Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

السبت 5 ديسمبر 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

القذافي ورحلة النهاية

5. الهروب إلى الهاوية 

حالت ظروف الكاتب من اكمال هذه الحلقة الاخيرة  في موعدها  المتوقع ولهذا وجب الاعتذار للقارئ الكريم.  

توقفت مع "القايد" في الحلقة الماضية عند الهواجس والكوابيس التي جثمت عليه طوال رحلة العودة من زيارته المشؤومة عليه إلى بلاد الأمير "كا", وكيف أن "القايد" كان يرى من خلال تلك الهواجس والكوابيس النهاية الوشيكة التي باتت تنتظره وتنتظر نظامه المهلهل المتهاوي.

لقد كانت الهزايب والإهانات التي تعرض لها خلال تلك الرحلة شديدة الوقع على نفسه دون شك, غير أن الأنكى من ذلك والأشد وقعا على نفسه منها أنها جرت على مرأى ومسمع من رؤساء دول العالم بل ومن المجتمع الدولي أجمع [عبر شاشات التلفزيون...] وهو ما خشى أن يؤدي إلى جراءة كثير من الدول عليه [بما فيها بعض الدول التي كانت تحسب له ولمليارات الخزانة الليبية كل حساب] وهو ما يخشى أن يؤدي إلى تدهور "مكانته" إفريقياً وعربياً وو... [أكثر مما هي متدهورة].

لقد ساور "القايد" الشك حتى في نظرة الازلام المحيطين به إليه بعد أن رأوا بأم أعينهم ما تعرض له من هزايب وإهانات متلاحقة تلقاها بكل برود وصحة وجه [يا حسرة على الصقر الوحيد الذي تحول خلال ساعات إلى صقر وحيد!].

كان "القايد" يقول لنفسه: لابد أن هؤلاء التافهين من حولي في الطيارة بمن فيهم هذا الأرعن إبني قد أدركوا حقيقة ما تعرضت له.. إن هذا سيفقدني هيبتي عندهم ورهبتي بينهم وسيذهب بخوفهم مني.. وحتى هذا الفرخ الأرعن [ومن هو غير المعتصم؟!] من غير المستبعد أن يعاود جرأته عليّ مثلما فعل منذ عدة سنوات ولم ينقذني منه إلا الدرباشي... [إيش درت  في حياتك يا "قايد" حتى يرزقك الله بمثل هذه الذرية؟!؟]

كما كان يقول لنفسه: ولابد أن بقية التافهين [هناك في العظمى] قد تابعوا هم أيضا من خلال شاشات التلفزيون ما حدث لي خلال هذه الرحلة المشؤومة... لا بد أنهم ما بين شامت ومتحفز للهروب.. لا بد أن بعضهم على الأقل فهم مغزى ما تعرضت له وأن بعضهم الآخر أخذ يفكر في طريقة للنجاة بنفسه [والقفز من المركب التي بدأت تغرق.. تذكر "القايد" في هذه اللحظة ما قام به مجرمو اللجان الثورية أثناء الغارة الأمريكية عام 1986 وكيف أنهم قاموا بحرق ملفاتهم بمكتب الإتصال.. ]

كما لم ينس "القايد" خلال هجمة الكوابيس والهواجس عليه أن يتذكر كيف كان حضور المعارضة الليبية خلال المظاهرة الإحتجاجية أمام مبنى الامم المتحدة مكثفا ولافتا, شارك فيها الكبار والصغار والرجال والنساء... وقال لنفسه: لابد أن تكون السي آي أيه قد زودتهم بالحراسة ومنحتهم تذاكر السفر. غير أن "القايد" سرعان ما طرد هذه الفكرة من رأسه وتراجع عن هذا المنطق قائلا لنفسه: إنها مصيبة كبيرة حقا لو كانت المخابرات الأمريكية قد فعلت هذا بالفعل.. واستطرد قائلا لنفسه: وعلى أي حال لابد أن تكون هذه "الكلاب الضالة" قد فهمت مغزى ما حدث لي.. ولا بد أنهم سيكثفون نشاطهم خلال الفترة القادمة...

