Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأحد 7 مارس 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

لماذا كل هذا الحب وكل هذا الحنين تجاه العهد الملكي ؟ (3)  

لا أحد يشك في حقيقة أن الليبيين يكنون احتراما وتقديرا للنظام الملكي ولرجاله ، يقينا منهم بإن هذا النظام هو الذي حمل المسؤولية والأمانة وصنع الدولة الحديثة من اللا شيء .

ولكن لماذا هذا الشعور التلقائي الطبيعي ، رعم مضي مدة أربعين سنة ؟

هل لأن النظام الملكي ، أقام الدولة على أسس مدنية متحضرة ؟ وتبنى الحكم الدستوري القائم على مبدأ سيادة القانون ؟

أم لأنه نظام اعتمد الشكل الديمقراطي المعاصر في الحكم ، ومن ثم قام على تعدد السلطات وتعدد الوظائف والاختصاصات ؟

وفي هذا الإطار ، يكفي الليبيون أن يكون لديهم إحساس بالحب والحنيين تجاه هذا العهد ، لمجرد أنهم كانوا يحظون بسلطة قضائية نزيهة ومستقلة ؟

ويكيفي الليبيون لكي يكون عندهم شعور بالحب والحنيين نحو العهد الملكي ، أنهم كانوا في ظل هذا العهد ، يصنعون القوانين والتشريعات عن طريق مجلس الأمة المنتخب من الشعب بصورة علنية وشفافة ، ومن ثم كان عند الليبيين برلمان يتولى سلطة التشريع ومراقبة الحكومات .

أفلا يكفي ذلك أن يكون سببا يجعل الليبيين وعلى مر الأيام يتجهون بكل مشاعرهم وإحساساتهم المفعمة بالحب والتقدير والاعتزاز بالعهد الملكي ؟

بل الذي يجعل ويدعو الليبيين إلى إحاطة العهد الملكي باحترامهم ، وتقديرهم ، أنهم كانوا يتمتعون بكامل حقوقهم وحرياتهم وعلى قدم المساواة ، وفي مواجهة كافة السلطات القائمة في الدولة .

وأنهم في الفترة الملكية ، كانوا يحاسبون الحكومات والوزراء والولاة والمحافظين ، وكانت وسائل هذه المحاسبة مقررة في الدستور والقانون .

بل أن الملك كان يمارس سلطاته واختصاصاته بموجب الدستور والقانون ، وأنه كان كأي مواطن ليبي ، يخضع للدستور ، وأنه كذلك كان ملزما كأي مواطن ليبي ، باحترام الدستور والقانون .

وكانت في الدستور نصوص تتعلق بمحاكمة الملك ومحاسبته وعزله في حالة مخالفته للقانون أو قيامه بانتهاك الحقوق والحريات المقررة في الدستور .

نظام وعهد بهذه الصفات وهذه المعاني ، أفلا يستحق الحب والتقدير ، بل التمجيد أيضا ؟ وليس الأمرفي هذه الأحوال متعلقا بتقديرات أو تقييمات أو مواقف شخصية ، بل يتعلق بنتائج منطقية لا يختلف عليها اثنان .

فالعهد الملكي ارتبط بالفعل بالدولة المدنية التي تخضع للدستور والقانون ، وهدفها الأساسي والطبيعي هو خدمة المواطن والعناية به ورعايته ، باعتباره نواة الدولة ونواة النظام السياسي القائم على مؤسسات دستورية محددة الغايات ومحددة الوظائف ، وهذه الوظائف والغايات ، تدور حول المواطن الليبي الفرد ، بصرف النظر عن انتمائه القبلي أو الجهوي أو الفئوي أو الاجتماعي .

وهذه الأوضاع والأصول والقواعد التي كانت مستقرة ومقررة ، في ظل العهد الملكي ، اختفت بعد أن نكب الشعب الليبي بالانقلاب المشؤوم الذي يوقع سنة 1969 .

وفي ظل هذا الانقلاب ومنذ ساعاته وأيامه الأولى ، ضاع الدستور وضاع القانون واختفت الدولة القانونية ، وقام بدلا من هذه المؤسسات الشرعية ، نظام عصابة مجهولة الأصل والمصدر ، وهي عصابة بلا رصيد وطني ، وهي كذلك تفتقر لأي أساس اجتماعي وليس لديها أي غطاء شرعي .

وكان سلاحها الوحيد هو الغدر والخسة والخيانة ، فهذه العصابة مكونة من أفراد ، كانوا من اللقطاء والمشردين والضائعين ومجهولي النسب ، وكانوا أيضا ممن وجدوا الرعاية والإيواء والعناية من حكومات العهد الملكي ، فالحكومات الملكية هي التي أقامت لهم الملاجئ ودور الإقامة ، ووفرت لهم كل متطلبات الحياة ، وهذه الحكومات عملت وسعت كي تقوم هي بتعويض أولئك اللقطاء والمشردين والضائعين عن عطف الأسرة وحنان الأمومة ورعاية الأبوة ، وعاملتهم بكل الاحسان والعطف ، وهذه الحكومات لم تكن مجبرة على ذلك ، سوى انها ضمت رجالا كانوا من ذوي الضمير الوطني والإنساني ، رأوا أن تتحمل الدولة مسؤولية التكافل الاجتماعي والانساني بالنسبة لفئة من اللقطاء والمجهولي النسب والضائعين والمشردين .

