Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأثنين 10 أغسطس 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

قرأت لك :
بطلان تهمة الدس في صحيح البخاري ومسلم

بطلان تهمة الدس في صحيح البخاري ومسلم

ذيب السنافي

المصدر : منتديات الفطاحله : http://www.ftahilah.com/showthread.php?t=6904

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد و على آله وصحبه أجمعين

أما بعد

ثارت شبهة حول محاولة رسول الله صلى الله عليه وسلم الإنتحار عندما انقطع عنه الوحي وذلك في فترة انقطاع الوعي بعد أول نزول و أستدل مثيرو هذه الشبهة بأمرين برواية للإمام الزهري في صحيح البخاري و ايدوها بآية في القرآن .

الأول الآية رقم (3) سورة الشعراء {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}

باخع = قاتل أو مهلك

الثاني رواية الإمام الزهري في البخاري كتاب التعبير باب أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة.

والتى قال فيها الزهري ((( حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا - حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل ، فقال : يا محمد إنك رسول الله حقا ، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع ، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك(((

من المؤكد أن هذه الشبهة الغرض منها النيل من عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتشكيك في نبوته صلى الله عليه وسلم و هيهات هيهات لهم أن يفعلوا ذلك فهو المعصوم صلى الله عليه وسلم , و المثير للدهشة أن البعض أثار شبهة أخرى من داخل هذه الشبهة فقالوا إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم برىء من هذه الشبهة فالبخاري ليس صحيح لأنه أتى برواية غير صحيحة .

الحقيقة أنا أعترف بذكاء و دهاء مثير هذه الشبهة لأنه يعلم أنه من الناس من ستستقر هذه الشبهة في قلبه و سيطعن في عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم و ربما في نبوته و من الناس من سيشك و يظل هذا الشك في قلبه و من الناس من سينزلق و يدافع بعاطفته و حبه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول أن هذه رواية عير صحيحة حتى إذا وردت في البخاري و رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم و البخاري غير معصوم , و في الحالات الثلاثة سيكون الفائز هو مثير هذه الشبهة فهو إما أنه نجح في طعنه أو شكك البعض في دينه أو شكك البعض في أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى .

على أي حال هيا بنا أولا نرد على الشبهة .

أولاً الآية رقم (3) سورة الشعراء {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}

باخع = قاتل أو مهلك

فالآية لا تشير أبداً إلى معنى الانتحار ، ولكنها تعبير أدبى عن حزن النبى محمد صلى الله عليه وسلم بسبب صدود قومه عن الإسلام ، وإعراضهم عن الإيمان بالقرآن العظيم ؛ فتصور كيف كان اهتمام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بدعوة الناس إلى الله ، وحرصه الشديد على إخراج الكافرين من الظلمات إلى النور.

وهذا خاطر طبيعى للنبى الإنسان البشر الذى يعلن القرآن على لسانه صلى الله عليه وسلم اعترافه واعتزازه بأنه بشر فى قوله - ردًا على ما طلبه منه بعض المشركين-: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً * أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتى بالله والملائكة قبيلاً * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى فى السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه). فكان رده: (سبحان ربى) متعجباً مما طلبوه ومؤكداً أنه بشرٌ لا يملك تنفيذ مطلبهم: (هل كنت إلا بشراً رسولاً) (الإسراء93).

أما قولهم على محمد صلى الله عليه وسلم أنه ليست له معجزة فهو قول يعبر عن الجهل والحمق جميعاً.

حيث ثبت فى صحيح الأخبار معجزات حسية تمثل معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما جاءت الرسل بالمعجزات من عند ربها ؛ منها نبع الماء من بين أصابعه ، ومنها سماع حنين الجذع أمام الناس يوم الجمعة ، ومنها تكثير الطعام حتى يكفى الجم الغفير ، وله معجزة دائمة هى معجزة الرسالة وهى القرآن الكريم الذى وعد الله بحفظه فَحُفِظَ ، ووعد ببيانه ؛ لذا يظهر بيانه فى كل جيل بما يكتشفه الإنسان ويعرفه.

