Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الخميس 6 أغسطس 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

عـجائب العـظمى!!

منذ أن فتحت عينيي على هذه الدنيا وقبل أن استقل في شقة بعد زواجي وجدت نفسي أترعرع في احد أحياء مدينة طرابلس التي هاجر إليها والدي وهو شاب لغرض العمل، وكان يسكن البيت المجاور لبيتنا عائلة جاءت إلي طرابلس من مدينة جنزور، وكان رب هذه الأسرة موظف في الدولة، لقد ارتبطت أسرتنا بأسرة جارنا بأواصر المحبة والجيرة حتى بتنا وكأننا عائلة واحدة، فوالدي يقضي معظم أوقات فراغه مع جارنا وكانت شلة أصدقاءهما واحدة، وكانت والدتي وزوجة جارنا وبقية نساء الزنقة يجتمعون شبه يوميا إما في بيتنا أو بيت جيراننا، وكان يجمعنا الغداء والعشاء في بعض الأحيان، وقد ارتبطت بصداقة حميمة مع احد أبناء جارنا وكان في مثل عمري ولا يصغرني إلا ببضع أشهر، كنا نلعب مع بعضنا ونذهب إلى المدرسة مع بعضنا وكنا ندافع عن بعضنا أثناء الشجار وشقاوة الأولاد، كان يجمعنا نفس الكرسي في الفصل لقد كان بمثابة أخي التوأم، انه بالفعل أخي الذي لم تلده أمي كما يقال، استمر حالنا على هذا المنوال حتى وصلنا منتصف الفصل ثانية أعدادي عندها قرر جارنا العودة إلى مدينته جنزور للعيش مع والدته وأخوته وأخواته بعد وفاة والده، شعرت بالحزن الشديد لفترة طويلة من الزمن لفراق صديقي الحميم حتى كدت ارسب في السنة الثانية إعدادي فلم انجح ألا في الدور الثاني، ورغم بعد المسافة وفي ظل قلة وسائل المواصلات في تلك السنوات إلا أننا بقينا على اتصال دائم خصوصا في المناسبات وخلال الفترة الصيفية التي اقضي معظمها في مزرعتهم.
منذ عدة أشهر انتقل جارنا الذي كان في مكانة والدي إلى جوار ربه، بقيت لمدة شهر كامل اذهب يوميا إلي مزرعتهم حيث تسكن العائلة للمشاركة في العزاء، وهذه المزرعة تقع في ضواحي مدينة جنزور، وكانت عائلة جارنا من العشائر الكبيرة والمعروفة على مستوي المنطقة فكان المعزين يتوافدون من كل مكان، وفي العزاء يلتقي الناس من مختلف الثقافات والمشارب وتكثر الأحاديث في شتى مجالات الحياة، وفي احد الأيام جلست بجوار احد سكان المنطقة وهو موظف بشعبية الجفارة، وكان يعمل أثناء الفراغ كسمسار في بيع وشراء العقارات والأراضي، فصار يتحدث عن أسعار الأراضي الفضاء في شعبية الجفارة ومدينة جنزور بالدات، فالمتر في منطقة السراج بأكثر من ألفان دينار وفي منطقة الشرقية بألف وخمسمائة دينار والمنطقة العلانية بخمسمائة دينار، وتحدث عن الفيلات التي تساوي 5 مليون و3 مليون والمزرعة التي تساوي 10 مليون، وتحدث عن حي جديد راقي يسمى حي الكويت بالقرب من المدينة السياحية، وكانت الأرض هي احد المزارع المستردة من ايطالي اسمه ماورو وقسمت لمزارع صغيرة مساحة كل مزرعة خمس هكتارات انتفع منها بعض المواطنين، في الآونة الأخيرة بدء ملاك الأراضي بتقسيمها وبيعها قطع للبناء، في هذا الحي يوجد قصر للمجرم التهامي بن خالد مشيد على قطعة ارض مساحتها هكتاران، منها ربع هكتار مسقوف وبها مسابح وحدائق ومواقف للسيارات، كما يوجد في هذا الحي فيلتان للدكتور خالد الزنتوتي مدير شركة الاستثمارات الخارجية سابقا وفيلتان لمحمد الحويج وفيلا لمحمد الزروق رجب وأخرى لشكري غانم ومثلها لعبدالله السنوسي والعديد من الفلل لعدد كبير من