Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأربعاء 7 اكتوبر 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

حديقة الملك والغلام

أمر الملك العادل بفتح حديقة قصره العظيم لشعبه المحبوب لطفا منه وودا ، لكي يستجمموا ويستمتعوا بحديقته الخلابة ، التى تذهب الأبصار وتأسر القلوب ، فهي حديقة أثرية جميلة زاهية الألوان , منسقة الورود, نظيفة الممرات, تحوي أشكالا وأنواعا من الزهور العبقه الفواحه , تشقها الجداول , وتحدها شجيرات النخيل والصنوبر, حديقة مترامية الأطراف,كبيرة واسعة, تتوسطها بعض النافورات بأشكالها المختلفة ,على مروجها أشجار مثمرة ناضجة مهما أطنبت في وصفها فلن تفي بحقها ولن تحيط بقدرها, وكفاها مكانة أنها من عند الملك العظيم ولقد منَ على الزائرين أن يطعموا منها كيفما شاءوا,أنّى رميت ببصرك عليها فلا تزداد إلا إعجابا وانبهارا بها، كيف لا وهي التى ارتضاها الملك لنفسه وأٌنشئت بأمره يصونها سور شاهق متين ,لاسبيل لأحد أن يتسلقه وإلا كان عطبه ,, فتحدث الناس عنها وتفننوا في وصفها فأشعر لها الشعراء, وهام بها الكتاب, وأطنب في مدحها البلغاء الفصحاء, فتوافد الناس عليها زرافات ووحدانا .
أجمع كل من زارها بل وسمع بها بل حتى من قرأ عنها أنها بحق حديقة جميلة ورائعه, نعم انها تدل على مهارة وبراعة وذكاء وذوق عمالها .. يالله كم هو الجهد الذي جالدوه ، والتعب الذي كابدوه، تحملوا المتاعب والمشاق حتى صارت إلى ماصارت اليه ’ فيالهم من رجال أضنوا أنفسهم في هذا العمل فقد توارثوها صاغر عن كابر نعم ألا يستحقون حتى الشكر.
وهكذا هم الوافدون على الحديقة كلما تزودوا منها كلما تذكروا فضل الملك الذي منحهم إياها ,,فما يزدهم ذلك إلا حبا له وإجلالا، فكم هو كريم هذا الملك ،،ولكن الغريب في الأمر أن جاء على قدر الله تعالى غلام تعيس يقبع هناك في جحر الوادي المظلم حيث خشاش الأرض وهوامها فالمكان مكان موحش مظلم رائحته كأنتن ما تشم الأنوف، حيث لا نور ولا ضياء، أقبل بملابس بالية وبهيئة قبيحة ولا تسأل عما دون ذلك ، جاء متبخترا وليت شعري بأي شئ يتبختر.
هذا الصبي يظن أنه على شئ، فيقول في نفسه لماذا لا يأتون الناس ليجاوره في مسكنه؟؟ لماذا؟ أليس مكان هادئ، كله ظل ظليل وماء كثير ، فهو بين جبال وإن كان على سفحها ,, تساءل وتساءل ثم عزم على أن يرى بنفسه تلك الحديقة، فزارها وياليته لم يزرها ، دخل الحديقة من بابها العظيم الذي هو آية في الجمال وباب الشئ يدل على مابداخله , فأول مادخل عبس بوجهه العبوس ، وتنكرت نفسه وحنقت ، وانقبض قلبه لأنه رأى مالم يألفه ، وشم طيبا مالم يجربه ، فأنكر قلبه، واكفهر وجهه، وبدأ يتلصص فمرة يقطف وردة عطرية، ومرة يدوس على زهرة نرجسية، وأحيانا يبصق هنا وهناك فيلوث المكان زاعما,, يحاول أن يقطع غصنا رطيبا أو يقلع شجيرة يافعة، وهكذا ينتقل من مكان إلى مكان، وتارة يرمي منديلا ومرة بقايا سيجارته الملوثة ,, فهلاَ إن لم يخف من الملك استحى منه!! , فلا رعى حرمة ولا تحلّى بحياء ، وبكل صلافة وجه وقبح فعل أزعج الناس أيما ازعاج، نصحوه فما انتصح وتلطفوا معه فما أجدى معه شئ ، بل زاد سوءا على سوء وبدأ يصرخ ويهرف: ماهذه الحديقة التى سحرتكم؟ وأي شئ تعجبون فيها ؟ أين عقولكم يامجانيين !،عودوا إلى دياركم وإن شئتم تعالوا معي في واديى فهناك مالا يخطر لكم على بال، ألا ترون ماأرى؟ ألا تشمون ما أشم؟ أهذه تستحق منكم كل الذي أرى؟
