Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الجمعة 6 أغسطس 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

قرأت لك :
فرصة تاريخية أمام العراق يضيعها سياسيون صغار

فرصة تاريخية أمام العراق يضيعها سياسيون صغار

د. بشير موسى نافع

المصدر : العصر : http://www.alasr.ws/index.cfm?method=home.con&contentid=11546

لا تفتك الدول من جغرافيتها التي تعطيها السمات الثابتة لموقعها الجغرافي السياسي، ولما يوفره هذا الموقع من دور وما يفرضه من أعباء.

ولكن ثمة سمات أخرى متغيرة، تفرضها متغيرات التاريخ وتحولاته. الدولة الناجحة في عالم اليوم هي تلك التي تدرك العلاقة بين الثابت والمتغير، التي تستطيع تعظيم إيجابيات الموقع والتعامل مع أعبائه بمرونة، وتدرك الإمكانيات التي تقدمها متغيرات التاريخ الإيجابية بوعي ومسؤولية، بينما تتعهد مواجهة سلبيات هذه المتغيرات بكفاءة.

والعراق ليس استثناءً. فخلال تاريخه كله، وسواء كان العراق مركزاً إمبراطورياً، قبل ظهور الإسلام وبعده، أو كان جزءاً من إمبراطورية أكبر، تمتع العراق بموقع فريد من جهة وقوعه على خطوط التجارة والاتصالات، القديمة والحديثة، بين المتوسط والمحيط الهندي، وبين وسط وغرب آسيا وجزيرة العرب، واحتلاله أحد مواقع التحكم الرئيسية على طريق الاتصال البري بين الشرق الآسيوي والمتوسط.

بيد أن العراق منذ مطلع القرن العشرين لم يعد مركزاً إمبراطورياً ولا جزءاً من إمبراطورية واسعة. العراق الحديث هو دولة قومية بالمعنى السياسي الغربي للدولة القومية؛ دولة محصورة بحدود دولية، رسمتها الاتفاقات الاستعمارية لما بعد الحرب العالمية الأولى.

وبالرغم من أن العراق من حيث مساحته ليس بالدولة الصغيرة، وأن الله حباه بثروات زراعية عرفها وقدرها حكام العراق عبر التاريخ، وثروات نفطية اكتشفت حديثاً، وبعبء سكاني غير ثقيل بالتأكيد، فإن حدود العراق الحديث ليست رحيمة به. وقد أدرك حكام العراق منذ بداية العهد الملكي أن الدولة الكبيرة نسبياً التي يقودونها تفتقد منفذاً كافياً وآمناً على البحر.

وهذا ما كان أحد الأسباب الرئيسية خلف نزعات العراق الحديث المتكررة، ومنذ العهد الملكي، لضم الكويت وتأمين منفذ كاف على الخليج؛ النزعات التي تسببت في أزمات متكررة، وأودت بالعراق في النهاية إلى الكارثة التي اندلعت في 1990 ولم تنته حتى الآن. ولكن هذه لم تكن مشكلة العراق الحديث الوحيدة، فقد ألقت متغيرات التاريخ قبل ولادة الدولة الحديثة وبعدها على عاتق العراق بأعباء من نوع آخر، شكل اثنان منها وما زالا عقبتين كبيرتين أمام نهوض العراق واستقراره وازدهاره منذ ولادة الدولة العراقية في مطلع العشرينات من القرن العشرين.

يتعلق عبء العراق الهيكلي الأول بتكوينه السكاني، باعتبار كتله السكانية الرئيسة الثلاث: العرب الشيعة والعرب السنة والأكراد.

بدأ اتساع نطاق التشيع في العراق منذ منتصف القرن الثامن عشر، خلال العهد المملوكي العثماني، بعد أن تسبب انهيار وحدة إيران الصفوية وانتشار العنف في هجرة أعداد متزايدة من العلماء الشيعة إلى النجف وكربلاء، وبروز المدينتين بالتالي كمراكز مرجعية دينية، عزز من دورها وتأثيرها الصعود الحثيث للمدرسة الأصولية الشيعية.

