفاف بالعقل الليبي في عمومه حيث اثبت الكثير منهم ، علي جدارة واستحقاق قدرهم ومعينهم الفكري والثقافي ، ورصيدهم المتزن سواء علماء الشريعة والفقهاء وأهل الاختصاص في العلوم التطبيقية والمهندسين،، والعلوم الإنسانية والتاريخية ، والفنون والآداب وأهل اللغات والبحوث والمدرسين ، وحتي من الشريحة التي لم يتهيأ لها فرصة مواصلة الدراسة وطلب العلوم ، اللهم إلا جهودهم وتعليمهم الذاتي ، وأيضا لابد من التنويه أن العقيد القدافي وجل زملائه الضباط والعسكريين علي مختلف مراتبهم لم يتم لهم المنهج الفكري والثقافي وحتي العقائدي المتكامل ، حيث كانت محصلة رصيدهم الثقافي والفكري في إطار الفكر والعقلية العسكرية "المبرمجة والمعدة أصلا " من المنهج الانجليزي والطلياني ، وقراءات متناثرة هنا وهناك من عطايا وأطروحات الفكري اللينيي والصيني ، وظهر ذلك جليا فيما اسماه الكتاب الأخضر بفصوله الثلاثة من وأفكار مثقفي مرحلة الانتعاش الفكري القومي الناصرى، ثم كتاب ومفكري " تجاوزا " مرحلة الستينات والسبعينات ، والقليل من الخمسينات الذين تتلمذوا في معاهد التعليم الايطالي والانجليزي ودار المعرفة الأمريكية ، او تأثيرات التيار البعثي ، والثقافة والفكر المصري والشامي ولا حاجة للتدليل وبرهنة ذلك ، فالتاريخ مكتوب مسجل ويكفي إن غالبية الكتابات والبحوث والتراجم اعتمدت علي مرجعية المكتبة الايطالية والانجليزية وبعضها قبطية أو شامية .

إن أزمة الأمة كما أشار إليها من المفكرين والباحثين وقطرنا خاصة " أزمة فكرية بحتة " ، أزمة تخلف حضاري ، أزمة تسلط وتحكم وقهر سياسي ونفسي ، وضياع اجتماعي وأخلاقي ،أزمة انعدام الثقافة الفاعلة ، أزمة عدم الفاعلية ، فنسبة الأمية في امتنا أمر خفيف ، والمقصود هنا ليس الأمية الأبجدية بفك الحروف ، ولكن قابلية المجتمع وفاعلية التعامل مع الحداثة الحضارية ، وطرق الاتصالات والوصول والتعامل مع المعرفة التقنية والإنسانية .

ومن تقرير اليونسكو حول الأمية والتعليم في العالم العربي أمر مخيف حيث تجد الملايين من امة " اقرأ " لا تستطيع تفك حروف ابسط الكلمات ، وان الملايين من الأطفال لا تستوعبهم الصفوف الدراسية من ذلك اقتصرت وسائل المعرفة في الأمة ككل ، واعتقد منها وطننا الغالي وللحق لم اعرف نسبة موضوع الأمية والتعليم ، علي الوسائل التقليدية أو الوسائل الشفهية ، وعلي الخطابات الشعوبية التي تتوجه نحو الغرائز والعواطف ، أو الخطاب الدينى التقليدي ، وغالبا علي عن طريق الأخبار التداولية بين العائلات والقبائل وأحاديث العجائز والمرابيع، وهذا واضح كيف استغل النظام الأحادي في تهييج عواطف الشعب وجرهم لسنوات ، مثل مظاهرة المليون في طرابلس إلي ما يرجوه حتي الوصول به إلي هذه المرحلة الحرجة في وطننا وما ترتب علي ذلك من انعكاسات فكرية وثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية علي المجتمع ، ولكن الواضح إن التخلف الفكري الليبي واضح أو فاقد الفاعلية ، وصعوبة شحنه وتعبئته وحشده وراء أي قضايا عصرية تقدمية ، أو قضايا البيئة وحقوق الإنسان وحقوق المرأة والطفل ، أو الديمقراطية، أو قضـية التغيير ، لا يسـتحق من هذه الفئة الجماهيرية التضحية والذود عنها ، وتبنيها ، ثم دعمها بما يمكن إنجاح مشاريعها السياسية ، أو الإصلاحية أو حتي التنموية اقتصادية أو اجتماعية لصالح الشعب ، وهذا أهم أسباب فشل المعارضة الليبية في استقطاب الشارع الليبي .