فبعد أن صاح وباح وناح ولم يسمع له أحد خرج يجر رجليه الحافيتين منكسا رأسه يتمتم في نفسه ويتسأل لماذا كل الناس كلهم جميعا لا يفهمون ولايعقلون؟…لماذا رضوا لأنفسهم بهذه الحديقة؟ وما الذي يعجبهم فيها حتى يقبلوا عليها ؟؟ ثم عاد الى جحره وهو يرغي ويزبد ففكر وفكر، ثم أقبل وأدبر فعزم على كتابة بيان هام .. فيما يظن ..
وبدأ يسود بياض الورق بحشو كلام لا خطام له ولازمام، فقط ليقبّح الحديقة الزاهية الزكية وينعتها بما يتفوه به لسانه المعطوب، فدلّس وكذَِب وشتم وسبّ ، وكل هذا وهو بلبوس الحكماء وفطنة العقلاء ..ياللعجب فكتب عن الحديقة الأعجوبة والتى هي مقصد كل زائر نظيف عفيف محذرا الناس منها : ألا ترون ماأرى؟ ماهذه التى تتغنون بها وتهيمون فيها؟ ياقوم بل هي أسوء مما تظنون! إن أنتم إلا مسحورون! فليس فيها شئ جميل بل زرابي الحيوانات أنظف لو كنتم تعقلون ,, فلقد شاهدت فيها كل ماهو قبيح،! فهي مقصد للكلاب والذئاب! ،لا هوائها عليل ولا ماءها سلسبيل،! فهي مجمع الأوساخ والقادورات ومرتع للبهم والحيوانات! ... وزاد في غروره وصلفه بأن تحدى أي متحد أن يكذبه فيما قال ، وبدأ بين الفينة والفينة يكرر وينادي ألا من متحد .. ألا من متحد .. فلما لم يرد أحد عليه صدق المغرور نفسه وقال ألم أقل لكم فلو لم أصدقكم القول لما سكتم ولتكلمتم! وظن هذا الصبي إنما لم يرد عليه من لم يرد لعجزعاجز أوجهل جاهل , وما علم هذا الغلام بأن العيب فيه، فلهوانه عليهم وسقوطه من أعينهم لما رأوا من وقاحته وصبيانيته آثروا السكوت لعله أجدى للصبيان، ولكن أنّى لمن رضى بجحر الوادي مسكنا ان يعي كل هذا..
نعم وإلا أيكون في دنيا العقلاء من يكذّب مارأى بعينه ويصدّق مايدعيه مدع!؟ وكيف إذا كان هذا المدعى صبي لا يجيد حتى قراءة مايخطه فضلا عن أن يفهمه!.
فهل من زار هذه الحديقة ودخلها وراح وجاء بين مروجها وشم عبيقها وتنسم هواءها وأكل من ثمارها وتقلب في نعيمها يكذّب كل هذا ويصدّق صبيا سفيها قد رأوه وهو يعبث ويخرّب فيها !!؟؟ لا والله وإن كان بعض العقلاء يرى أن هذا الغلام السفيه لا يستحق أن يرهق الواحد نفسه في الرد على بيانه المشؤم الذي جمع فيه كل نقيصة مدسوسة ( وكل نقيصة بنقص صاحبها ) .
وهكذا ظل الناس يتفيئوا ظلال هذا المنتزه الجميل ، تحت كنف ملك عظيم، داخل سور مرتفع متين، لا نكد ينكدّهم ولا شغل يشغلهم ، فهم بين رائح وغاد، لا هم لهم إلا ذاك اليوم الذي وعدهم الملك إياه وهو أنه سيكرمهم بكرم مابعده ولا قبله إكرام، فقد أمر الملك مناديه بأن ينادي في أهل حديقته أن الملك سيفتح باب قصره لهم فقد قطع على نفسه العهد بذلك نعم في قصره بل ويجاورنه !!! ياالله كم أنت كريم أيه الملك .. فهذا هو المُنى الذي تنقطع دونه كل الأمنيات ، فأصبح لا هم لأهل الحديقة إلا التلهف والترقب والاستعداد ، علاّ تلك الساعة تكون قريبا فيحظون بها فيفوزون .
أما ذاك الصبي الغلام فمسكين فقد ـ صدّقه إبليس في ظنه ـ فهو مازال قابع في جحره يعدُّ بيان تلو بيان محدثا نفسه أن الناس في ساعته هذه متزاحمون بالركب على مدخل جحره ليلتقفوا ما تقترفه يداه الآثمتان وما علم المغرور أن له شأن وأي شأن !!!! فشتان شتان بين حاله وحالهم ، شتان بين الجحر وبين القصر ، بين الحديقة وبين الوادي ، شتان ربي شتان .

عبدالمجيد العمراني
أستاذ بالمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية
برمنجهام بريطانيا
alnahar314@yahoo.co.uk



previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home