عملت كتلة العلماء المتنامية في المدينتين، وتغير أنماط استقرار العشائر الجنوبية تبعاً لتحول مجرى الفرات، وتعاظم التهديد الوهابي، على تشييع أعداد متزايدة من العشائر؛ الأمر الذي استمر بوتيرات متفاوتة حتى الحرب العالمية الأولى وولادة الدولة الحديثة. أما الكتلة الكردية فقد فرضتها حدود العراق الحديث وضم ولاية الموصل بحدودها العثمانية للعراق، في فترة شهدت بداية توكيد الهوية القومية الكردية، التي لم تلبث أن اكتسبت بعداً سياسياً نشطاً، إما في رد فعل على التوجه القومي لأنظمة الحكم في العراق وإيران وتركيا، أو بفعل التدخلات الخارجية.

كما الدولة التركية الكمالية، لم تسلك الدولة العراقية خلال القرن العشرين سلوكاً عنصرياً أو طائفياً، بل انتهجت سياسة اندماج وطني وقومي، لم تكن حكيمة دائماً على أية حال. التمثيل الشيعي المحدود في دوائر الدولة وصنع القرار، الذي فرضته التوجهات الدينية التقليدية، نما في شكل مطرد ما بين بداية العهد الملكي وولادة الجمهورية؛ ليواكب انتشار التعليم الحديث في أوساط العشائر الشيعية، ونمو الحياة الحضرية وتعزيز الاستقرار الريفي. كما وظف التوجه القومي العربي للدولة كأيديولوجية توحيد للعراقيين العرب.

أما الأكراد، الذين لعب عسكريوهم دوراً رئيسياً في بنية الدولة الملكية وجيشها، فلم تستطع سياسة الاندماج في النهاية استيعاب حركتهم القومية؛ وهو الأمر الذي اعترفت به الدولة الجمهورية عندما وقعت معهم اتفاقية الحكم الذاتي المحدود في مطلع السبعينات، بالرغم من التعثر اللاحق في تطبيق الحكم الذاتي. ولكن عبء التنوع الديمغرافي سرعان ما التحم بعبء من نوع آخر، ليتسبب في انفجار بنية الدولة العراقية من الداخل.

ولد عبء العراق الثاني من نهاية النظام الإمبراطوري التقليدي، ورسم خارطة المشرق السياسية على أساس من نظام الدولة الحديثة؛ التحول الذي فرض على العراق جوار دولتين قوميتين، إيران وتركيا، أكبر منه حجماً وأثقل منه وزناً استراتيجياً.

وقد استشعر السياسيون العراقيون مخاطر الجوار الطارئة منذ السنوات الأولى للعهد الملكي، أولاً لأن العراق كان ساحة الصراع الرئيسية بين الصفويين والعثمانيين منذ ولدت الدولة الصفوية في مطلع القرن السادس عشر، وبروز إيران كدولة مركزية توسعية وذات هوية طائفية شيعية؛ وثانياً لأن تركيا الكمالية لم تتخل نهائياً عن مطالبتها بولاية الموصل، حتى بعد أن تقرر مصير الولاية في الاستفتاء الذي أوصت به عصبة الأمم في منتصف العشرينات.

واجه العراق أزمة اختلال توازن القوى الإقليمي بوسائل مختلفة، مثل تحسين العلاقات المضطربة بين الحكم الهاشمي والمملكة العربية السعودية؛ والدخول في تحالفات مع إيران وتركيا، رعتها القوى الغربية، اعتقد العراق أنها ستعمل على احتواء التهديدات التركية والإيرانية؛ والدعوة إلى وحدة عربية، أو على الأقل وحدة سورية عراقية، توفر قوة ومنعة إضافية للعراق.

بيد أن اجتماع عدد من المتغيرات منذ مطلع الثمانينات أدى إلى اشتباك وتداخل بين عبء التعددية الديمغرافية وعبء الجوار الإقليمي، فاقم منه قصر نظر في القرار السياسي العراقي. فقد أدى انتصار الثورة الإسلامية في إيران وولادة الجمهورية الإسلامية، من ناحية، والانقلاب العسكري التركي في 1980، من ناحية أخرى، وقرار العراق مهاجمة إيران، من ناحية ثالثة، إلى تزايد المخاطر التي أصبح على العراق مواجهتها، داخلياً وإقليميا. فبعد أن كانت القوى الإسلامية الشيعية، كمثيلاتها العربية السنية، تنشط على أساس برنامج سياسي إسلامي، تحولت إلى قوى طائفية، تتبنى برنامجاً شيعياً سياسياً، يستهدف إقامة نظام حكم طائفي.