في الطرف الآخر من الطائرة كان أحمد قذاف الدم يجري الإتصالات المتلاحقة مع "الحاج" عبدالله السنوسى واللواء خليفة احنيش والفريق أبوبكر واللواء عبدالفتاح يونس يطلب منهم تدارك الوضع وحشد أكبر عدد من المستقبلين في المطار [من أجل رفع معنويات القايد المنهارة ومحاولة تعويضه عن الهزايب والإهانات على غرار الإستقبال الحاشد الذي أُعِدّ له إثر عودته من زيارته الفاشلة الأولى إلى إيطاليا في منتصف يونيو الماضي] .. كانت التعليمات: أكثروا من الحشود والمستقبلين واكثروا من التصفيق والهتاف فوق أرض المطار..

وعندما حطت الطائرة بـ"القايد" ونزل منها كان في شبه غيبوبة وأشبه بالمخلوق الآلي.. كان يميز طريقه بصعوبة بالغة.. ولولا البساط الأحمر الفاقع والفريق أبوبكر الذي كان يقوم بتوجيه حركته وسيره لكان القايد قد ضل طريقه .. [ ولا علينا، من عادة القايد التوهان وأن يضل طريقه... هل تذكرون ما حدث لـ"لقايد" ليلة الإنقلاب الاسود[1]؟ ]

... لم ينتبه "القايد" كثيرا لجموع المحتشدين لاستقباله.. بل لم يكن قادرا على التمييز بينهم, مال على أذن الفريق أبوبكر سائلا إياه: أين..؟ وأين..؟ لماذا لم يحضرا ضمن المستقبلين, وحتى الخويلدي ألم يحضر؟ .. أما يزال متمارضا؟

سارعت العصابة بأخذ "القايد" بعيدا عن عيون المستقبلين قبل أن يحدث ما لا تحمد عقباه ويتهاوى ساقطا أمام عدسات التصوير. وما هي إلا أيام قليلة جدا حتى استرد "القايد" حيويته ونشاطه بفعل الحقن والمنشطات والهرمونات.

ما أن إسترد "القايد" وعيه ونشاطه حتى سارع إلى الشروع في إتخاذ ما يلزم من ترتيبات من أجل توجيه ضربته الإستباقية بشقيها الخارجي والداخلي بهدف إجهاض مشروع النهاية "الشرير" على غرار ما فعل في أبريل 1973 [هل تذكرون ما أطلق عليه الثورة الشعبية؟][2]  وفي مناسبات تالية أخرى..

"القايد" يدرك أن ناقلي المشروع الشرير إليه وصفوه له بأنه غير قابل للمساومة أو المماطلة .. ومع ذلك فقد قال لنفسه: لماذا لا أجرب نوعا من المساومة او المماطلة؟ لماذا لا أعرض على الأطراف صاحبة المشروع بأنني سأقوم من جانبي ببعض التنحي..  وليس تنحيا كاملا كما طلبوا مني؟ لماذا لا أعرض عليهم إستعدادي للتخلي عن إدارة الأوضاع الداخلية للجماهيرية.. وأن أترك إدارتها لإبني سيف الذي سيتولى تنفيذ مشروع الإصلاح السياسي والإقتصادي والإداري الذي يريدونه؟..

ثم قال لنفسه: وفي إنتظار رد هذه الأطراف, ينبغي أن أسارع إلى خلق واقع سياسي جديد على الأرض.. بهدوء وبدون إستعجال وبدون ضجيج وبدون إستفزاز واستثارة لهذه الأطراف الدولية "الشريرة".

كانت  المشكلة الكأداء أمام القايد تتمثل في كيفية إيصال وجهة نظره و"حلِّه الوسط" الذي يقترحه إلى هذه الأطراف.. كان "القايد" في حاجة إلى "وسطاء خير" يثق فيهم ويكونون قادرين على الوصول إلى هذه الأطراف.

لم تمض سوى ساعات قليلة حتى كان "القايد" يجري أول إتصالاته بالهاتف بحثا عن وسطاء الخير.. كان الإتصال الاول برئيس جنوب أفريقيا الجديد, حيث أبدى له "القايد" رغبته في زيارة بلاده [رغم أنه لم تكن قد مضت على آخر زيارة له لجنوب أفريقيا سوى بضعة أشهر]. أبدى الرئيس جاكوب زوما ترحيبه بزيارة "القايد" لبلاده, غير أنه لم يخف على الأخير أن لهجة زوما كانت فاترة دون أي حماس وأن ترحيبه كان مصطنعا.. ومع ذلك لم يضق "القايد" كثيرا بذلك الفتور إذ أن هدفه من ذلك الإتصال لم يكن سوى المجاملة, أما مبتغاه الحقيقي فقد كان الإتصال واللقاء بصديقه الحميم نلسون مانديلا [الذي سبق وأن لعب دورا هاما في إخراجه من ورطة لوكربي]... ومن ثم فما أن أنهى القايد المكالمة مع زوما حتى طلب صديقه مانديلا هاتفيا...

