Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأحد 11 يناير 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

دستور 1951م

كثرالحديث في اليوميين الماضيين في ساحة المعارضة الليبية في الخارج عن المسألة الدستورية وتركز حوارها على صفحات الإنترنيت حول دستور 1951م ، وهل يعد أساسا صالحا لخطاب المعارضة في مناداتها بالعودة للشرعية الدستورية من عدمه ؟ ، ولقد جاء هذا الحوار عقب إصدار بعض المعارضين الليبيين في الخارج لما سمى بوثيقة 24 ديسمبر والتي تضمن خطابها الدعوة الى وضع دستور جديد للبلاد عن طريق جمعية وطنية منتخبة بعد اسقاط النظام الغاصب ، وهو مايعد في الحقيقة قفزا وتجاوزا لدستور أحسب انه مازال قائما .. ولكم تمنيت من أصحاب الوثيقة ان ضمّنوا خطابهم بطرح دستور 1951م على الجمعية المنتخبة لتقرر عليه التعديل الذي تراه ، عوض ماطرحوه ، وهذا في تقديري من باب أولى !

لست في وارد التعليق على ما جاء في الوثيقة المذكورة التي لا أرى فيها سوى برنامج تضمن جملة من الرؤى والأفكارالتي تعبر عن قناعة مصدريها لا أكثر ولا أقل ، وإنما ما عنيت به في هذا المقال هو القاء الضوء على بعض النقاط الجوهرية حول دستور 1951م وهي إعتقادات يرى البعض أنها من المآخذ السلبية عليه وتجيز لهم تجاوزه وطرح دستور بديل عنه .

وقبل الشروع في ذلك أودّ أن أشير الى مسألة مهمة كنت قد تطرقت اليها في مقالات سابقة بصورة عرضية ، وهي انه لا ينبغي لنا أن نتعامل مع دستور 1951م على أنه دستور عادي كأي دستور وجد ووضع في ظل دولة قائمة ، بل على العكس من ذلك، فهو دستور منشيء للدولة ويعد وثيقة الاساس بالنسبة لها ، جاء عقب مرحلة إحتلال ، إذ لم تعرف ليبيا في سابق عهدها كوحدة سياسية كما بينها دستور 1951م ، فحتى قبل مرحلة الاحتلال في عهد الادارة العثمانية وماقبلها ، لم تعرف إلا كولايات وفقا للتقسيم الإداري الذي كانت تعتمده السلطة العثمانية في زمن المشروطية ودستور 1908م. بل لم تكن حتى جزء مكوّن لاتحاد فيدرالي أو كنفدرالي للدولة العثمانية التي هي في الاصل لم تكن دولة اتحادية بطبيعة الحال طبقا للمفهوم القانوني ، ومن ثم ينبغي لنا ان ننظر اليه كما ينظر المواطن الاميركي الى شرعة الاستقلال الصادرة في4/7/ 1776م أو دستور الاتحاد الصادرفي 17/9/1787م والذي لحقه ما يربوا عن 25 تعديلا . وليس ذلك من باب المبالغة أو الغلوّ المتوّلد عن عاطفة عمياء، وانما حقيقة يجب علينا ان ندركها تماما، فلم لايكون لنا أساس دستوري نبني عليه لبنّات دستورية تترجم تطلعاتنا في كل مرحلة من مراحل حياة الدولة ؟ أم أننا جبلنا على عشق الألغاء والتمرد العبثي على أنفسنا حتى ولو طال وجودنا فنقرر إلغائه !!

من هذه الرؤية تجدني أتعامل مع دستور 1951م ولحقيقة كامنة في وجداني وهي أنني ماترعرعت في كنف الأباء الذين وضعوا لي هذا الدستور وشيدوا لي هذه الدولة كي أبخس جهدهم أو أطعنهم بثقافتي التي إن لم يكونوا سببا مباشرا في إكتسابي لها ، فهم بالتأكيد كانوا سببا غير مباشر في تكوينها، وان جهدي ينبغي ان ينصب على تطوير مابنوه لي وفقا للتطلعات والآفاق التي نعيشها { الآن !! } ولا أعتقد ان الأساس الذي وضعوه لي – أى دستور 1951م – عاجز عن تحقيق ذلك - أى في عدم إمكانية التطور- وفق ماتمليه { التطلعات الحضارية الآن !! بل وغذا أيضا !!} إذ لا علينا ان ننسى تتطلعات الاجيال المقبلة !!! .

هذه مسألة أساسية أردت توضيحها حتى لا يكون تعاملنا مع دستور 1951م بنظرة فوقية متعالية فنظلمه بثقافتنا الحاضرة ، وقد يرى البعض مجانبتها للصواب ومع ذلك تظل بالنسبة لي حقيقة ثابتة .

أما ما يتعلق بالنقاط الجوهرية التي هي في تقديري إعتقادات يراها البعض مآخذ سلبية على دستور 1951م فإنني سأتناولها فيما يلي :

أولا / يرى البعض ان أختيار أعضاء الجمعية التأسيسية التي وضعت الدستورجاء بطريق التعيين وليس الإنتخاب ، و يعد ذلك منقصة لها ومن ثم هم ينادون بوضع دستور جديد تضعه جمعية وطنية تأسيسية { منتخبة وليست معينة !! } .

