Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأربعاء 4 فبراير 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

فى رثاء الفقيد الراحل الدكتور احمد بوشيحه

يوم الاحدالموافق 12 ديسمبر فى جو كئيب حزين ممطر وبارد , شيع المنفيون والمشردون واللاجئون وبعض العيون من المتطوعون الذين يعملون بالمجان لحساب السفارة الليبة بلندن, المرحوم احمد بوشيحة الى مثواه الاخير. بعد أن فتك السرطان الخبيث برئتيه , وكبده, ودماغه .قاوم الدكتور حمد هذا الداء اللعين بقوة, وعزيمة وصلابة, رافضا الإستسلام لهذا المرض الخطير , وبما ان المرحوم طبيب فقد كان يعرف دائه بأدق تفاصيله , وعندما أخبره أطبائه , بأنه لن يعيش أكثر من عدة أشهر , زاد اصراره على تحدّى المرض, ولم يعيرهم اى اهتمام, فقد استعان بربّه وازداد يقينه بأنه لكلّ أجل كتاب . .
الدكتور احمد لمن لا يعرفه رجل فى منتصف العقد السادس , حباه الله ببراءة الطفولة وعفويّتها , ومرحها الى آخر يوم من حياته.
قبل أن يدخل فى غيبوبته بثلاثة أسابيع , كان يحدّث احبائه الّذين يحيطون به على سرير المرض ,بمشاريعه المقبلة , وكان يقول لأصحابه الكثر عن احلامه ويخبرهم بأنه يريد الذهاب الى بيت الله الحرام لآداء فريضة الحج , بصحبة إمرأة ينوى الزواج بها, ثم بعد الرجوع من آداء مناسك الحج يريد أن ينتقل ويستقر فى موطن زوجته الجديده فى احدى بلاد المغرب العربى . فقد كان ينوى هجرة ثانية .
كانت شقة الدكتور حمد فى مدينة لندن بعمارة " مراده هاوس" ملاذا وبيت ضيافة لآبناء وطنه وخاصة ابناء مدينه درنه , حيث كانوا يتوافدون عليها بعد ان ضاقت بهم وعجزت عن مداواتهم وتشخيص امراضهم مشافى بلادهم , كان المرحوم يقوم برعايتهم ونقلهم للمستشفيات والقيام بالترجمة عنهم دون منّ او جميل , وكان يتصل بأهل الخير والجود ويعلمهم بأن المريض عاجز عن دفع مصاريف علاجه , فيقوم اهل البرّ والكرم بدفع مصاريف المستشفيات بصمت الرجال ونخوتهم .
أحد " الشيّاب " الذى يزور لندن من حين لآخر, ربطته علاقة وثيقة بالدكتور حمد منذ قرابة ربع قرن فى لندن .
هذا " الشّايب " أطلق على الدكتور حمد لقبّان اللقب الاول هو " الاسطى حمد" واللقب الثانى هو" رفيق الطرب".كانت هذه الالقاب تسعد المرحوم وكثيرا ما يذكرها فى احاديثه وكانت مبعث سرور له, فقد كان الدكتور حمد يحب ذلك " الشّايب " فلذلك الشّايب والاسطى حمد الرحمة والغفران.
عندما يتحدث الاسطى حمد عن مدينته , تشعر بأن المدينة تسكنه لم تفارقه رغم بعده عنها طيلة كل هذه السنوات الطويله, مدينة درنه إلتصقت بالدكتور حمد , وبادلها نفس الشعور فألتصق بها أكثر, لكن الشىء الغريب أنه رفض أن يدفن بمدافنها فى هذه الظروف موقنا بأنه .