في البداية عرض "القايد" على صديقه العجوز [الذي جاوز التسعين من عمره] أن يحضر إليه في طرابلس لمفاتحته في أمر هام.. غير أن مانديلا اعتذر لعدم قدرته على السفر بسبب حالته الصحية المتوعكة.. عندها اضطر "القايد" لمفاتحة صديقه بالمشروع الذي طلبته منه الاطراف الدولية وأسرّ له بأنه يريد منه [أي من مانديلا] نقل وجهة نظر "القايد" والحل الوسط الذي يقترحه إلى الرئيس الأمريكي أوباما بالذات بحكم الصداقة المتينة التي تشدهما. فوجئ "القايد" بما سمعه من مانديلا ردا على طلبه, حيث أن الأخير لم يكتفِ بالإعتذار عن القيام بمهمة الوساطة بل تجاوز ذلك إلى نصحه بالإستجابة لما طلبته منه الأطراف الدولية, وإلى القول له بأنه شخصيا [أي مانديلا] وجنوب أفريقيا بكاملها على إستعداد لاستضافته ومعه أسرته وأولاده كي يمضي بقية حياته آمنا فوق أرضها [ولم لا.. ألم يشترِ القذافي وأبناؤه عدة قصور في جنوب أفريقيا؟!].

بالطبع شكّل رد مانديلا خيبة أمل شديدة "للقايد".. وقال لنفسه: لابد أن أطرافا عديدة جرى إبلاغها بمشروع النهاية المطروح عليّ ! ومع ذلك فلم يثن ذلك القايد عن مواصلة جهوده من أجل البحث عن وسطاء خير آخرين..

فكر "القايد" في الفاتيكان, وقال لنفسه: لابد أن البابا الراحل قد أوصى بي خيرا في وصيته، ولا بد أن البابا الحالي على علم بحقيقة الدماء الكاثوليكية التي تجري في عروقي, ولا بد أنه كسابقه, البابا يوحنا بولص الثاني, يصلي صلاة خاصة من أجلي كل يوم.

قام القايد بالإتصال هاتفيا بالسفير البابوي في طرابلس [لا تنسوا أن أول سفير بابوي لدى الجماهيرية العظمى قدم أوراق إعتماده يوم 16 أبريل 1997 ] واستفسر منه عن إمكانية مقابلة البابا أثناء زيارة سيقوم بها قريبا إلى إيطاليا. جاء الرد من الفاتيكان بأن الفرصة الوحيدة لـ"لقايد" بأن يلتقي البابا ستكون على هامش مؤتمر "منظمة الفاو" الذي سيعقد في روما خلال النصف الثاني من نوفمبر. بالطبع كان "القايد" يتمنى أن يكون الموعد أقرب من ذلك وأن يكون خاصا بينهما وفي الفاتيكان, غير أنه لم يكن أمام "القايد" أي خيار, حتى وإن لم يكن في نيته أصلا حضور المؤتمر المذكور.

في هذا السياق تذكر " القايد" رئيس أساقفة كانتيربيى ببريطانيا وقال لنفسه لعله يكون وسيط خير مع الحكومة البريطانية بالذات وقرر الاكتفاء بأن يرسل اليه برسالة عبر أحد حاملي الرسائل المعتادين بينهما من أمثال أمين جمعية الدعوة الاسلامية الدكتور .. [ الذي لا يكف " القايد " عن الاشارة أليه بلفظ " وجه البنت " ] يطلب فيها منه أن يصلى من أجله [ سبق لسلف هذا الرئيس أن صلى من أجل والد القذافي قبل وفاته [3]ٍ].

