Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الخميس 4 نوفمبر 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

أثينا الجريحة إلى أين؟

إطلعت على مقال الكاتب الواعد عبد السلام الزغيبي "اليونان إلي أين" الذي تناول فيه أزمة اليونان وما حل بعاصمتها أثينا وما فعلته بها الضائقة المالية العاتية التي عصفت بإقتصادها وأربكت حكومتها، ونقل لنا الكاتب صورة حية للأوضاع الخطيرة التي تنتظر اليونان وتهدد مستقبله، وكيف بدأ اليونانيون يجنحون إلى العنف، وأصبحت شوارع العاصمة أثينا تعمها الفوضى. وأذكر عند زيارتي أثينا منذ عدة أشهر شاهدت بوادرهذه الأزمة حيث رأيت الشوارع والميادين والمقاهي خالية من السواح والميادين والشوارع تعج باللاجئين وأغلبهم من الأفارقة. ولقد نقل لنا الكاتب الزغيبي صورة حية لتفاصيل ما يجري. لقد تأثرت من مشهد لكلاب هزيلة مستلقية على الأرض والأرصفة في أكبر ميادين أثينا لا تقوى على النهوض من شدة الجوع، وعندما تساألت من فعل بها هذا،عندها أخبرني يوناني أن أصحابها لم يستطيعوا لضيق ذات البين على إطعامها فألقوا بها في شوارع وميادين ألمدينة. والحديث عن أزمة أثينا يطول.

شعرت من خلال كلمات الكاتب عبد السلام الزغيبي بنبرة حزن وإشفاق علي أثينا وهو محق في ذلك، فما من مثقف شرب من نبع الثقافة الإغريقية التي أرست قواعد العلوم الإنسانية وزودتنا بكم كبير من كنوز المعرفة في شتى مجالاتها، إلا تأثر وأصابه شئ من الإكتئآب لما تمر به هذه العروس المدللة أثينا من معاناة لا تستحقها. ولم أكن أنا بدوري اقل منه أسى عليها، فقذ إنتابني الحزن والأسف علي هذه المدينة التاريخية الرائعة، وقفزت إلي مخيلتي ذكريات ومشاهد غاية في الجمال والروعة عشتها فيها وشاهدتها بأم عيني أيام عنفوان شبابي فإرتسمت ذكراها في مخيلتي وكأني أعيشها للتو.

أردت يا عزيزي يا كاتب مقال أثينا الجريحة أن أخفف عليك وعلي وطأة ما حل بأثينا آلهة الحكمة الأغريقية وعروس المتوسط الفاتنة. وأؤكد لك بالرغم من أن الخطب جلل، إلا أن مدينة هيرودوت وسقراط وأفلاطون، وصاحبة كل مدارس الفلسفة القديمة والمعاصرة ومدارس علم النفس وينبوع المعرفة بكل فروعها ستعود حتما إلى نظارتها وتألقها. يا ساكن أثينا أنا أكتبت هذا المقال لأني وجدت بيني وبينك شئ مشترك هو حب هذه المدينة الساحرة، ولذا دعني أطلق العنان لذاكرتي قليلا لأن الحديث عنها يطول، لنحدثك عن بعض ما كانت عليه في أيامها الزاهرة وكيف رأيتها أيام عنفوان شبابي.

إن مناخ أثينا يشبه إلى حد كبير مناخ معشوقتي بنغازي ولا يفصل بين هاتين المدينتين الرائعتين سوى مياه المتوسط الدافئة، وكان الوصول إليها من بنغازي جوا لا يستغرق سوي خمسة وأربعين دقيقة. كنت أسعد بزيارتها كلما سنحت الفرصة لذلك. تذكرت أثينا عندما كانت تعج بالسواح يتقاطرون عليها من كل صوب وحدب، وخاصة من بلاد الشمال هاربين من الصقيع لينعموا بدفئ أجواء ومياه شواطئها، وكانت فتيات شمال أوروبا وإسكندنافيا الفاتنات يجوبن شوارع أثينا ويتهادين كأفراس عربية أصيلة فيجرجرن خلفهن العيون وتخفق لهن القلوب وعبق أريجهن يملأ الصدور، وتلفح أسجادهن شمش الجنوب وتدغدغهن نسمات عليلة لم تبخل بها بنغازي فدفعت بها نحو جارتها أثينا. كانت الشوارع والميادين تكتظ بالزوار وطوابير تنتظر أمام المطاعم والمقاهي والحانات للحصول على مقعد فيها.

