Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الإربعاء 10 فبراير 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

القذافى قاضي القضاة

حين أعلن القذافي أنه أصدر حكما يقضي ببراءة عشرة أشخاص كانت المحاكم قد حكمت عليهم بالإعدام لإدانتهم عن جرائم قتل عمدية ، وصرح أيضا أنه أصدر حكما يقضي بسجن واعتقال مجموعة من المواطنيين الليبيين تقدر بثلاثمائة شخص كانت محاكم القذافي قد قضت ببراءتهم من التهم المنسوبة إليهم .
لانه رأى وجوب بقائهم محبوسين ، وما أن قال القذافي ما قاله حتى انفجر ما يسمى ب مؤتمر الشعب العام تصفيقا للقائد وتأييدا لما بدر عنه .
ولا يستطيع عاقل أن يفهم سبب ذلك التصفيق أو التأييد ؟ هل هو الرضا والقبول بالاستبداد والقمع والقهر اللا محدود ؟ أم أنه الجهل المطبق أم اللامبالاة في أحط وأقذر صورها ؟
فما صدر عن القذافي ليس في حقيقة الأمر إلا انتهاكا للحقوق والحريات ، والاستخفاف بأحكام القضاء المشكل حسب أهواء القذافي ورغباته ؟ وهدم مبدأ سيادة القانون .
على أن الشيء المؤكد الذي يدركه الليبيون جميعا ، بما فيهم أعضاء ما يسمى بمؤتمر الشعب العام والمؤتمرات الأساسية وغير الأساسية والمهنية والشعبية والأميية ..الخ ... أنه لا وجود للقانون ولا للقضاء ولا لمؤسسات الدولة ، فلماذا التباكي على الحقوق والحريات إذا انتهت أو أعتدي عليها ، فالذي يهيمن على مقاليد الأمور في ليبيا هو القذافي وطغمته المأجورة عن طريق القمع والبطش والعبث بصورة لا نظير لها حتى في الدول والأقاليم الخاضعةى للاحتلال الأجنبي ، ذلك لأن المحتل الأجنبي يخضع لحد أدني من المسؤولية والضمير ، وهو مالا يتوافر في نظام القذافي . منذ أن أبتلى به الليبيون في يوم مشووم وفي ظروف يحوطها الغموض .
فقد اتبع أسلوب القهر والبطش والاستبداد على نحو لا مثيل له ، وكان من نتائج هذا الأسلوب ، مقتل الالاف من الليبين في المعتقلات والساحات العامة والشوارع والميادين ، والزج بالالاف في السجون ، وهو الأمر الذي اضطر الالاف منهم أيضا إلى الهجرة خارج الوطن فرارا من الجحيم الذي نصبه القذافي لهم في وطنهم الذي صار بفعل القذافي سجنا ومعتقلا كبيرا .
ورجوعا لأحكام قاضي القضاة التي أصدرها وأعلن عنها في مؤتمر الشعب العام ، نجدها تتعلق بحالتين هما :
الحالة الأولى : الحكم ببراءة أشخاص أدينوا بتهمة القتل العمد وحكمت المحاكم بإعدامهم تطبيقا لقانون القصاص والدية المستمد من الشريعة الإسلامية .
الحالة الثانية : الحكم بإبقاء ثلاثمائة شخص قضت المحاكم ببراءتهم من التهم المنسوبة إليهم .
وسنتناول كل حالة من الحالتين ، كل على حدة ، فيما يلي :
أولا : بالنسبة للحالة الأولى : وقد أراد القذافي تبريرها بمقولة أن المحكوم عليهم بالإعدام كانوا في حالة دفاع شرعي عن النفس :
، وليس من أدنى شك في أن حالة الدفاع الشرعي إذا قامت فإنها تنفي عن الفعل صفة الجريمة ويصبح الفعل أو السلوك مباحا ، ومن ثم لا يعاقب الشخص إذا أرتكب فعلا منصوصا عليه في القانون باعتنباره جريمة . ولكن من الذي خوله القانون سلطة القول الفصل فيما إذا كانت هناك حالة دفاع شرعي أم لا ؟
هذه هي مهمة المحكمة التي تنظر موضوع الدعوى تحت رقابة المحكمة العليا ، فإذا رأت المحكمة أن حالة الدفاع الشرعي غير متوافرة في حق الشخص ، كان لهذا الأخير أن ينازع في هذا الحكم أمام المحكمة العليا التي تنظر موضوع الدعوى المقضي فيها بحكم الإعدام ، سواء طعن المحكوم عليه في الحكم الموضوعي أم لم يطعن . وللمحكمة العليا أن تلغي حكم البداية إذا تبين لها أن عناصر الدفاع الشرعي متوافرة . ولا يجوز لأي جهة أخرى أن تتصدى لمسألة قضائية فصل فيها بحكم نهائي صار عنوانا للحقيقة . وهذا هو ما يفصح عن القانون الليبي منذ صدورة عقب استقلال البلاد سنة 1951 . وهذا القانون رغم مضي مدة تزيد على ستين عاما ، مازال هو الأفضل بين تشريعات الدول العربية . رغم التعديلات العبثية التي حاول القذافي إدخالها في هذا القانون .