إذا حملت أرض تراب مذلة ... فليس عليها للكريم قرار
عندما تستمع الى الدكتور حمد وهو يتحدث عن درنه التى " يترجّب " عليها ويدلعها بإسم "إدرينه" تشعر بإنه فى حالة " وجد وتوحد " مع " إدرينته" , الدكتور حمد أو " رفيق الطرب" كما كان يسميه ذلك " الشّايب " , يعرف درنه "بالاشبر" كما يقال ويعرف سكانها وخاصة ابناء جيله والجيل الذى يسبقه بالاسم الثلاثى , كانت قدرته عجيبه على حفظ الاسماء وشوارع المدينة , وأزقتها , كان يطوف بنا برحلة مجانية من لندن الى مدينة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم , بسلاسة ودقة , دون ملل او كلل, فيبدأ مثلا بمنطقة الجبيلة حيث قضى صباه , وهى منطقة خواله عيت الزروق, حيث أنهم يقيمون هناك , يعرّج بنا الى " الثلاث نخلات"المنتصبة أمام الملعب البلدى , ثم يحدثك عن مدرسة عزوز, ومدرسة النور. يتحدث عن الوادى وعام فيضانه الذى قضى على عدد من ابناء المدينه , فى نهاية خمسينات القرن الماضى وبالتفصيل الدقيق , ثم يحدثك عن " الصّنب" حجرة الصوان الكبيرة التى سدّت القوس الذى تمر من تحته مياه الوادى ويصر على انها السبب المباشر لتلك المأساة, ثم يستدرك قائلا , إن الجّمل الذى نفق وجره الوادى كان السبب الرئيسى فى مقتل عائلة " عيت ......" لأن المياه جرفته الى داخل البيت .
كانت درنه بالنسبة للدكتور حمد هى الرئة التى يتنفس بها , لكن" السرطان الخبيث " فتك برئة درنه ورئتى الدكتور أحمد معا . كثيرا ما كان يتحدث عن " زنقة البحر" حيث عاش هناك , ويعرف كل سكانها ويتحدث عن "الجبّخانه" , وعن سيدى بوعزه , وعن سواقى درنه التى كانت تشق منطقة سيدى بومنصور , وسوق الظلام وبعض المناطق الاخرى , وكثيرا ما تحدث عن المغار, والبطحاء , وطابق الكلب , وسيدى عون , وسيدى إمحمد بى, وجبانة الصحابة,وعندما يحدثك عن شلال درنه تكاد تسمع إنسياب مياهه من قمة الجبل , وانت على بعد آلاف الاميال منه. كان يعتبر " ادرينته" بأنها جنة الله فى الارض , وكثيرا ماكان يحكى عن " سوانى " مدينته فينتقل بك من سانية عيت الحصنى , الى سوانى التاجورى , وسوانى عيت بلّو , وسوانى عيت الجبانى , ثم ينقلك الى سوانى عيت بالرمان , وسوانى عيت بوشرتيله , فى ذيل الوادى , وبقية الجنانات التى كانت تسيّج زهرة مدائننا, والتى تحولت بعد أربعة عقود من عمر ثورة النّماء والتجديد , الى خرابة مقفرة مغبرة, لا توجد بها قطرة ماء ولا حبة دواء. الدكتور حمد طالما تحدث عن تلك المدينة الزاهرة والتى اشتهرت بالازهار والياسمين , والريحان والمرتقوش , وأزهار النسرىّ , واشجار الموز والرّمان, وكذلك اشجار التوت العتيقة , والعنب والتين. فالمدينة التى عشقها " رفيق الطرب" كما كان يناديه ذلك الشايب خرّبت سوانيها وجفّت سواقيها واصبح مكبا للنفايات واديها. طالما حدثنا راحلنا العزيز عن ماء الزهرالذى تشتهر به تلك المدينة العطرة .