لقد نبه الكثير من العلماء والمفكرين خاصة في العصر الحديث من البارزين منهم في العلوم الاجتماعية والدراسات الاقتصادية والعلوم التطبيقية بوعي تام بأن واقع الأمة اليوم من تخلف وفساد وكساد ثقافي وفكري وأدبي وفني وتبعية ذليلة للقوي الغربية خاصة ، وإهمال استخدام العقل ، وتعطيل خاصية التفكير والتدبر والنظر بروح إبداعية ، باحثة في المسخرات الكونية لا يمت بشئ إلي حقيقة وجوهر الرسالة الخاتمة للبشرية حيث أوضحت المنهجية الإلهية غايتها وأهدافها ابتداء من إخراج الإنسان والناس جميعا من الظلمات إلي النور ظلمات الجهل والخرافة والكهانة وتقديس القساوسة وأولياء الأمر والتوجه السوي إلي حكمة المبدع الخالق في إقامة العدالة السياسية والنهضة الاجتماعية والاقتصادية ، ورد الأمانات إلي أهلها ومستحقيها في قيادة سفينة الحياة والإبداع والتنافس . فليس عبثا أو اعتباطا أن تختم الرسالة والوحي بإكمال الدين وإتمامه نعمة ورضي ، ليؤكد سلامة المنهج والنظام المتجددة لتلبية مصالح الشعوب ، ووجود الحلول العملية والعلمية للمشاكل المعيشية اليومية ، وتدعو وتحث وتدفع إلي التجديد وتطوير الحياة ذاتها زمانا ومكانا ، وحتي ظروفها السياسية ومتغيراتها الاجتماعية والاقتصادية والمناخية ، أو كما قال احدي علماؤنا " أن الإسلام هو القوة ، والقوة لا تتحرك من تلقاء نفسها ، وعقولنا هي التي تحركها في المسار الصحيح أو غير الصحيح ".

ولهذا قد يجد المرء بعض المصوغات أو العذر للكتابات والتحليلات من بعض الأقلام الليبية الشابة منها ، أو حتي من هم من وصلوا قريبا إلي عمر الشيخوخة و الكهولة في النقد والطعن السريع في أساسيات في المنهج الإسلامي خصوصا ، أو في بعض رجالات المد المعرفي الفقهي والعقيدي والتاريخي ، أو حتي بوجود الرب ، ومصداقية رسوله ،حيث يبدو قصورها ومشكلتها صعوبة التفريق بين المنهج الإلهي ، والعلاقة بين العقل والوحي ، ومحاولة تطبيق المعركة والخصومة الشرسة بين الكنيسة الممثلة للدين والحكم الملكي الإقطاعي وموقفهم من العلم والعلماء وربطها ، ومقارنتها بأوضاع امتنا المتهرئة بأي تحرك فكري نهضوي إسلامي، ثم جر مواقفهم الخاصة أو اختلافهم مع الإفراد ، إضافة إلي قراءات استشراقية زادت وأنقصت في معركتها أساسا مع المنهج التوحيدي ، ورفضها لان يكون المنهج الأجدر لتحرير الإنسان ، وإرساء العدل والحق واحترام العقل والدفع به إلي التفكر والإبداع والعطاء لتحقيق استخلاف الإنسان للأرض ، وتوظيف مسخراتها الكونية والعقلية بما ييسر وينفع مسيرته في الأرض والاستعداد ليوم الرحيل .

ويجب أن نعي أيها القارئ الكريم أن هناك عوامل كثيرة في قضية التمكين والاستخلاف حيث تجري كلها ضمن الأسباب الربانية في قضية التداول والتمكين فهو " يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء " علي دراية و علم مسبق ، فلا محاباة ، ولا تحيزا اللهم تمشيا مع سياسة ومقتضيات فترة " الغثائية " التي تحيياها الأمة اليوم ، مرحلة الملك العضوض ، خاصة الانقلابات العسكرية التي اجتاحت الأمة بعد زوال الاستعمار المسلح ، وبقي الاستعمار الفكري والايدولوجيا والسياسي والتعليمي علي وجه الخصوص ، ورغم ذلك فزوال هذه الأنظمة أو الحالة الحرجة يبدو زوالها في الأفق البعيد القريب .