ثم جاء التفكير في " الاخوال" كوسطاء خير بينه وبين الاطراف الدولية صاحبة المشروع . وتذكر كيف أن علاقته الحقيقية بهم تجاوزت مرحلتها التى كان يستخدم فيها شخصيات من امثال الدكتور فاروق الباز وسليمان الشحومي وأحمد قذاف الدم وكيف انها اصبحت  تتم عن طريق شخصيات ذات اهمية أكبر ونفوذ أقوى يتعاملون معه مباشرة  أو عن طريق إبنه سيف ، كما تذكر كيف أن علاقته بنتانياهو هي أكثر حميمية من سابقيه تذكر كل ذلك وقرر إجراء جملة من الاتصالات الهاتفية المباشرة بنفسه .. كما قرر إطلاق حملة من التلويحات التى تنم عن رغبة " القايد " في زيارة عاصمة" اخواله" [ ومن لها غير الدعيكي؟].

وفي السياق ذاته قرر "القايد" الاستنجاد بعدد من حلقات الاتصال بالدوائر الخفية وبخاصة في أوروبا ، وبعدد من شركات " العلاقات العامة " التى أنفق من أجل خدماتها المليارات من الدولارات فضلا عن شركات النفط الأمريكية  العاملة في ليبيا ... كما لم يترد في ارسال الاشارات الخفية والعلنية  إلى الاطراف الدولية معبراً عن استعداده لتقديم المزيد من الخدمات الأمنية وشتى صور التمويل السريع  [البلوشي وبدون حدود] كما لم يفت " القايد" أن ذكّر هذه الاطراف – على استحياء وبدون استفزاز -  بأنه ما يزال ، بمليارات  ليبيا السائبة ، صاحب تأثير ونفوذ على العرب والمسلمين [ فها هي الطرق الصوفية  تعلنه شيخاً من شيوخها ، وهاهم الادباء العرب يجتمعون في ضيافته ، وتحت رعايته ، وها هي القيادة الشعبية الاسلامية العالمية تختاره من جديد قائداً لها].

من الواضح أن محاولات "القايد" مع الاطراف الدولية عبر وسطائه العديدين ووجهت إما بالتجاهل الكامل أو بالصد والرفض. غير أنه لا يخفى أيضاً ملاحظة أن بعض الدول الأوروبية – على وجه الخصوص – قامت بإستغلال حالة الهوان والإستجداء التى يعيشها "القايد " ووظفت ذلك لخدمة مصالحها كما يتبين من التغير الذي طرأ على موقف سويسرا والتصعيد في مواجهة ابتزازات القذافي السابقة لها بشأن قضية إبنه الأهبل الآخر هني بعل. كما يتضح ذلك أيضاً من قيام الايرلنديين بإرسال وفد برلماني إلى العظمى للتباحث معها في" حجم التعويضات " عن الاضرار الناجمة عن تمويل ودعم " القايد " السابق لثوار الجيش الإيرلندي. كما يتبين أيضاً من التلويحات البريطانية  بإعادة فتح تحقيق في حادثة مقتل الشرطية البريطانية ايفون فلتشر الذي وقع أمام مبنى السفارة الليبيبة بلندن منذ أكثر من ربع قرن .

ولا يوجد شك في أن الردود السلبية التى تلقاها " القايد" على اقترحاته التى بعث بها مع وسطاء الخير قد خلقت عنده حالة من التوجس والخوف الشديدين تمثلت بشكل جليّ في عدم حضوره للملتقى الأفريقي الذي انعقد في أوغنده. [ يبدو أن " القايد" تذكر النهاية الدموية التى لقيها صديقه جون قرنق بعد مغادرته للعاصمة الاوغندية عائدا إلى الخرطوم ] كما تمثلت هذه الهواجس والمخاوف في عدم حضوره  للقمة الصينية الأفريقية بشرم الشيخ [ لعل " القايد" أراد أن يرسل إلى معذبته أمريكا رسالة مفادها أنه ما يزال بمقدورها  ان تعتمد عليه في التصدى للتغلغل الصيني في القارة السمراء ..ومن داري بيك يا غماز الليل].

وعلى ما يبدو فإن أخطر المؤشرات وأشدها وقعاً على نفس " القايد" أثناء بذله للمساعي من أجل اقناع الاطراف الدولية بالعدول عن مشروعها الشرير ، تمثلت فيما يلى:

·  التسريبات التى قامت بها بعض وسائل الاعلام الاسرائيلية ( ورددتها وسائل اعلام اوروبية ) بشأن الاصول اليهودية " للقايد" من ناحية أمه ، حيث رأى فيها أحد أمرين ، إما المزيد من الابتزاز له وإما نوعاً من الاعلان عن نهاية دوره السياسي.