صحيح أن الجمعية التأسيسية قد جاءت بغير طريق الانتخاب ، ولكن ألا يسمح لنا ذلك بالعودة الى تلك اللحظة التاريخية للوقوف على الأسباب والمبررات التي أدَت الى إختيارها بألآلية التي أختيرت بها حتى يمكننا الاقتناع بها من عدمه ؟ .

لاشك ان طريق الاختيار الذي تشكلت بموحبه الجمعية الوطنية التأسيسية لم يأت عبثا ، وانما أملته جملة من الاسباب والظروف ، سأحاول ان أوجزها في ثلات اسباب رئيسية :

1/ أن الوضع الاقليمي الداخلي كان فارضا نفسه وبقوة وهو متأصلا تاريخيا ،ساهم التقسيم الاداري في العهد العثماني بقدر كبير في ترسيخه في ذهنية البعض حتى تولّد الشعور لدى إخواننا في برقة بأن إقليمهم يمثل وحدة إدارية مستقلة تتبع الإستانة مباشرة – وهذه حقيقة يدركها كل باحث في القانون الاداري إذا ما تطرق بحثه الى تاريخ الادارة المحلية في ليبيا – ورأو في ذلك ان إقليمهم يمثل وحدة سياسية كان يتبع مباشرة للإستانة ، شأنه فى ذلك شأن إقليم طرابلس ، وعلى أساس هذه الرؤية كان لهم وفد مستقل عن وفد طرابلس الذي قدم للأمم المتحدة و سمحت له اللجنة السياسية بجمعيتها العامة بالمشاركة في النقاش حول المسألة الليبية ،فضلا عن ذلك فإن القرار الصادر عن الجمعية العامة في 21/نوفمبر/1949م كان قد كرّس هذا المفهوم ضمنيا حينما نص في فقرته الاؤلى على : " أن تصبح ليبيا المتكوَنة من مناطق برقة وطرابلس وفزان دولة مستقلة ذات سيادة . " ومن الطبيعي والحال كذلك ان يطالبوا بمساواتهم من حيث عضويتهم في الجمعية التأسيسية على قدم المساواة مع إقليم طرابلس الذي يفوقهم كثافة سكانية ، ونفس القول ينسحب على إقليم فزان ، فالعنصر الديمغرافي وتوازنه في مثل هذه الحالات يظل عنصرا مهما ينبغي مراعاته .. فمسألة المساواة العددية هنا أعتقد أنها سببا مقبولا في إقرار آلية الاختيار ، لأن العضوية هنا تمثل المناطق ولا تمثل الشعب بكامله ، فالعضو ليس نائبا عن عموم الشعب وفقا لفكرة النيابة ، بل هو ممثلا لمنطقة وردت في قرار الأمم المتحدة .هذه الوضعية يصعب معالجتها بطريق الإنتخاب في ذلك الوقت .

2/ ان طريق الانتخاب - لا سيما ا لمتعلق بالجمعيات التأسيسية التي يناط بها وضع الدساتير- يعتمد في نجاحه أساسا على مدى نضج الكثلة الإنتخابية أو الجسم الإنتخابي وعادة ما يراعى فيها المستوى التعليمي كعنصر اساسي يجب ان يكون متوفرا بشكل معقول لدى الناخب والمنتخب الذي يشكلان الجسم الإنتخابي ، والحالة الليبية كما هي في سنة 1948م وحسبما يوثقها لنا تقرير اللجنة الرباعية التي عرفت ب"هيئة التحقيق الرباعية " التي زارت ليبيا ومكثت فيها إحدى عشر أسبوعا متجولة في مناطقها المختلفة الذي جاء فيه " .... أن 94 في المائة من السكان أميّون ، ولا يوجد بها مايزيد عن 15 ليبيا متخرجا ، ودون ان يكون فيها طبيب واحد " . ( * )

.أهذه حالة تشجع على إنتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور دائم للدولة ؟!. ناهيك عن الوضع القبلي المعروف . أم أن الأحزاب السياسية المتطاحنة في ذلك الوقت - والتي للاسف الشديد أستعارت منها حالة المعارضة الآن نظرية التخوين والمراوغة السياسية الساذجة في بعض الاحيان والتي تصب في المصالح الضيقة وفقا لأفقها الضيق ! - كانت قادرة بالفعل على إنضاج ذلك الجسم الانتخابي ، وزعماؤها تتجادبهم تيارات أقليمية ودولية وتطحنهم النعرات الشخصية والجهوية ؟ ، اليس الحالة بهكذا وضع لا تشجع على آلية الانتخاب ، الذي لو حصل سوف لن يزيد الامر إلاَ َ سوءا وستدخل ليبيا حتما في برنامج الوصاية الدولية وستتفرق الى أقاليم مشتتة يصعب في تقديري وفي ظل المناخ الدولي الذي ساد فترة الخمسينات ان تتحصل ليبيا على إستقلالها .

