Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الجمعة 9 يوليو 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

مساعى الملك ادريس من أجل إلغاء النظام الملكى في ليبيا (2/2)

عرضت فى الجزء الاول من هذه المقالة محاولتي الملك ادريس رحمه الله لإلغاء النظام الملكى فى ليبيا واستبداله بنظام جمهوري فى عامي 1955م و 1966م. وسأتناول فى هذا الجزء الثانى من مقالتى الشكل الذى كان من المحتمل أن تتخذه المحاولتان و الأساس الدستورى لهما، وكذلك الآلية التى كان من المرجح أن يتم بها تنفيذهما.

سوف أخلص بعد ذلك لتناول الإشكاليات العملية التى تضعها نصوص الدستور الليبى لسنة 1951م نفسه امام آى محاولة فى المستقبل لتعديل هذا الدستور فيما لو قرر الشعب الليبى وبإرادته الحرة استبدال النظام الملكى الواردة أحكامه به، بآي نظام سياسى آخر غير ملكى، أو حتى مجرد تنقيح أوتعديل آى مادة من مواده.

وسأختم هذه المقالة بما أعتبره درساً مستفاداً أتمني على كافة الليبيين المعنيين بالمسألة الدستورية فى ليبيا. وأخص بالذكر آولئك الذين يصرّون على العودة الى دستور 1951م كصورة وحيدة للشرعية الدستورية لمرحلة ما بعد القذافى.

استبدال وليس مجرد تعديل

ماهو شكل الإصلاحات الدستورية التى كان الملك ادريس ومستشاروه يفكرون فى إدخالها على دستور 1951م بموجب المحاولتين اللتين أشرت إليهما فى الجزء الأول ( الأولى فى عام 1955م والثانية فى عام 1966م) ؟ هل كانت هذه الإصلاحات ستأخذ شكل تعديلات على دستور 1951م مع الإبقاء على إسمه ؟ أم كانت ستأخذ شكل دستور جديد وبديل لدستور 1951م؟

على الرغم من عدم وجود أى وثائق أصلية منشورة تتعلق بهاتين المحاولتين ، إلا أنه يفهم من مطالعة الكتب التالية:

• كتاب الدكتور مجيد خدورى " ليبيا الحديثة: دراسة فى تطورها السياسى"، الصفحات 298 ـ 299.

• وكتاب "صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسى" للسيد مصطفى بن حليم، الصفحات 140 ـ 148، 530 ـ 531، 536 وكتابه "سقوط دولة ...وانبعاث آمة "، الصفحات 324 ـ 335

• وكتاب السيد بشير السنى المنتصر، "مذكرات شاهد على العهد الملكى الليبى"، الصفحات 200 ـ 202 ، 214 ـ 218 يفهم من مطالعة ما ورد في هذه الكتب أن الإصلاحات الدستورية التى جرى البحث فيها خلال المحاولتين المذكورتين ، كانت ستأخذ شكل دستور جديد بديل لدستور عام 1951م حتى فى حالة الإبقاء على النظام الملكى بعد تعديله.

أساس وآلية الإصلاحات

كما هو معلوم فالمادة ( 197 ) من دستور 1951م تنص على أنه:

" لا يجوز اقتراح تنقيح الأحكام الخاصة بشكل الحكم الملكى وبنظام وراثة العرش وبالحكم النيابى وبمبادئ الحرية والمساواة التى يكفلها هذا الدستور"

إذن وفقاً لهذه المادة فالدستور الليبى لعام 1951م لا يجيز اقتراح تعديل أو تنقيح الأحكام الواردة به الخاصة بشكل الحكم الملكى وبنظام وراثة العرش.

فما هو الأساس الدستورى أو القاعدة الدستورية وماهى الآلية التى كان الملك ادريس ومستشاروه يفكرون فى اللجوء اليها وهم يتدبّرون إلغاء النظام الملكى واستبداله بنظام جمهورى فى عامي 1955م و 1966م؟

ـ لو كان ما يفكر فيه الملك ادريس ومستشاروه يومذاك لا يتجاوز ادخال تعديلات على دستور 1951م (تتعلق بالنظام الملكى)، فإننى أرجّح أنهم كانوا سيلجأون إلى إعمال المواد ( 196 ) ، ( 198) من الدستور:

أولاً: من أجل إلغاء المادة ( 197 ) نفسها التى تحظر تنقيح الدستور فيما يتعلق بشكل الحكم الملكى وبنظام وراثة العرش كما مر بنا.

ثانياً: من أجل إجراء آى تعديلات أخرى يرون ادخالها على دستور 1951م.