إذن التعبيرات الأدبية في القرآن و التى تسمى في الشعر تعبير مجازي أو أسلوب مبالغة أمر مقبول و موجود كقول الله تعالى {إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} (10) سورة الأحزاب

فهل حقاً جاء القوم من فوق و من أسفل أم المقصود من كل مكان و هل حقاً بلغت القوب الحناجر أم أنه تعبير عن شدة الخوف ؟؟؟

هل عندما تقول النساء البكاء سيفلق كبدي معناه أن الكبد سينفلق أم أنه تعبير عن شدة البكاء وكثرته ؟؟؟

إذن {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} معناها و المقصود منها لعلك من الحرص على إيمانهم و بحزنك عليهم مخرج نفسك من جسدك .

رواية الإمام الزهري في البخاري كتاب التعبير باب أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة.

والتى قال فيها الزهري ((( حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا - حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل ، فقال : يا محمد إنك رسول الله حقا ، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع ، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك(((

فهذه الرواية جاءت كزيادة على حديث مسند ساقه الإمام البخاري في كتاب التعبير باب أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة.

بداية نريد أن نعرف القارىء الكريم أن الإمام البخاري لم يسمي كتابه صحيح البخاري و إنما سماه

الجَامِع المُسنَد الصَحِيحُ المُختَصَر مِن أُمُور رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَسُنًنه وَأياَمه .

إذن فمن المعلوم عند أهل العلم و طلبة العلم و كل من له علاقة بالعلم الشرعي أو عند أي شخص قرأ في العلم الشرعي أننا عندما نقول كل ما في البخاري صحيح فالمقصود كل ما هو مسند في البخاري فوق مقطوع بصحته عند البخاري و عند جمهور المحدثين وأهل العلم قال شاه ولي الله الدهلوي: أما الصحيحان(البخاري ومسلم) فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع، صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأنه كل من يهون من أمرهما، فهو مبتدع، متبع غير سبيل المؤمنين, أما الغير مسند سواء كانت زيادات مرسلة أو أحاديث معلقة غير مسندة فقد تكون صحيحة و قد تكون غير صحيحة سواء عند الإمام البخاري أو غيره , فلا يجوز لشخص أن يأتي بزيادة مرسلة غير صحيحة أو بحديث معلق ثبت له عدم صحته وهو موجود في صحيح البخاري و يحتج به على أنه ليس كل ما في البخاري صحيح .

أولاً نسوق الحديث كاملاً بشرح مفرداته

حدثنا يحيى بن بكير: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، وحدثني عبد الله بن محمد: حدثنا عبد الرزاق: حدثنا معمر: قال الزُهري: فأخبرني عروة، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:

أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، فكان يأتي حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد، الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها، حتى فجئه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق - حتى بلغ - علم الإنسان ما لم يعلم}). فرجع بها ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة، فقال: (زمِّلوني زمِّلوني). فزمَّلوه حتى ذهب عنه الروع، فقال: (يا خديجة، ما لي). وأخبرها الخبر، وقال: (قد خشيت على نفسي). فقالت له: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلَّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد ابن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: أي ابن عمِّ، اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ياليتني فيها جذعاً، أكون حياً حين يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أو مخرجيَّ هم). فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزَّراً. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما بلغنا، حزناً غدا منه مراراً كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدَّى له جبريل، فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا. فيسكن لذلك جأشه، وتقرُّ نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدَّى له جبريل فقال له مثل ذلك. [ر:3]

قال ابن عباس: {فالق الإصباح} /الأنعام: 96/: ضوء السمش بالنهار، وضوء القمر بالليل.

[ش (جذعاً) شاباً فتياً، وهو منصوب على أنه خبر لكان المقدرة.

((يتردى) يسقط نفسه. (شواهق الجبال) مرتفعاتها العالية. (تبدى) ظهر. (جأشه) اضطرابه. (تقر) تطمئن وتهدأ. (فالق) من الفلق وهو شق الشيء. وقيل: خلق وفطر وفلق بمعنى واحد. (الإصباح) هو في الأصل: مصدر أصبح إذا دخل في الصبح، وسمي به الصبح. وأتى بهذا التعليق هنا لمناسبة ذكر (فلق الصبح) في الحديث]

فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما بلغنا، حزناً غدا منه مراراً كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدَّى له جبريل، فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا. فيسكن لذلك جأشه، وتقرُّ نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدَّى له جبريل فقال له مثل ذلك

قال الحافظ بن حجر ثم إن القائل : " فيما بلغنا " هو الزهري ، و معنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه القصة ، و هو من بلاغات الزهري ، و ليس موصولا وهذا ما أستقر عليه جمهور المحدثين أن الكلام من هنا من كلام الزُهري.