يقول العلامة المفكر محمد عبدالله السمان " لقد نهض الغرب أخيرا عن طريق العلم ، وقبله بقرون عديدة بلغت الأمة المسلمة ذروة النهضة عن طريق العلم ، ثم تراجعت أخيرا مع أنها صاحبة فضل علي نهضة الغرب ، والبحث ضروري عن أسباب تخلف امتنا المعاصرة .. ولاشك أن قطب الدائرة لهذه الأسباب هو تخليها عن العلم بمفهومه الواسع ، وتجاهلها مطالب الحياة الرئيسية التي توفر لها الحضارة والازدهار والتقدم ."

وأضاف " إن رصيدنا من التراث الفكري وفي شتى النواحي كبير ، ولكن ليس كله صالحا لتحقيق مطالب الحياة المعاصرة ، إننا نعيش عصر التكنولوجيا ، والالكترونات واقعا لا سبيل إلي تجاهله ، ولكننا ما نزال مصرين علي اجترار ما دونه .."العلماء سو، سواء في الزهد أو التصوف .

وأشار المفكر الإسلامي مالك بن نبى لنفس المعني بقوله " وعندما يكون الفكر الإسلامي في حالة أفول ، كما هي في حالة الوقت الحاضر ، فإنه يغرق في التصوف ، وفي المبهم وفي المشوش ، وفي عدم الدقة ، وفي النزعة إلي التقليد الاعمي ، وفي الإعجاب بأشياء الغرب ".

التقليد الاعمي والفشل في استيعاب ايجابيات الحضارة الغربية وما ترتب علي ذلك : إن شباب امتنا وقطرنا الليبي خاصة ، غارق إلي إذنيه في عملية التقليد الاعمي لما هو غربي سواء في اللباس ، والأكل والشراب والعلاقات الاجتماعية وحتي طرق الحديث والمعاملة ، وما لا يخفي عليكم ويكفي استعراض الوسائل الإعلامية المكتوبة والمقروءة أو الفضائيات العربية " خاصة الممسوخة ماكرة التغريب والتغريب" ودورها في تشتيت العقل والفكر والوعي بالماضي ، ودراسة الواقع المعاصر ، واستشراف المستقبل بنظرة فاحصة ، ومتمعنة ، وناقده حقيقية تنبع من معين الأصالة والحضارة والتقدم ، وخصوصية ثقافتنا وعقيدتنا وظروفنا المتميزة ، ويعيش شبابنا روحا وجسدا ومنهجا تعليميا حالة الإرباك والإعجاب الشديد الغير متوازن لكل ما هو غربي ، لكن الأمل عظيم حيث مهما كانت موجة الإفلاس الفكري فان المعين الروحي إلي تقدمة حضارته ، وأعظم واجد مما عجزت الحضارة المادية اليوم لتقدميه لمواطنيها ولشعوبها وبهذا زالت وافلت الحضارات المادية ، رومانية وإغريقية وهندية وهندوسية ، وزوال حضارة الغرب واضح جلي للعيان وأصحاب العقول النيرة منهم الذين نبوه بالخطر القادم ولازالوا يقرعون جرس الإنذارات، ويكفي أن تبحث وتتأمل في حالات ومعدل نسبة الانتحار ، والكآبة والبؤس والعوز في أقطارهم ، سيكفيك ذاك ؟

من كان يصدق يوما مضي أن الأب أو الأخت والعم سيسمح لابنته أو أخته ستعمل وتظهر في التلفزة كاسية عارية وملطخة بالإصباغ والأحمر والأسود ، والروائح وما هو واضح للعيان ؟ من يصدق ؟ هل التقدم والتمدن عن طريق كشف الشعر والصدر واللحم من قليل من المذيعات ومقدمات البرامج مثل صباح الخير ياجمهورية ؟ وياله من تقدم ؟ لقد تجلت أزمة العقل الليبي علي مستويات سياسية وعقائدية أيدلوجية وأخلاقية ، واجتماعية واقتصادية ونفسية أيضا، وحبذا من أهل الاختصاص إبرازها، وتحليلها، ونقدها بموضوعية وشفافية، ووضع الحلول الناجعة لها . قلنا مرارا وتكرارا ليس من الأولويات والأهمية فقط بناء ناطحات السحاب والأسواق الكبيرة والبروج المشيدة والطرق العملاقة وإدخال التكنولوجيا الحديثة المعاصرة والمعقدة بعض الشئ ، ولكن الأهمية تتركز علي بناء الإنسان الواعي القادر علي استيعاب الحداثة والياتها ، والتعامل معها وإتقانها والقدرة علي إصلاحها وحتي اختراعها . وليس فقط محو الأمية وقدرة المواطن علي فك الحروف ، ولكن كما أشرت في ثنايا المقال هى قدرة المواطن علي الرؤية التحليلية ، والنقدية والتمعن في الحوادث والأشياء ، وإطلاق حريته نحو الإبداع والعطاء ، والتمتع بحقوقه المدنية والإنسانية كغيره من شعوب العالم.