3/ وهو سبب كان قد أبداه السيد أدريان بلت بأنه لم يكن يوجد وقت للإنتخاب في ليبيا ، إذ كانت ستنال إستقلالها في نهاية 1951م ، وهو مبرر أجده مقبول لرجل دولة حمل أعباء مسؤلية تهيئة دولة ( متخلفة للأسف ) وتوفير المناخ اللازم لاستقلالها في فترة زمنية ضيقة . مع أنني لا أجد فيه مبررا وحيدا وانما مضافا الى المبررات السابقة ، التي تنهض في مجملها مبررا كافيا لاختيارتلك الآلية .

فإزاء هكذا وضع لا يجد المرء إلا القبول بالآلية الواقعية التي تم بها إختيار الجمعية الوطنية التأسيسية ، وأن يوجه الشكر والثناء لأعضائها الذين بالفعل وتحت وطأة الظروف السيئة " التي هي غير ظروفنا نحن الآن !" أستطاعوا أن يضعوا لنا دستورا بأختيارهم لأفضل النصوص التي عرضت عليهم سواء من حيت تحديد هوية الدولة ، أو مفهوم السيادة فيها وتوازن السلطات وغيرها من المفاهيم الدستورية والحقوقية التي كانت شائعة في ذلك الوقت في أدبيات القانون الدستوري ، مراعين في ذلك خصوصية الواقع الليبي ، إذ وكما هو معلوم لدى فقهاء القانون الدستوري ان نظام سياسي لدولة ما لا يصلح ان يكون توبا لدولة أخرى وانما الدول تختار ما يناسبها دون إهدار للمباديء الدستورية والحقوقية الأساسية .

ان من يرى غير ذلك في آلية إختيار الجمعية التي تمت بها ، فإنني أدعوه ان يخرج عن زمنه ليعود الى ذلك الزمن مع خلع توب ثقافته الذي يرتديه ألآن ويعيش بثقافة ذلك الوقت ويرينا المعالجة الأنسب الذي غفل عنها رجال ذلك العهد !!!!

ليبيا في تقديري أختارت في دستورها سنة 1951م النظام السياسي الذي كان مناسبا لها . . فالملكية الدستورية كانت من أفضل النظم التي تنسجم والواقع الليبي ، علما بأن النظم السياسية الدستورية لا يوجد فيها ما هو رجعي متخلف ويساري متطرف أو قديم بالي وحديث متطور، فجميعها يحكمها الضابط الدستوري وعلى الشعوب ان تختار مايتوافق مع واقعها ويهيء لها عوامل الاستقرار والنمو ويحقق لها السلم الاجتماعي . وتبقى المسألة الأهم هي دسترة المجتمع وليس دسترة الحكم !! ، أيضا نجد أن إختيارصيغة الاتحاد الفيدرالي كانت مقبولة في تلك الفترة حتى تطمئن النفوس ويدرك الليبيون أصحاب النظرة الإقليمية أنهم جميعا جسد واحد وأنه لا غلبة من أحد على أحد وهي مسألة تقافية كانت تحتاج الى وقت لترسيخها .

ثانيا / حول الغاء دستور 1951م :

أقرأ وأسمع كثيرا في إستغراب عن إلغاء دستور 1951م . . فمن الذي تفضل بالغائه ؟ ! .

ان الغاء دستور 1951م ورد في المادة 33 من الإعلان الدستوري الصادرفي 11/9/1969م حيث نصت على أنه " يلغى النظام الدستوري الصادر في 7/اكتوبر/1951م وتعديلاته ومايترتب على ذلك من آثار. " ولقد جاء في ديباجة الاعلان انه صدربإسم الارادة الشعبية !! التي عبرت عنها القوات المسلحة في 1/9/69م . فالاداة التي اصدرت الاعلان والغت بموجبه الدستور هي مجلس الانقلاب ، فهل هي أداة شرعية !!؟ هل تملك ذلك ؟ . عجبا لمن يردد مقولة الالغاء دون أن يدري أنه بتسليمه بها يعني إعتراف بشرعية أداة الالغاء ، أى بمجلس قيادة الثورة .. . فعن أى الغاء يتحدث البعض ؟ !!

حتى هجران الدساتير وحجبها عن الواقع بقوة السلاح لا يعد الغاء لها .. فيا سادتي لأجل ذلك نقول ان دستور 1951م حيّ باقي وهو فارض نفسه بحضوره لم يسقط ولم يلغ فلا تكفنوه وتقبروه وهوحيَ .. من حقكم ان تتمسكوا به وان تصرخوا في وجه كل من يريد العبث به أو تبخيسه من غير الأمة التي صنعته ، لأنه شهادة ميلاد دولتنا ووثيقتها الأساس . . ومن حقكم ان تسعوا لتطويره بما تمليه تطلعاتكم الحضارية { الآن وغذا أيضا . ومابعد غذ }

فلا يخدعنكم من أصيبوا بخداع الحواس !

محمد أمين العيساوي
________________________________________________

(*) أورده جون رايت في مؤلفه " تاريخ ليبيا " تعريب عبد الحفيظ الميار وأحمد اليازوري الناشر دار الفرجاني / الطبعة الأولى1972م /ص 184 .


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home