و يفهم من نصوص هاتين المادتين أنه يلزم لإجراء أى تعديلات على بقية مواد دستور توفر الشروط التالية :

(1) أن يأتى الإقتراح بتعديل الدستور إما من الملك وإما بقرار من مجلس النواب والشيوخ (بالأغلبية المطلقة للأعضاء جميعاً) بضرورة التعديل وبتحديد موضوعه.

(2) لا تصح المناقشة أو الإقتراع (على التعديلات المقترحة) فى كل من المجلسين إلا إذا حضر ثلثا الأعضاء ويشترط لصحة القرارات أن تصدر بأغلبية ثلثى الأعضاء الحاضرين فى كل من المجلسين.

(3) كما يشترط ايضاً لصحة القرارات بشأن التعديلات المقترحة مصادقة الملك عليها.

ـ أما إذا كانت الإصلاحات الدستورية المزمعة ستأخذ شكل مشروع دستور جمهورى جديد وبديل لدستورعام 1951م فعلى الأرجح أنها كانت ستتم بإقتراح من الملك وبموافقة مجلسي النواب والشيوخ اللذين يجتمعان كهيئة تأسيسية ويصوّتان عليه بأغلبية لا تقل عن الأغلبية المنصوص عليها فى المادة ( 198 ). ومن المرجح ايضاً أن مشروع الدستور الجمهورى كان سيعرض على الشعب فى استفتاء عام.

صعوبات واشكالات دستورية

لا يخفى وجود أصوات وأقلام تدعوحالياً الى العودة لدستور 1951م بإعتباره المرجعية والصيغة الوحيدة "للشرعية الدستورية" لمرحلة ما بعد القذافى.

ويعتقد أصحاب هذه الأقلام والأصوات أنه من السهولة بمكان تعديل أحكام هذا الدستور (أياً كان حجم هذا التعديل) وفقاّ لإرادة الشعب الليبى فيما بعد وفى آى مرحلة لاحقة.

وبإفتراض وجود سلطة أمر واقع (أي بعد سقوط حكم القذافي) فى المستقبل لديها الرغبة فى إعادة العمل بدستور 1951م، ففى رأيي المتواضع أن إدخال أية تعديلات على دستور 1951م مستقبلاً (وأياً كان حجم هذه التعديلات، وسواءً كانت متعلقة بالنظام الملكى أم لم تكن) هو آمر غير قابل للتنفيذ بنص دستور 1951م وفقاً لنص المادتين (196)، (198) منه اللتين توجبان توفر شرطين لإدخال آى تعديل على الدستور.

الآول: وجود الملك وقيامه بإقتراح التعديل ومصادقته عليه.

الثانى: وجود مجلسي النواب والشيوخ ومصادقتهما على التعديل المقترح.

• ومن المعروف أنه لا وجود فى الوقت الحالى للملك ولا لمجلسي النواب والشيوخ وكل الذي سيكون معنا آميرُ ُ يطالب بالعرش. فهل يستطيع هذا المطالب بالعرش أن يمارس الصلاحيات المنصوص عليها فى دستور 1951م تلقائياً وبدون آى إجراءات وترتيبات معينة منصوص عليها فى الدستور (هذا بإفتراض أن القوة التى ستطيح بالنظام القائم سوف تدعو هذا المطالب بالعرش بإعتلائه)؟

للأسف فإن نصوص دستور 1951م تقف حائلاً دون ذلك. فإذا أمكننا تجاوز آى إشكاليات يمكن أن تضعها المادة (45) والأمران الملكيان الصادران في 22 صفر 1374هـ و 25 ربيع الثاني 1376هـ بتنظيم وراثة العرش، أمام آى مطالب بالعرش فيبقى معنا نص المادة (47) من دستور 1951م عقبة كأداء تحول بين من يملك حق إعتلاء العرش وبين ممارسته لصلاحياته الدستورية فهذه المادة تنص على أنه

( وقبل أن يباشر الملك سلطته الدستورية يقسم اليمين الآتية آمام مجلسي الشيوخ والنواب في جلسة مشتركة:

"أقسم بالله العظيم أن أحترم دستور البلاد وقوانينها وأن أبذل كل ما لدي من قوة للمحافظة علي استقلال ليبيا والدفاع عن سلامة أراضيها" )

إذاً وفقاً لهذه المادة رقم (47) من دستور عام 1951م فلا يجوز لصاحب الحق بإعتلاء العرش ان يتولي ممارسة صلاحياته الدستورية قبل أن يؤدي اليمين القانونية أمام مجلسي الشيوخ والنواب في جلسة مشتركة.