حيث كان أغلب سكانها يجمعون ازهار الليمون " الشفشيّ" فى مواسمه ويتم تقطيره داخل بيوتهم العامرة , لتنبعث بعد ذلك روائح الأزهار الشّجيّة فى معظم ازقة وشوارع المدينة . لقد توقفت تلك " القدور" وصدئت وما بقي منها تخصصت فى انتاج المشروبات الكحولية الرديئة مثل " المقطر , والقرابه , والبوخة " وأصبحت ادارة مكافحة المخدرات والمواد الممنوعة هى المنتجة والمصدرة والمستوردة فى آن واحد, بعد قيام ثورة المنتجين. وحينما تستمع لحكايات الدكتور حمد عن "إدرينته" يخيل إليك انه مرشد سياحى متخصص , يذكرك " بالبياصة الحمراء" المرصوفة بالحجر الاحمر , ويذهب بك الى تلك الشجرة المزهرة دائما بأزهارها البنفسجية طيلة العام والمتكئة على محل "" للخرازة"" هذه الشجرة التى اضافة " للبياصة" جمالا ورونقا ورائحة زكية , والتى يقال أنّ رجلا تركيا يقيم فى درنه قد جلب جذورها من تركيا وغرسها فى " البياصة" فى أواخر القرن الثامن عشر. وحينما تقف مقابلا لتلك الشجرة , وتخطو عن شمالك عدة خطوات قليلة تجد نفسك فى قلب سوق الخضرة القديم
حيث عراجين الموز , وعناقيد العنب , وعراجين البلح, المتدلية من واجهات المحلات وكذلك رباطى النعناع , والكسبر ,والمعدنوس, ورباطى الحبق, والمرتقوش وقناديل " السبول " وكذلك "إسطولة المصيّر" الجاهزه , فالفواكه والخضروات مرتبة ومنسقة بطريقة جميلة ورائعة ,مع العلم بأن كل ماهو معروض للبيع فى هذا السوق انتاج محلى زرع , وحصد , وقطف , من سوانى هذه المدينة. فى الجزء الغربى من السوق وتحت قدميك , تسمع هدير الساقية المغطأة بنوع خاص من المرمر الرمادى اللون .
كان المقهى الصيفى على ضفة الوادى , ملتقى لجميع شباب ذلك العصر, وكان يعج بالمثقفين والشعراء , والادباء, والسياسيين , والظرفاء من ابناء المدينة , وكانوا يثيرون كل قضايا تلك المرحلة , الداخلية , والخارجية , دون خوف او وجل, وكان الباعة المتجولون , يبيعونهم عقود ملظومة بالزهر والياسمين المشبك على سعف النخيل . فما اجمل تلك الايام وتلك السهارى , التى كانت على ضو القمر, واغانى فيروز ووديع الصافى وصباح فخرى وأم كلثوم , التى تبثها مكروفونات مثبتة بين أغصان الاشجارالتى تلف ذلك المقهى وبصوت شبيها بالهمس كأنه نازلا من سماوات الله , تشدوا فيروز بأغانيها الرائعة . التى طالما استمعنا لها وهى تصدح " يا جبل اللى بعيد خلفك حبايبيا "وكذلك " يا سهريت السهريات إحكايات إتجر احكايات " . كان رواد المقاهى فى تلك السنوات لاشىء محظور عليهم, يتحدثون , عن الشيوعية , والرأسمالية , و اخوان المسلمين , و حزب التحرير, وحزب البعث ,والقوميين العرب , و الامام البدر, وعن عبدالناصر, وهزيمة حزيران , وجلّ الحديث كان ينصبّ على القضايا المحلية , مع النقد اللاذع والجريّ لحكومات " العهد الباهى". الكلّ يتحدث بما فى داخله بصوت عال مسموع وواضح كأنه فى ركن الخطابة " بالهايد بارك " بلندن. فلم يكن من شيمة حكومة ذلك العهد شمّ " افواه" مواطنيها أو التجسس عليهم أو عدّ أنفاسهم , كما يحدث الان بعد أن اصبح القائد وأولاده سيدا للجميع , لم يكن " مولانا الملك المعظم "كما كانت تطلق عليه وزارة الإعلام هذا اللقب . لم يكن هذا المليك الورع التقي فى يوم من الايام خطا احمر ولا اخضرا بل كان يتعرض للنقد واحيانا للتجريح الشنيع , لم يثأر ولو مرة واحدة لنفسه طيلة سنوات حكمه الرشيد . فى المقاهى والنوادى الرياضية الثقافية ,انتشرت الثقافة والمعرفة , لدى الكثير من ابناء تلك المرحلة فتعرفوا على ادباء وشعراء بلادنا وكذلك على اعلام الثقافة فى الوطن العربى وكثير من ادباء وشعراء العالم . فى مقاهى درنه ونواديها كانوا يتحدثون عن بدر شاكر السياب , والبياتى ، وأمل دنقل , وشوقى , وحافظ ابراهيم ,ونازك الملائكة , والعقاد , وطه حسين, وسيد قطب , وجيفاره , والمنفلوطى , وحنه مينه , والاخطل الصغير, وابوالقاسم الشابى , والشلطامى , ونجيب سرور , وكل اعلام الثقافة والادب والسياسة فى تلك المرحلة. لم يتجاهلوا رموز الحركة الثقافية والسياسية فى بلادنا , فكثيرا ما تحدثوا عن شاعر الوطن الكبير رفيق المهدوى , واحمد الشارف, وعبدربه الغناى, والحيروش الحصادى, وعبدالكريم جبريل, وابراهيم الاسطى عمر, وغيرهم من رواد الفكر والمعرفة فى بلادنا .