رجالات الدولة يصعب حصرهم جميعاً، جميع هذه البيوت كلفتها بالملايين ويتم إيجارها بعشرات الآلاف للشركات الأجنبية، بالقرب من مكان العزاء مواطن اجر لشركة أمريكية مخزن ومقر للإدارة بمبلغ 75 آلف دينار شهريا، قبض السمسار ما يعادل إيجار شهر، انه مرتب موظف لما يزيد عن 30 سنة في الدولة، قارنت وضعي بحال هؤلاء الصعاليك وأنا مواطن محدود الدخل وهم موظفون مثلهم عشرات الآلاف يعملون في الدولة لا يجدون ثمن الدواء أو ثمن رغيف الخبز في بعض الأحيان فمن أين لهؤلاء كل هذا المال. لقد تم تحويل جل سواني ومزارع جنزور القديمة والتي كانت وحتى وقت قريب تغذي طرابلس وجل مدن الجماهيرية بالخضراوات والفواكه طيلة أشهر السنة، والآن تحولت إلى كثل خرسانية مؤجرة لشركات أجنبية وبأرقام فلكية مما أشعل حمى التقليد فالكل يريد أن ينهب من مال الدولة وان يبني لغرض الإيجار، سكان المنطقة باعوا أرضهم وصاروا قلة لا يمثلون حتى خمس سكان المنطقة، لقد جاءوا لأنفسهم بإمراض لم تعرفها منطقتهم من قبل كجرائم السرقة والسطو المسلح والقتل والدعارة والمخدرات بالإضافة إلي الأوساخ والقمامة، اغلب المواطنين باعوا إما لغرض العلاج في الداخل او الخارج أو تزويج أبناءهم وبناتهم أو تحسين مسكنهم ومعيشتهم في ظل البطالة وارتفاع الأسعار، والسؤال كيف ستكون الأسعار خلال 25 سنة القادمة وكم من الأموال ستتكدس عند أولئك الذين تملكوا أراضي الغابات المحيطة بالمنطقة وهؤلاء اغلبهم قذاذفة ومقارحة؟ لا شك أن ما سمعته عن هذا الدخل الرهيب سيخلق فوارق وخلل اجتماعي في السنوات القادمة لم تعرفه ليبيا من قبل ولم نراه إلا في الأفلام المصرية.
بيت جارنا ملاصق لبيت جاره في المزرعة المجاورة وهما أبناء عمومة ينتميان لنفس العائلة، وفي احد الأيام بينما كنا نجلس في الخارج لمحت شخص طويل ونحيل في فناء بيت الجيران لم أراه في السابق رغم ترددي الكثير على مزرعة جارنا، كان غريب ومرعب المنظر، كان شعر رأسه يكاد يصل ركبتيه وشعر لحيته يصل إلى مستوى سرته، كان صديقي قد اخبرني عن قصته في السابق فساءلته أهذا هو فلان؟ فقال نعم صديقي وقصته انه شاب في بداية الخمسينات من العمر وكان من الأوائل خلال المرحلة الابتدائية والإعدادية ولكن عندما دخل المرحلة الثانوية في السبعينات بدء تطبيق التدريب العسكري العام في المدارس الثانوية وخلال العطلة الصيفية بتم التدريب في معسكرات الجيش وهذا الشاب تدرب في إحدى معسكرات ترهونة وكان التدريب قاسي وفي احد أيام التدريب كسرت ساقه فتدمر من جراء ذلك فصار يعيد السنة مرتين وأكثر وتأخر عن بقية زملاءه في الفصل فاضطر للانقطاع عن الدراسة، ثم جاء الإلزامي في نهاية السبعينات وكان من ضمن المطلوبين لأداء الخدمة العسكرية فلم يشفع له تدريبه السابق ولا رجله العرجاء فاقسم منذ ذلك الحين على أن لا يخرج من المزرعة ولا يحلق شعر رأسه أو لحيته حتى يتغير النظام أو ينتهي اجله، وقبع في البيت لا يخرج من غرفته إلا نادرا ولا يخالط احداً ولا يتكلم مع احد حتى أفراد عائلته، يقضي معظم وقته في النوم فهو لا يحب النور أنه يفضل الظلام الدامس، لا يشاهد التلفزيون ولا يستمع للراديو، رفض الزواج وحبذ الانعزال عن هذا العالم واعتقد بان هناك مثله الكثير في هذا المجتمع.

عـاشق ليبيا


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home