·  ارتفاع وتيرة الدعوات في أمريكا  وبريطانيا المطالبة بإعادة فتح التحقيق في قضية لوكربي وهو ما يحمل تهديداً مبطنا موجهاً اليه مفاده أن التحقيق هذه المرة قد يصل إليه شخصياً وهو ما يعنى أن نهايته في هذه الحالة ستختلف جذرياً عما هو مطروح في " مشروع النهاية " وأنها ستكون "خارطة طريق نحو الهاوية " .

·  ما وصل  " القايد" من معلومات مؤكدة بأن وثيقة الاتهام المقدمة بحق الرئيس الليبيرى السابق تشارلز تيلر إلى محكمة الجنايات الدولية تضمنت إسمه ( أي "القايد") كشريك مبطن له في الجرائم التى ارتكبها ويجرى محاكمته بسببها كما وصله ان الادعاء العام تحاشى تقديم اسم القايد كمتهم ثان علنية  تجنبا للإحراج الذي يمكن أن تجد فيه المحكمة نفسها لو قدمت الاثنين معاً [ وربما انتظاراً لأن يتم مشروع النهاية بسلام ] كما بلغ "القايد" ان موقف المحكمة يمكن ان يتغير في اي لحظة الان وتقوم بتقديمه هو ايضاً للمحاكمة امامها . [ تذكر " القايد" أن موفدي احد الاطراف الدولية ابلغه أن هذا هو أحد السيناريوهات التى يمكن أن يجد نفسه في مواجهتها لو رفض " خريطة الطريق المطروحة عليه" ].

·  الرسالة التى نقلها إلى " القايد " مؤخراً ولى عهد مملكة البحرين[4] ردّا على محاولة ملكها التوسط نيابة[ عنه لدى أحد الاطراف الدولية ] لاحظ المراقبون الاختلاف البيّن في مستوى استقبال الامير العربي و مستوى توديعه فقد تم استقباله في مطار طرابلس بواسطة وزير الخارجية الكوسة في حين جرى توديعه ، في أعقاب لقائه السريع والجاف بـ" القايد" ،بواسطة  مدير الإدارة العربية بوزارة الخارجية ... هذا الاختلاف في المستوى المراسيمي لعملية الاستقبال والتوديع ، يدل على نوع الرسالة التى جاء بها الامير لـ"القايد"].

·  التجاهل شبه الكامل للفتور الشديد الذي استقبلت به مختلف الدوائر السياسية الاقليمية والدولية ووسائل اعلامها [بإستثناء "ليبيـا اليوم" وأخواتها] الاخبار المتعلقة بالخطوات التى اتخذها "القايد" [ او يبدو أنه اتخذها] من أجل تنصيب إبنه سيف . 

أما على الصعيد الداخلى فقد كان " القايد" منهمكاً فور وصوله في اتخاذ جملة من الخطوات المرتبكة والمترددة [ التى تفتقد الى الحماس المعتاد] على طريق تنصيب إبنه سيف في المنصب الجديد الذي اخترعه له [ والذي ما يزال بصدد استكمال توصيفه وتحديد صلاحياته ] وفي اتخاذ جملة من الترتيبات الأخرى على طريق تأمين نفسه ونظامه المتهاوي في مواجهة كافة الأعداء القائمين فعلا والمحتملين وكافة العناصر الداخلية التى يحتمل أن تلعب دوراً في تنفيذ "مشروع النهاية " في مرحلة من مراحله. [ يندرج تحت هذه الخطوات قيام " القايد " بإحداث تغييرات واسعة في مواقع ومسؤوليات العديد من القيادات الأمنية والعسكرية ، وإقصاء بعض الرموز في الدائرة الضيقة اللصيقة به ، ومن بين عناصر اللجان الثورية ، وإطلاق حملات التشويه ضد هؤلاء الاعداء المحتملين ويندرج تحت هذه الخطوات إعادة المئات من متمردي الطوارق إلى النيجر وبخاصة بعد أن شهدت منطقة الكفرة والجنوب الليبي جملة من المصادمات غير معروفة السبب.. وبالطبع فالحبل على الجرّار].