لم يكن شباب المدينة منسجم مع الخط السياسى لبعض حكومات العهد الملكى فى البلاد, وكانوا يعارضون بشدة وقوة, ويوم ضبط أحد التنظيمات السرية , كان من بينهم العديد من ابناء درنه وضبطت معهم فى بعض المخابى آلات الطباعة والنسخ الخاصة بالمنشورات السرية , وبعض القطع الناريه ورشاشات آليه ,قيل وقتها انها دخلت من معابرالحدود مع مصر, لقد " إسترجلت " حكومة مصر فى ذلك الوقت على بلادنا وعلى دستورنا ففتحت معابرها , وماكينات اعلامها المضللة على بلادنا وحكومتها زورا وبهتانا, ليتها تفعل الان مع غزة وشعبها المحاصربالفعل ما فعلته مع بلادنا فى تلك الايام . وقد حقق مع بعض المتهمين فى هذه القضية المرحوم مفتاح بوشاح وهو قائد لأكبر قوة بوليسية فى ذلك الوقت , سأل المرحوم الفريق مفتاح بوشاح احد المتهمين من ابناء درنه عن اسمه بالكامل , فأجابه المتهم بأنه " فلان بن فلان " كان رد المرحوم مفتاح بوشاح عليه رحمة الله " والله يا أوليدى انا نعرف بوك وعائلتك موش عيب عليك تخلط الناس فى بعضها " هذه هى نوعية رجال السياسة وقادة القوات البوليسية التى كانت تحكم بلادنا فى تلك الايام الخوالى , فلم تهدّم بيوت المتهمين , وبيوت ذويهم , ولم تصفهم الدولة بالكلاب بل تعاملت معهم على اساس مواطنين خرقوا القوانين , وحوكموا فى محاكم مدنية شرعية عادلة , حضرها ذويهم واقاربهم ومحاميهم , وكذلك وسائل الاعلام , لم يعدم منهم احد , لم يهان احد منهم , ومعظمهم مايزالون على قيد الحياة , والشىء العجيب أن بعضهم اعدم فى عصر الجماهير .أمام الإتحاد الإشتراكى فى بنغازى مفتتحا بهم علانية عصر القتل والترهيب, لم تقصف جبال درنه وكهوفها والمناطق والقرى والوديان المجاورة لها بالطائرات والصواريخ والقنابل الحارقة والمحرمة دوليا , ولم تفتش بيوت درنة بالبيت , كما حدث فى عصرالفاشيست الجدد.
حكايات الدكتور حمد عن " إدرينته " لا تنضب ابدا, احيانا يحدثك عن مصنع "صداقة" للمشروبات الغازية, ذلك المشروب الذى له مذاق خاص يضاهى فى الجودة كل المشاريب الغازية العالمية فى تلك الايام , والذى تحول بعد مقولة " شركاء لا أجراء" الى مشروب ردىء لاطعم ولامذاق ولا رائحة له , فقد تحول الى مياه غير عذبة ممزوجة بالسكر . كان الدكتور حمد يعرف صاحب المصنع معرفة شخصية , طالما حدثنا عن المرحوم حسن صداقة مؤسس وصاحب المصنع ,الذى يقع فى منطقة ذيل الوادى , قبل انتقال المصنع الى مدخل درنه الغربى . الدكتور حمد يذكرك دائما بأصدقائه وابناء مدينته , و يحدّثك عن الاستاذ عوض بوشرتيله والحاج حسن وناجى بوشرتيله أبناء منطقة ذيل الوادى ويذكرك ايضا بالحاج محمد الغريانى وأولاده, يذكرك ايضا بالحاج محمد مكراز واولاده , ويحدثك عن الاستاذ محمد المزينى , يتحدث عن صالح اوحيش , وبالروص , يذكرك ايضا , بعياد وإرجيب الهنيد وإلطيف العبيديه , وعطية الصرواحى ," والدوبيزى ", . وكذلك الاستاذ محمد الهنيد , والاستاذ عبدالجواد بوسدره , وعاشور بدر ونوادره الطريفة ,وعبدالسلام صداقه وادريس النعاس وبوبكر الفريطيس , وبوبكر اللواج , وعلى الطشانى , وهلال حويل وابراهيم سلطان, وعبدالعزيز بو خطوه , وفتحى الدوله , وفتح الله انديشه, وابوبكر اعويس , واحمد ربيع ومصطفى بدروعطية بالكسيرات ومزماره الرائع الشهير.