ولم يكن يدور في خلد هؤلاء ، أن الذين تم الإحسان إليهم والعطف عليهم ، قد ينقلبون عليهم ، بل على الشعب الليبي الذي احسن إليهم وقدم إليهم كل صور المعونة والمساعدة ، في وقت لم يكن لديهم من يقدم لهم أي مساعدة .

وهكذا تحققت المقولة أو المثل المعروف : أتق شر من أحسنت إليه .

وفي الدول المجاورة لنا ، مصر ، تونس ، الجزائر ، لا يجد اللقطاء والمشردين والضائعين أي مساعدة مباشرة من السلطات الحاكمة ، بل لا توجد أي سلطة من هذه السلطات تقبل أن تقدم أي عون لتلك الطوائف المهملة الضائعة .

بل أنها تتبرأ منهم ، وتعمل على ابعاد هم من مجرد الاقتراب الجغرافي أو المكاني ، رغم أن هذه الدول كانت أكثر ثراء من ليبيا ، وكان بإمكانها تقديم العون والعطف إلى مجموعة اللقطاء والضائعين والمشردين .

بل حتى في بالأحوال التي يسمح فيها للجمعيات والمؤسسات الأهلية بتقديم العون والإحسان والمأوى للقطاء والمشردين ، فإن أي حكومة من تلك الحكومات ، لم تكن تقبل أن يكون أي من اللقطاء والمشردين من منتسبي الأدجهزة التابعة للدولة ، وأيا كانت ضآلة هذه الأجهزة .

أما في العهد الملكي ، فإن الدولة ومختلف الحكومات فيها ، لم تقم أي تفرقة او تمييز بين اللقطاء والمشردين والضائعين ، وبين غيرهم من أبناء العائلات .

ولهذا كان اللقطاء والمشردين وخريجي الملاجئ ودور الرعاية ، يلقون نفس الخدمات التي يتحصل عليها أبناء العلائلات ، فكانوا يدرسون في نفس الجامعة والكلية والمعهد التي يدرس فيها غيرهم من الأسوياء اجتماعيا .

ولهذا دخل الكثير ممن لا مأوى له ولا اسرة ، من القطاء والمشردين ، الجامعات الليبية والمعاهد والهيئات والمؤسسات ، ودخلوا أيضا في الجيش ، وتم قبولهم في الكلية العسكرية وكليات الأمن .

وكان المفترض أن يقابل هؤلاء اللقطاء والمشردين ، هذا الإحسان الكبير والرعاية العظيمة وذلك العطف بالجميل والإحسان ، فجزاء الإحسان هو الإحسان .

ولكن بعض هؤلاء لم يكن لديهم أي صور ة من صور الضمير أو الخلق ، وانعدم فيهم الإحساس الخلقي أو مشاعر الخير ، فكانوا بلا ضمير ، وبلا أي إحساس خلقي ، ولكن الشيء الذي كان يملأ نفوسهم وعقولهم وقلوبهم هو الخيانة والغدر والخسة .

فهل يقبل الشعب الليبي هؤلاء الخونة ؟

وهل يرضى أحد بما فعله هؤلاء الغادرين ، بالمؤسسات التي رعتهم وعطفت عليهم وأنقذتهم من الهلاك والضياع ؟ ولكن الشعب الليبي ، كان يعلم تماما ومنذ اليوم الأول ، أن ما وقع في أول سبتمبر 69 لن يستمر طويلا ، لإن الذين غدروا وخانوا الشعب الليبي ، واغتصبوا سلطة ليست لهم ، وانتهكوا الشرعية والدستور والقانون ، سيصفون أنفسهم بأنفسهم ، وسوف يمارسون الغدر والخسة والخيانة فيما بينهم ، ومن ثم سيقضي بعضهم على بعض .

وأنهم سيمارسون هذه الخصال الذميمة فيما بينهم ، وكذلك في مواجهة الشعب الليبي الذي يعرفون أنه هو أول ضحية من ضحايهم .

نظام بهذا الشكل وهذه الطبيعة ( الغدر والخسة والخيانة ) أفلا يكون مستحقا للبغض والكراهية والازدراء ؟ ولكن ليست هذه هي الأسباب أو الدوافع التي تجعل الليبيين يشعرون بالحب والحنيين تجاه العهد الملكي ؟ صحيح أنها أسباب تؤدي بطبيعتها إلى وجود شعور بالبغض تجاه الخونة ومعدومي الضمير وفي نفس الوقت تخلق إحساسا بالحب والتعاطف مع العهد الملكي باعتباره يمثل النظام الشرعي الذي رضى به الشعب الليبي ، ومن استولى هذا العهد على حبه وتقديره .

إذن ما هي الأسباب والدوافع إلتى تفسر استمرار حب وحنيين الليبيين نحو العهد الملكي رغم مضي أربعون عاما من وقوع الفاجعة الكبري في تاريخه المعاصر ؟

هذا ما نعالجه في الجزء التالي .

على أبو شنة الغرياني
________________________________________________

الحلقة (1) : http://www.libya-watanona.com/letters/v2009a/v27feb10m.htm
الحلقة (2) : http://www.libya-watanona.com/letters/v2009a/v03mar10n.htm


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home