• غير أنه كما هو معروف فإن مجلسي النواب والشيوخ المعنيين بالمادة (47) لا وجود لهما منذ وقوع إنقلاب سبتمبر، كما أنه لا و جود لهما من الناحية العملية والواقعية منذ يومذاك ويوم يسقط النظام الحالي القائم في ليبيا كما أنه من غير الممكن إقامتهما وفقاً لدستور عام 1951م.

ـ فالملك هو الذى يعين أعضاء مجلس الشيوخ (المادة 94).

ـ والملك هو الذى يعين رئيس مجلس الشيوخ (المادة 95).

ـ والملك هو الذى يدعو الى عقد الإنتخابات العامة الخاصة بمجلس النواب (المواد 65 - 112).

ـ والملك هو الذى يدعو مجلس الامة (الشيوخ والنواب) سنوياً لعقد جلساته العادية وهو الذى يعلن فض انعقاده (المواد 65 - 112).

ـ والملك هو الذى يصادق على القوانين التى يقرها مجلس الامة وهو الذى يصدرها (المادة 135).

فإذا كان المطالب بالعرش لا يملك ممارسة صلاحياته الدستورية المذكورة المتعلقة بمجلسي النواب والشيوخ، ومن ثمّ فلا إمكانية لإقامة المجلسين المذكورين، ولا إمكانية بالتالي لإداء القسم القانوني أمامهما حتي يمكنه الشروع في ممارسة تلك الصلاحيات.

• كما تجدر الاشارة في هذا السياق إلى المادة (52) من دستور عام 1951م التى تنص على أنه: "من حين وفاة الملك وحتى يؤدى خلفه أو الوصى أو اعضاء مجلس الوصاية اليمين الدستورية يزاول مجلس الوزراء تحت مسؤوليته سلطات الملك الدستورية بإسم الأمة الليبية"

غير أنه لا يخفى وجود اشكالية كبيرة امام تطبيق هذا النص وفقاً لأحكام دستور 1951م نفسه. فالمواد (72) ، (79)، (85) من الدستور تنص على أن الملك وحده (آى بعد أن يكون قد أدى اليمين الدستورى أمام مجلسي النواب والشيوخ) هو الذى يملك صلاحية تعيين رئيس الوزراء والوزراء المختصين وأنهم ملزمون جميعاً بأن يؤدوا اليمين أمامه بإحترام الدستور والقانون قبل توليهم أعمال مناصبهم.

وفي إعتقادي أن هذه الإشكاليات حقيقية وليست مُتوهّمة، وهي دون أدني شك تحول دون إمكانية إعادة تفعيل العمل بدستور عام 1951م إبتداءً وقبل التفكير في إدخال تعديلات عليه بما يتوافق مع الإرادة الحرة لشعب الليبي.

خلاصـة ودرس مستفاد

إن الملك ادريس رحمه االله واحسن إليه والذى أحسب أن وجوده في تلك المرحلة الحاسمة من تاريخ ليبيا، وتحديداً عند وضع دستور 1951م ، بكل ما كان يحيطه ذلك الوجود من إرث ديني ونضالي وسياسي، كان العامل الاساسي في إختيار النظام الملكي كأحد الركائز الاساسية لدستور 1951م ولنظام الحكم فى الدولة الليبية الجديدة، إن هذا الملك لم يتردد في التفكير بأن يتخلى عن النظام الملكي، كما أنه لم ينظر إلى دستور 1951م بالقدسية التى يحاول البعض إضفاءها عليه الآن، كما أنه لم ينظر اليه على أنه غير قابل للإستبدال، كما لم يتردد في البحث عن شرعية دستورية جديدة بدستور جديد متي رأي ضرورة لذلك. وسواء أتمّ الاصلاح الدستوري الذى كان الملك ينشده أم لم يتم فإن العبرة من هذه المحاولة والمسعى تظل باقية كما ان الدرس يبقى ماثلاً.

وفى الختام أرجو أن أكون قد أسهمت بهذا المقالة بجزئيها (راجع الجزء الأول على هذا الموقع http://www.libya-watanona.com/letters/v2009a/v07mar10b.htm) في إثراء الحوار القائم على صفحات الانترنت بين عدد من الاخوة المهتمين بمستقبل ليبيا الدستورى فى مرحلة ما بعد انتهاء حكم القذافى. وأن أنبه الى الاشكاليات الدستورية والعملية التى تحول دون امكانية استئناف العمل بدستور 1951م واعادة تفعيله آياً كانت درجة اعتزازنا بهذا الدستور. وأرجو ايضاً أن لايفهم من هذه المقالة آى محاولة من جانبى للإنتقاص من الآهمية التاريخية لدستور 1951 وكونه قد جسّد الشرعية الدستورية لأول مرة في دولة ليبيا الحديثة.

محمد أبومالك


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home