إن ما ذكره القذافي بشأن حالة الدفاع الشرعي ، إذا كان صحيحا ، يشكل إهانة كبيرة للقضاء في ليبيا ، فهو يعني أن هذا القضاء لم يعد صالحا لا من ناحية الضمير ولا من ناحية المهنة ، لأن يؤدي دوره على النحو الذي استهدفه القانون من إنشائه . كيف يمكن لنا أن نتصور قضاء بحكم بالإعدام على اشخاص كانوا في حالة دفاع شرعي ؟ إن ما ذكره القذافي ( إذا كان صادقا ) يكشف حقيقة ما وصلت إليه المحاكم الليبية من تدني وانحطاط وتخلف ؟ ويجعل أحكامها في دائرة الشك والريبة ، وهو الأمر الذي يزعزع الثقة في مرفق القضاء ، رغم أن هذا المرفق هو موضع شك كمؤسسة منفصلة ، ودليل ذلك أن أحدا من القضاة أو رؤساء المحاكم أو الهيئات القضائية لم يعترض على ما ورد على لسان القذافي بشأن ما نسبه هو نفسه للقضاء ولمحاكم ، اللهم سوى أمين العدل الذي حاول مواجهة التدخل والاستبداد والقمع وكشف الوجه القبيح لنظام القذافي ، وهذا الواقع يمثل حقيقة تضاف لحقائق أخرى ، وهو كذلك ما يمكن ويمكن أن يكون دليلا على صورية هذا القضاء ، فأين هذا القضاء من مزبحة أبو سليم البشعة التي شهدت مقتل أكثر من الف ومائتي مواطن ليبي من خيرة بني الوطن ، وأين هذا القضاء من البطش الذي تعرض له شهيد الوطن المناضل فتحي الجهمي ، وأين هذا القضاء مما يعاني منه المناضل جمال الحاجي ؟ وأين هذا القضاء مما يتعرض له الالاف من الليبين الشرفاء والأحرار على يد عملاء القذافي ؟
وإذا كان الأشخاص العشرة الذين حكم باعدامهم رغم قيام حالة الدفاتع الشرعي في جانبهم ، فإن السؤال الهام الذي يفرض نفسه هو ما هو مصير الأشخاص الآخرين غير المحظوظين برعاية القذافي وعصابته ؟ والذين حكم عليهم بالاعدام أو السجن أو غير ذلك من العقوبات ؟
ومع ذلك فإن القول إن المحاكم الليبية وقعت في خطيئة الإهمال ، وأنها لم تلتزم بواجبها الأخلاقي والمهني ، ليس مقبولا من القذافي ، لأنه لو كان محقا فيما قاله ، لأمكنه الاستعانة بالخبراء والقانونيين سواء من داخل ليبليا أم الخارج لمراجعة احكام القضاء الليبي ، التي يطعن فيها بالقصور أو الجهل أو العسف ، وهذا أمر متصور ومتوقع بعد أن عبث القذافي وعملائه بالهيئة القضائية الليبية ، وقيامهم بإدخال عناصر بوليسية وأمنية ضمن قضاة المحاكم الليبية ، ولهذا فإن المحاكم الليبية في اليوقت الراهن مكونة من عناصر سبق لها العمل بأجهزة القذافي القمعية ، ومنهم من كان منخرطا في فرق التصفية الجسدية ، بل هناك مستشارين بالمحكمة العليا ممن عمل في لجان التعذيب والقمع التابعة لمكتب الاتصال بالعصابات الثورية ، فهل يمكن لمثل هذا القفضاء أن يؤدي دوره الفني والمهني والخلقي ؟
لقد عرفت ليبيا منذ الاستقلال ، سلطة قضائية مستقلة ونزيهة وعادلة وقديرة ، ولم تخضع هذه السلطة لأي تأثيراو توجيهات في تكوينها أم في عملها ، ولهذا لا أحد يستطيع الطعن بالقضاء الليبي زمن العهد الملكي الدستوري ، وقد استمر هذا القضاء شامخا زمنا وبعد الانقلاب المشؤوم ، لكن القذافي أجهز عليه بعد قيام جماهيرية القمع العظمي ، وإلغاء السلطة القضائية المستقلة كموسسة منفصلة عن السلطة التنفيذية ، لأن طبيعة نظام القذافي لا تعرف مؤسسات الدولة ، وإنما هو نظام يقوم على العصابات التي تقوم بدورها على البلطجة ولا تستسيغ لا الشرعية ولا القانون ولا الضمير .
ولكن والنظر إلى أسلوب الغموض الذي يلتزمه نظام القذافي في كل تصرفاته ، فإن لا أحدا من الليبيين ، اقتنع بما قاله حول العشرة المحكوم بإعدامهم ، سوى أنهم أما أن يكونوا من عملاء النظام ، وإما ان يكونوا عملاء من الدرجة الثانية ، وهناك من يقول إن القذافي اختار هؤلاء الأشخاص عن دراسة بعد أن ثبت لدية أنهم على درجة كبيرة من الوحشية والانحطاط والدموية وأنه يمكن الاستفادة منهم عند الحاجة ، وهذا أمر يمكن تصديقه ، خاصة من نظام دموي لا ضمير له ولا إحسساس .
الحالة الثانية : حالة المواطنيين المحكوم ببرائتهم :
على أن الحكم الأول الذي يتعلق بالمحكوم عليهم بالإعدام ، يمكن أن يكون مبررا ، من الوجهة الإنسانية وآيا كانت ظروفه وملابساته ، ولكن الحكم الثاني الذي أصدره القذافي وقضي بسجن واعتقال ثلاثمائة من اللييين كانت المحاكم قد قررت الحكم ببرائتهم ، هو حكم يثير الاستهجان والغثيان ، ويكشف عن حقيقة القذافي ونظامه الارهابي ، وذلك لأن هذا الموقف غير الانساني غير القانوني غير السوي الذي اتخذه القذافي يعني ببساطة سجن واعتقال أشخاص أبرياء بحكم القانون وبحكم القضاء ، بل أن وجود هؤلاء الأشخاص داخل السجن أو المعتقل بعد الحكم ببرائتهم ، يشكل جريمة يعاقب عليها القانون .
وهذا ما سوف تناوله في الجزء التالي .

ل. البدوى


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home