هناك في سفح ربوة أعلي أثينا حي يطلقون عليه "دافني" وما أدراك ما دافني تقام فيه مهرجنات النبيذ. يممت شطره في ذلك الزمان البهيج ذات ليلة تلألأ فيها قرص القمر وبسط أشعته الساحرة على حي دافني المليئ بالمطاعم والمقاهي وساحات عصر العنب، ولم أنسي أبدا ذلك المشهد المثير، الساحة تعج بالسواح من كل بقاع الأرض، فأقيمت في كل ساحة بضعة أحواض من الجص كل واحد منها مليئ بعناقيد العنب، وقفت أمام أحداها مع الواقفين وإذا بثلاثة فتيات في ريعان العمر ساحرات الجمال ممشوقات القوام يبدو من أنوفهن الشبية بأنف إيفروديت آلهة جمال الأغريق أنهن إغريقيات أختيرن بعناية ليسحرن كل من ينظر إليهن. كنا يتقدمن نحوالحوض بخطا وئيدة فأشرأبت إليهن أعناق الفحول وعلت الأصوات لتحيتهن، وإسطفت ثلاثتهن خلف الحوض وكنا نحن قبالتهن، وببطئ علون درجات السلم المثبت خلف الحوض ومما زاذ في فتنتهن كنا يرتدينا الثياب القديمة لنساء الأغريق والتي غطت أجسادهن إلي أخمص أقدامهن، وقف ثلاثتهن في طابور تفصل بينهن مسافات ليست بالبعيدة، ولما علون الحوض ووقفنا أعلاه شدت كل واحدة منهنا ثوبها ترفعه ألى أعلى الهوينا لتكشف عن ساقيها وكلما على الثوب كلما جن جنون القوم وتابعت عيونهم بذهول السيقان التي تنكشف ببطء وكلما على الثوب إلى أعلى كلما على الصراخ حتي شق عنان السماء.

وقبل شروع الحوريات الثلاثة في المشهد الأكثر إثارة في هذا العرض يأتي من ينظم الضيوف في طابور يصطف كل ثلاثة بجانب بعضهم. وعندما إرتفعت الثياب وأوشكت بلغوغ منطقة الخطر إنطلقت وقهتا فرقة موسيقية شعبية تصدح بألحان موسيقية راقصة تعزف ألحان رقصة زوربا الشهيرة فتشرع الفتيات الثلاث على إيقاعها المثير ويرفعن أرجلهن في رشاقة تذهب بالعقل ثم يهوين بأقدامهن على عناقيد العنب المسجى في قاع الحوض فينساب العصير خلال مجري بإنبوب ينتهي على هيئة حنفية، وعندها ينطلق الواقفين في الطابوركل يضع قدحه تحت إحدي الحنفيات وعيناه لا تفارق النظر إلى السيقان المرمرية ليملأ قدحه ويعب ما شاء من العصير الذي ينساب من تحت أقدام الحوريات عذبا كعذوبتهن. وهكذا يمضي هذا المهرجان العجيب ألى وجه الفجر، ليرسخ ذكرى تلازم مخيلة من يحضره مدى الحياة.

يا أستاذ عبد السلام ويا ساكن أثينا وكاتب المقال أعذرني لقد أخذتني الذكرى فأطلت فتوقفت حرصا على وقتك وما حكيته هو فيض من غيض وما زال في جعبتي الكثير من ذكريات أثينا الأسطورة، لعل تجمعنا الصدفة ونواصل ما أنقطع منها.

الدينالي


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home