***

        وعلى ما يبدو فإن المشهد السياسي داخل ليبيا لم يعد قاصراً على مبادرات العقيد القذافي وحده .. فهناك مؤشرات كثيرة تدل على أن أطراف ليبية أخرى -  بمفردها أو بدعم أطراف مشروع النهاية - أخذت تتحرك في اتجاه رسم وفرض واقع سياسي جديد في ليبيـا على غرار ما ورد في " مشروع النهاية " وبعيد عن تصورات القذافي وأحلامه وضد ارادته في أن يوّرث ليبيا لسلالته الفاسدة من بعده. ولا نحسب انه يغيب عن القارئ ملاحظة الوقائع التالية ودلالاتها:

·  غياب جميع أبناء " القايد" شبه الكامل عن المسرح السياسي في ليبيا ، ونشر المزيد من الصور الفاضحة لهم [ تؤكد التقارير تواجد المدعو سيف خلال هذه الفترة بشكل شبه دائم خارج ليبيا].

·  استمرار تغيب اللواء مصطفى الخروبي عن الظهور عند استقبال " القايد" أو في أي مناسبات عامة اخرى.

·  إقدام " القايد" على اللقاء مع عدد من "خالاته " علانية  في ايطاليا وظهوره معهن بشكل ينم على أن " القايد"  دخل مرحلة " التخريف العقلي" [ والامبالاة الكاملة].

·  اقتصار المستقبلين لـ"القايد"  في المطار عند عودته من رحلته الاخيرة من روما على شخصين فقط هما عبدالله السنوسي والفريق ابوبكر [ وهو ماقد يدل على أن هذين الشخصين هما الوحيدان اللذين بقيا تحت إمرة "القايد"] .

·  الإقتصار على نشر الشريط الخاص بلقاء القذافي مع خالاته في روما في الإذاعة المرئية للنظام مرة واحدة [ وهو ما قد يدل على وجود سلطة أخرى جديدة بدأت في خلق واقع سياسي جديد فوق الارض ينازع "القايد" سلطته ]. 

·  الهزال والضمور الشديد الذي طرأ بشكل واضح على جسم "القايد" وهيئته .[ أما القبح والملامح الشيطانية فليست جديدة]

·  التغيير الذي طرأ على أسلوب تعامل قناة " الجزيرة" مع القضايا والاخبار المتعلقة بـ"القايد" وجماهيريته العظمى [ من ذلك تجاهلها للأخبار المتعلقة بموضوع توريث الابن سيف وإتاحتها لمساحة اوسع وعلى غير المعتاد أمام الاصوات الناقدة لـ"القايد" وجماهيريته المتأكلة . 

***

أما بعد ،

فأرجو ألا يغيب عن القارئ أن الغاية من هذه الحلقات ليست هي التشنيع على العقيد القذافي أو السخرية منه وتحقيره ، وإن كان جديراً بكل ذلك وأهلا له . إنما الهدف الحقيقي منها هو توصيف العالم المنحط الذي يعيش فيه هذا المخلوق وأحاط به نفسه وأختزل بموجبه الشعب الليبي ودولته ومؤسساتها وكافة مصالحها وإرتباطاتها ومستقبل أجيالها في شخصه الكريه وفي شخوص جملة من الاشقياء الأشرار من حوله ، إنه عالم غاية في القذارة والانحطاط والتخلف. وأود أن أوكد للقارئ من جهة أخرى أن ما ورد في هذه الحلقات مؤسس في غالبه على حقائق ومعلومات مؤكدة رشحت من النظام وأجهزته ورموزه وأطراف أخرى ، أما بقية ما ورد فيها فهو وإن كان يبدو خيالاً إلا أنه مبنى على شهادات وإفادات صادرة عن أشخاص عرفوا القذافي عن كثب وقرب وعرفوا جيداً كيف يتعامل مع هؤلاء التافهين الاشرار من حوله.

ثم اما بعد ،

فأعتقد أننا نحن الليبين اليوم ، وبعد هذه السنوات الاربعين التى خبرنا فيها القذافي جيداً وعرفنا فيها نواياه وحيله وأساليبه ،  وعانينا فيها وعانت كل بلادنا من توجهاته وسياساته و ممارساته وحماقاته وجرائمه وجرائم عصاباته وأولاده ما عانينا ، أعتقد أننا اصبحنا الان وأكثر من أي وقت مضى ، أمام خيارين لا ثالث لهما .