وقد اتسع نطاق الحركة القومية الكردية المسلحة، ليطال تركيا وإيران، ويؤدي إلى فقدان العراق تدريجياً سيطرته السياسية على محافظات الأغلبية الكردية وسيادته على حدوده الشمالية مع تركيا وإيران. وبالرغم من أن العراق استطاع في النهاية، بمساعدة أمريكية وروسية، وضع حد لمحاولة إيران التقدم في الأراضي العراقية، وفرض وقف إطلاق النار، إلا أن مغامرة الحرب العراقية الإيرانية رتبت على العراق ديناً هائلاً، وجعلت منه فريسة سهلة للكمين الذي نصب له في الكويت، ولسنوات العقوبات الطويلة، ومن ثم الغزو والاحتلال.

ولكن، وبالرغم من بشاعة الغزو والاحتلال، إلا أن العراق يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لم تتح له منذ ولادة الدولة الحديثة. إخفاق مشروع إدارة بوش الابن في الشرق الأوسط، الذي كان الإخفاق في العراق مؤشره الأول، يعني أن باستطاعة الإرادة العراقية أن تتخلص كلية من الاحتلال، وأن تعيد بناء علاقات العراق الدولية، وعلاقته مع الولايات المتحدة على وجه الخصوص، على أسس صحية، سيما بعد أن تستجيب الدول التي احتلت العراق لمطالب التعويض.

وعلى نحو من الأنحاء ولدت أوضاع ما بعد الاحتلال، حقيقة أو وهماً، الشعور لدى شيعة العراق بأنهم أصبحوا الطرف الرئيسي في بنية الدولة والحكم. كما أن المسألة الكردية وصلت حداً أصبح من الممكن فيه لكافة العراقيين التوصل إلى حل نهائي وجذري، سواء ضمن إطار عراق موحد أو بالتفاهم على انقسام المنطقة الكردية واستقلالها. ولكن هناك ما هو أهم. فالسياسة الخارجية التركية التي تبنتها حكومة حزب العدالة والتنمية منذ 2002، والتي يمكن القول أنها توشك أن تصبح سياسة الدولة التركية، بغض النظر عن الحزب الحاكم، وضعت نهاية لما شكلته تركيا الكمالية من تهديد لجوارها العربي.

الحقيقة، أن تركيا الجديدة تتمتع بقرار مستقل، وتعمل على بناء علاقات صداقة وتعاون وطيدة مع جاراتها العربية، ومع إيران. من جهة أخرى، يمكن أن توفر نهاية النظام الذي خاض غمار الحرب المؤلمة مع إيران، ووجود عناصر سياسية عراقية شيعية فاعلة في النظام العراقي الجديد، معروفة بقربها من إيران، وصعود حظوظ عناصر سياسية سنية تحمل استعدادات قوية لبناء علاقات صداقة مع إيران وكل دول الجوار العراقي، فرصة كبيرة لاحتواء مشاعر العداء المتبادل والشعور بالتهديد الذي أحاط بالعلاقات بين البلدين طوال القرن العشرين.

هذه فرصة تاريخية غير مسبوقة لبناء عراق متحرر من الخوف، ويتمتع بعلاقات سلم وتعاون مع جارتيه الكبيرتين. مثل هذه الفرصة ستتيح للعراق، كما لم يتح له طوال القرن الماضي، أن يحقق الاستقرار والرفاه اللذين حاولهما طويلاً بلا نجاح كبير أو راسخ الأسس. ولكن هذه الفرصة لا يمكن أن تستغل بكفاءة بدون أن يستأنف العراق الجديد المسيرة التي بدأها في مطلع العشرينات من القرن الماضي لبناء وطن واحد وشعب عراقي واحد.

وحدها الإرادة العراقية الوطنية تستطيع أن تدرك الدلالات التاريخية للمتغيرات الإيجابية في الإقليم المحيط. المشكلة، أن الطبقة العراقية السياسية الجديدة تقوم بكل ما من شأنه تقويض الوطنية العراقية، وزرع بذور الانشقاق والتشظي. لا تتسم هذه الطبقة بالجهل الفادح بتاريخ العراق ومتطلباته وأعبائه وحسب، ولكنها تقوم أيضاً بكل ما تستطيع لتفويت الفرصة التاريخية المتاحة.


علي جبريل


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home