ومعنى هذا أن الحافظ بن حجر و جمهور المحدثين أستقر رأيهم أن هذه الزيادة مرسلة أي أنها من كلام الزهري فهي غير مسندة , فنجد أنفسنا أمام ثلاثة محاور, أمام حكم المراسيل بصفة عامة وحكم مراسيل الزهري بصفة خاصة وحكم هذه الرواية (الزيادة)

أولاً حكم المراسيل بصفة عامة عند البخاري ومسلم :

قال الإمام مسلم- رحمه الله- في مقدمة صحيحه: "والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة" .

وهو قول عبد الرحمن بن مهدي ويحي بن سعيد القطان وابن المديني وأبي خيثمة زهير بن حرب ويحي بن معين وابن أبى شيبة والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم من أئمة الحديث .

ثانياً حكم مراسيل الزهري بصفة خاصة :

اختلف في مراسيل الزهري لكن الأكثر على تضعيفها، قال يحي بن معين: "مراسيل الزهري ليست بشيء، وهو قول الشافعي أيضاً" .

"كان يحي بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئاً، ويقول هو بمنزلة الريح" .

وقال أيضا ً: " مرسل الزهري شر من مرسل غيره ؛ لأنه حافظ ، كلما قدر أن يسمّي سمى ، وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه "

ثالثاً حكم هذه الرواية التي نحن بصددها( الزيادة)

الروايات التي ذكرت هذه الحادثة ، فقد وردت مدرجةً في الحديث ، قال الحافظ ابن حجر كما أسلفنا ما نصه : " ثم إن القائل ( فيما بلغنا ) هو الزهري ، ومعنى الكلام : أن في جملة ما وَصَلَ إلينا من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه القصة ، وهو من بلاغات الزهري وليس موصولا ) أ.هـ ، فحكم هذه الزيادة الإرسال ، ومرسل الإمام الزهري ضعيف عند أهل الحديث كما بينا .

قال الشيخ الألباني في هذه الرواية

الراوي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري - خلاصة الدرجة: شاذ مرسل معضل من قول الزهري -

و خلاصة القول أن هذا الحديث ضعيف لا يصح لا عن ابن عباس و لا عن عائشة ، ولذلك نبهت في تعليقي على كتابي " مختصر صحيح البخاري(1/5) على أن بلاغ الزهري هذا ليس على شرط البخاري كي لا يغتر أحد من القراء بصحته لكونه في "الصحيح "أهـ

إذن سند هذه الرواية ضعيف أما متن الرواية فهناك مؤشرات تدل على ضعفها ، فمن تلك المؤشرات ما رواه الإمام البخاري عن عروة أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : " هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ قال : ( لقد لقيت من قومك ما لقيت ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة ، إذ عرضت نفسي على بن عبد يا ليل بن عبد كلال ، فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب..) الحديث .

فهنا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن أشد ما وقع عليه ، هو ذلك الأذى النفسي الحاصل من تكذيب أهل الطائف له ، حتى إنه بقي مهموماً حزيناً لم يستفق إلا وهو بعيد عن الطائف ، نعم ، إن حزن النبي صلى الله عليه وسلم على فتور الوحي ثابت في نصوص أخرى ، غير أن حزنه ما كان ليبلغ حد الرغبة في إلقاء نفسه من علو ، وإلا لكان هذا أجدر بالذكر من حادثة الطائف المذكورة هنا .

ومما يبيّن ضعف القصة : أن الرواية ذكرت أن سبب حزن النبي صلى الله عليه وسلم ومحاولته للانتحار ؛ إنما كان خوفاً من انقطاع الوحي والرسالة ، ولو كان هذا صحيحاً ، لكان ظهور جبريل عليه السلام مرة واحدة وقوله : ( إنك لرسول الله حقا ) كافياً في تأكيد أنه مبعوث إلى العباد وتحقّق الاصطفاء له، فلا معنى لأن يدخل الحزن في قلبه وأن يحاول الانتحار مرات ومرات – كما في رواية الزهري –.