الخيار الاول:

أن نستمر في استسلامنا المشين المخزي للقذافي وأولاده وعصاباتهم وأن نمضى في انتظارنا المهين المذل لما يجودون به علينا من وعود بإنفراجات ومصالحات وإصلاحات مزعومة لا تخدم احداً سواهم ولا تليق بكرامة شهدائنا ، ولا تمسح "عبرات " امهاتنا و أراملنا وثكالانا وأيتامنا، ولا ترقى الى مستوى أبسط حقوقنا في خيرات بلادنا ، ولا تتكافأ مع حجم الجرائم التى ارتكبها هؤلاء الاشرار على ارضنا وبحق شعبنا، وفوق أنها لا تعوض شعبنا شيئاً عما لحقه من غبن وقهر وظلم وهوان وتشويه ، كما تمكّن المجرمين القتلة من الافلات من القضاء والقصاص العادل.

 كما يرتبط بهذا الخيار البائس ، وهو من شكله ، استسلامنا وانتظارا لما يأتي من الاطراف الدولية والاقليمية [ حتى وإن كان حق شعبنا عليها كبيرا] من حلول ومعالجات لوضعنا المشين المهين في شكل مشروع أو خارطة طريق لنهاية او هلاك هذا النظام الذي بات بكل المعايير غير قابل للإصلاح وغير صالح للبقاء. فهذه الحلول والمعالجات لا يعنيها ، بالدرجة الاولى والأخيرة ، إلا مصالح أصحابها ودولها، فوق أنها حلول ومعالجات متقلبة وغير ثابتة وقد تتغير في أي لحظة وفقا لتغير المزاج الدولي ومناورات الأطراف المعنية وإملاءات الدوائر الخفية ، فضلا عن أنها تغيّب إرادة شعبنا وتجعلنا اسرى إرادة هذه الاطراف ورهائن مصالحها [ هناك فارق كبير بين أن يكون دور هذه الاطراف اساسيا وقياديا وبين أن يكون مجرد دور مساعد ومساند وتابع للإرادة الوطنية ]

أما الخيار الثاني ،

فهو أن يستجمع شعبنا همّته وأن يسترد إرادته ، وان يهبّ بكل مناطقه وفئاته ، رجاله ونسائه ، شيبه وشبابه ، عسكرييه ومدنييه ، هبّة واحدة متجاوبة ومتضامنة ومتواصلة ، يعبّر من خلالها بكل عنفوان وجسارة عن إصراره وتصميمه على اجتثات هذه السلطة الفاسدة العفنة وهذه السلالة الملعونة من جذورها ، كما يكون شعبنا خلال هذه الهبّة على استعداد للإلتقاء بالموت ولمعانقة الشهادة – إذا لزم الامر - من أجل أن توهب لبقية شعبنا الحياة الحرة الكريمة من جديد.

إذا لم يكن من الموت بدّ            فمن العار أن تموت جبانا

لا أحسب أنه بخَافٍ على أحد مِنّا أن الفارق بين الاختيارين كبير وكبير .. في ميزان الله..وفي ميزان التاريخ.. وفي ميزان البشر .. وان الاختيار الاول هو طريق الذل والهوان والعار.. ويستوجب غضب الله ولعنة التاريخ ولعنة الاحرار في كل مكان . وأن الاختيار الثاني هو سبيل المجد والعزة والكرامة والذّكر الطيب عند الله وفي صفحات التاريخ، وعلى ألسنة الناس وفي ذاكرتهم .

لا يهم، أيها السادة، على يد من تنطلق الهبّة الأولى ومن الذي يبدأها .. قد يكون فرداً .. قد يكون ثلة من الافراد .. عسكريين أومدنيين .. وقد تنطلق من أي بقعة من أرضنا الطيبة، في شرقها أو غربها أو جنوبها ألمهم أن تبداء وأن تنطلق.. وأن تتواصل وألا تتوقف.. المهم أن تتجاوب وأن تتضامن معها سائر ارجاء الوطن .. وليكن فيما أظهره الشعب الليبي من تحد لما اقدم عليه القذافي بإعلان يوم الاربعاء الماضي[5] يوماً لوقفة عرفات وليس يوم الخميس خلافاً لما أجمع عليه المسلمون ، ليكن في هذا التحدي الشرارة الاولى لإنطلاق هذه الهبّة المباركة[6].