إن أزمة العقل الليبي أننا شعب لا يقرأ ، اللهم القراءات السطحية المستعجلة ، ولعلك تعجب إن الكثير من طلاب الجامعات لا يستعملوا الكومبيوتر والانترنيت إلا في تبادل البحوث والاميل ، والكثير منهم وبصعوبة يصل إلي عالم الانترنيت ناهيك عن امتلاك أجهزة الكومبيوتر ، فماذا عن طلاب الثانويات أو....أو ؟ لا يتصور العقل مسار مسيرة أربعين عاما ولازال الوطن يئن بعشرات المتسولين ، وعزوف الآلاف من الشباب للتعلم حتي المهن الحرفية أو إتقان الطباعة والنشر ، ومعدل العنوسة ونسبة الطلاق ، والإمراض الاجتماعية وتفكك الكيان الأسري ، والفساد الأخلاقي والإداري، وما يطوله ذكره ، ولا هضم الجرائم البشعة التي ارتكبت في حق مواطنينا ون شنق وقتل ومن زج بهم غياهب السجون ، كما حدث للعالم الشيخ البشتي أو أخي الشيخ مبروك غيث أو صديقي دكتور جمال الورفلي أو لجارنا أيام زمان المحامي محمد حمي ، أو دكتور النامي ، أو الأخ عبدا لله الشيباني أو أخونا المقدم حواس ، أو جريمة سجن بوسليم أو غيرهم الكثير، أو الفشل في المئات من المشاريع وعمليات النصب والاحتيال والصفقات ، وما يعرفه القاصي والداني .

ماذا سيقول هؤلاء المجرمين ، والمنافقين والمتزلفين للشعب الليبي ؟

إن لكل شئ نهاية ولابد ، وكل نفس ذائقة الموت، وإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، وسنموت جميعا ، وسيموت معمر القذافي وأهله جميعا ، ولك أن تتخيل ممكن إن يكون قريبا ، فماذا سيقولون ويبررون ماسيهم وظلمهم ونهبهم ، وتبذيرهم لخيرات شعبنا الوطني الأبي ؟

ماذا سيقول محرري الصحف والجرائد ، ومؤلفي الأغاني والأهازيج والشعر ومن قال " لولاك يا معمر ما أصبحنا هكي " أو لولاك ما حقننا أحلامنا ، وياسلام اللي حررنا واللي طورنا ، أو المنافق الدعي الذي صرخ قائلا " بفكرك ياحكيم ، ملك الملوك مقامك زين ". أو " الماء انفجر غصبنا عنه ".

ماذا سيقول الرفاق وأولادهم ، ومواليد الفاتح في تمجيدهم وتعظيمهم لقائدهم لدرجة :انه نبي مرسل للبشرية ، ولولا شئ من الحيطة والخوف لقالوها غير مباليين ، وابحث في سجلاتهم وأقوالهم وندواتهم واحتفالاتهم لتعلم عمق مشكلة العقل الليبي وتخلفه المقيت .

ماذا سيقولن قريبا ، وكيف سيبررون راية النفاق والتزلف والكذب ، والذين يتغنون باسمه ، و خلقوا له الأمجاد والمآثر ، وأخيرا اعتبار مدرسة سبها وثانوية مصراته معالم أثرية وفكرية ؟ دع عنك المواقع الكترونية التي ضيعوا فيها الآلاف من الدولارات ، أو تلكم عمليات التجسس الكتروني ونشر الفضائح دون أدب واحترام ، أو قليلا من الحياء والحشمة، وما يكتب هنا أو هناك .

النهاية قادمة مئة في المئة كما نقول في داخل وطننا ، فلينهض الجميع لفك طلاسم العقل الليبي بعمومه ، وبناء الوطن علي أسس من العقل والعلم ، وأسس من العدالة والحرية وحقوق الانسان ، والمساواة وتطبيق القانون ، وبناء دولة المؤسسات،.

عبدالعزيز أحمد
________________________________________________

ملاحظة : فكرة المقال كنت قد وضعت بعض من هذة النقاط لسنوات مضت ، ثم قرأت بعض الصفحات من كتاب " ازمة العقل المسلم " ومقال قصير " 70 مليون في امة اقرأ " .


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home