فالحادثة المذكورة قد اجتمع فيها الشذوذ في السند ، والنكارة في المتن ، فلا معنى لأن تُتخذ مطعنا في النبي الكريم , وكذلك أوردها البخاري على أنها رواية مرسلة و أوضح ذلك فلا معنى كذلك أن تُتخذ مطعنا في صحيح البخاري .

ومع هذا كله ، وبفرض صحة هذه القصة جدلا ، فليس فيها ما يعيب شخص النبي صلى الله عليه وسلم أو يقدح في عصمته ، وبيان ذلك أنه قد همّ – على فرض صحة الرواية- بأن يلقي بنفسه ، والهمّ هنا لم ينتقل إلى مرحلة التنفيذ ، وذلك شبيهٌ بما حكاه الله تعالى عن يوسف عليه السلام في قوله : { ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه } ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة : " ولهذا لما لم يذكر عن يوسف توبة في قصة امرأة العزيز ، دلّ على أن يوسف لم يذنب أصلا في تلك القصة " . وهذا كحديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله ) متفق عليه , وبما أن الله تعالى لم يعاتب نبيه صلى الله عليه وسلم على هذه الواقعة (علما بأن الله تعالى عاتب النبي في أقل من ذلك مثل تحريمه لأكل العسل على نفسه) فبما أن الله لم يعاتبه صلى الله عليه وسلم النتيجة هي إما ان القصة غير صحيحة بالمرة أو أن لما نصيب من الصحة , أما إذا كانت القصة لها نصيب من الصحة فمن المرجح أن يكون هذا الهم ليس إلا هم معنوي و ليس حقيقي فهو تعبير أدبي أو مجازي أو أسلوب مبالغة كما أسلفنا في بداية البحث فربما روى الإمام الزهري هذه الرواية عن شخص لم يعي جيداً أن هذا لم يكن هم حقيقي فظن الراوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هم فعلاً أن يلقي بنفسه و لكن حقيقة القصة أنه صلى الله عليه وسلم حزن حزناً شديداً تم التعبير عن هذا الحزن بهذا القول كأسلوب مبالغة , كأن يقول الرجل سأقتل نفسي إن لم يحدث كذا أو يقول لأبنه سأقتلك إن لم تطيعني فهو لا يقصد إلا المبالغة في التحذير و كذلك رسول الله صلىة الله عليه وسلم لم يكن القصد من الرواية إذا صحت إلا التعبير عن المبالغة في الحزن .

وهكذا يتبيّن لك أخي القاريء أن هذه الشبهة ليس لها أدنى حظ من النظر ، فلا هي ثابتة سنداً ، ولا هي صالحةٌ للطعن في من شهد له أعداؤه قبل محبيه بسمو أخلاقه ورجاحة عقله وطهارة روحه , ولا هي كذلك صالحة للطعن في صحيح البخاري والذي شهد له أهل العلم من المحدثين وغيرهم أن كل ما به من مسند هو صحيح بالقطع .

* * *

الإمام مسلم: الجامع الصحيح. ج. ص 132.
العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل. ص30.
العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل. ص 41.
ابن أبي حاتم. كتاب المراسيل. ص3.
الشبكة الإسلامية
شرح النووي
فتح البارى
الأزهر والدفاع عن الشبهات

* * *

هذا البحث تم عن طريق أحد الأخوة الذين عرضت عليهم الموضوع لأني كان لدي أسس للرد على هذه الشبهة ولكن لضيق الوقت ولإنشغالي الشديد طلبت منه أن يقوم بالبحث في المسألة نيابةً عني فجزاه الله ألف خير على عمله وتبيينه فقد وفى وكفى ووضعت لكم البحث بكامله ليطلع عليه من يجد في قلبه أي ذرة من شك في كتاب صحيح مثل مسلم أوالبخاري وليتبين عن هدى أن الجهل في الدين هو سبب كل بلية وأن الإنسان مهما كان متعلماً فعلمه لا يبيح له التكلم فيما لا علم له فيه أو الإجتهاد في الدين بدون توفر شروط الإجتهاد ومسوغاته فيه فيظل ويظلل من تحته بلا قصد منه ... فالله أسأل أن ينفع الناس بهذا البحث ويجزي صاحبنا خير الجزاء...

ذيب السنافي


جمال


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home