ايها السادة نحن امام أخر وأخطر اختبار لما بقى فينا من رجولة ونخوة وإباء وإحساس بالكرامة ، وغيرة على الوطن وحرماته ومقدساته .

وفي الختام ..

تحية صادقة لكل شهيد ... ولكل مناضل شريف .. ولكل وطني حر، رجلاً أو امراة ، شابا يافعاً أو كهلاً عجوزاً، في أي بقعة من أرض ليبيانا الطيبة ، من عربها ومن أمازيغها ، من تبوها ومن طوارقها .. من كافة بطونها وأصلابها وأعراقها.

وتباً لأصوات الهزيمة والخنوع والاستسلام .. وتعساً لأصحاب الاقلام والعمائم المنافقة والفتاوي الدنيئة وأصحاب النفوس الجبانة الخائرة.

ولنتذكر جميعاً قول الحق تبارك وتعالى :

" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "

وقوله صلى الله عليه وسلم :

" لو تعلّقت همة ابن آدم بما وراء العرش لناله "

إنهم يرونه بعيداً .. ونراه قريباً .. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله . والى لقاء قريب بإذن الله فوق ارض ليبيانا الطيبة المحررة. 

علي الفزاني

A.Fazzani57@gmail.om

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]    من المعروف أن الملازم  القذافي ضل ليلة انقلابه المشؤوم طريقه إلى مبنى الاذاعة بمدينة بنغازي وترك بقية رفاقه ( من بينهم الملازم أمحمد المقريف والنقيب مصطفى الخروبي والملازم عبد الفتاح يونس ) وعاد ليقبع في حجرته بمعسكر قاريونس انتظاراً لأن يقوم رفاقه بإحتلال الإذاعة .

[2]    كان العقيد القذافي قد اتفق مع بقية رفاقه أعضاء مجلس قيادة الثورة بأن يتوجه إلى مدينة أزوارة لإلقاء خطاب بمناسبة المولد النبوي الشريف ( ابريل 1973) يعلن فيه استقالته وإياهم من مناصبهم ، غير أنه بدلاً من ذلك أعلن في ذلك الخطاب الشهير قيام ما أطلق عليه " الثورة الشعبية " ولم يكن ذلك سوى التفافا وهروباً من تنفيذ ما كان يطالب به أعضاء المجلس من ضرورة العودة بالبلاد إلى اوضاعها المدنية الطبيعية.

[3]     كان رئيس اساقفة كانتربرى الاسبق روسيني قد بعث في عام 1985 ببرقية الى العقيد القذافي جاء فيها " ابعث اليكم بمشاعرى وصلواتي ومشاركتى من اجل والم الذي يعاني من المرض هذه الايام ونسأل الله الرحيم أن يمده بالقوة والصحة" ورد هذا الخبر بصحيفة الجماهيرة الصادرة يوم 5/2/1985 ومن المعلوم ان المدعو محمد ابومنيار القذافي ( والد القذافي المزعوم) توفي يوم 8/5/1985

[4]     لسبب غير معروف فإن دولة البحرين هي الدولة العربية الوحيدة التى سلمت من بذاءات لسان القذافي ومؤامراته

[5]    ربما يكون القذافي قد اقترب من مرحلة الاعلان السافر عن هويته الحقيقية وأن أمه الحقيقية هي رزالا بنت تمام خلف الله تمام وليست كما كان يدعى انها عائشة بالنيران . اتمنى على كل ليبي أن يشاهد ما جاء في الخبر المتعلق بهذا اللقاء الذي نشره التليفزيون الليبي مرة واحدة وقام الفنان الساطور مشكوراً بتسجيله ونشره على اليوتيوب. وقد تكون الخطوة التى قام بها القذافي بإعلان يوم الأربعاء هو يوم الوقوف بعرفة وليس الخميس وفقاً لما أتفق عليه بقية المسلمين خطوة أخرى في هذا الاتجاه بسبب ما تمثله من استفزاز وتحدى لمشاعر المسلمين في ليبيا.

[6]   راجع المقالات الجيدة المنشورة بموقع ليبيا المستقبل الاكتروني للكاتبة المبدعة " الليبية" والكاتب الاديب " عبد الباري اسماعيل.


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home