وكثيرا ما تحدث عن خاله الزروق . والحاج محمود رافع , وعيت الهرّام , و بريك الطشانى الذى شارك فى انقلاب سبتمبر, الذى قتل فى حادث سيارة مشبوه , ايضا كان يحدثنا عن مفتاح الاشقر حارس المرمى الشهير لأحد الاندية فى درنه , ويحدثنا ايضا عن شقيقه فيصل الاشقر ذلك الحارس الموهوب الذى مات مبكرا فى حادث سيارة رحمه الله .كثيرا ماكان يتحدث عن ذلك الضابط الذى شارك فى الانقلاب , كان هذا الضابط كثير التردد على مدرسة الزهراء للبنات بزيّه العسكرى وبنجومه اللامعة ومسدسه المتدلى على خصره , وبما أن الجنرال الألمانى رومل ذائع الصيت كان يلقب بإسم " ثعلب الصحراء", فقد أطلق ظرفاء المدينة على هذا الضابط البائس لقب " ثعلب الزهراء" تهكما وسخرية منه . " رفيق الطرب" لم ينسى ابدا فرقة الفنون الشعبية , تلك الفرقة التى كانت من اشهر وأرقى فرق الفنون الشعبية فى بلادنا , والتى كانت شعلة مضيئة أضافت لتلك المدينة الكثير من التقدير والاحترام . فقد طافت فرقة الفنون الشعبية معظم مدن بلادنا وسافرت خارج الحدود معرّفة بالتراث الليبيى الاصيل , فقد زارت اليونان , ومالطا , ودول الخليج العربى, ووصلت الى المملكة المتحده , وعرّفت العالم أن ليبيا ليست محطة بنزين متخصصة فى ببيع " القاز والنافتا " فقط . كثيرا ما تحدث عن رواد تلك الفرقه , الاستاذ عبدالله قدور , والاستاذ عبدالله العوامى, والاستاذ محمد البلالى, والاستاذ رافع القاضى , والاستاذ سالم بن زابيه . وكثيرا من الرّواد الذين ساهموا فى عصر النهضة والابداع . وبما أن راحلنا العزيزكثير التردد على خواله فى منطقة الجبيله, فهو من مشجعى نادى دارنس . فهذه المنطقة تناصر وتشجع هذا النادى بحكم ان معظم لاعبيه من تلك المنطقة. الدكتور حمد رحمه الله كان يعرف جميع لاعبى دارنس , وتواريخ انضمامهم واعتزالهم بالنادى .
لقد وهبه الله ذاكرة قويه , يذكرك بخليل دمدوم حارس نادى دارنس الشهير , وعن تمكنه من صد ضربة جزاء خاطئة , منذ قرابة نصف قرن مضى ,كان الحكم قد اعطاها للفريق الاخر حسب اعتقاده, ثم يحدثك عن اللاعب الموهوب عاشور الزروق, ويعتبره من أفضل لاعبي ذلك الزمن.أيضا يمر بك على اللاعب المبدع ارقيق والذى اشتهر فى الملاعب بإسم " قيلاردى" تشبيها لأحد أبرز رياضي العالم فى الخمسينات, يحدثك عن اللاعب الحاسى ولياقته البدنية, وعن عبدالحق الطشانى وبراعته فى الملاعب وخفة دمه, يحدثك ايضا عن الصالحين الضراط , وسالم سويسى"الملقب بالببر" كثيرا ما تحدث عن " الترسينو" عاشور بن خيال. ينتقل بك الدكتور حمد فى حكاياته الى الإبراهيمى السعيد الجزائرى, والذى كان من ألمع وأشهرلاعبى منتخب الجزائر, والذى بعد اعتزاله تحول الى مدرب لفريق دارنس والذى بفضله وبفضل مهارة لاعبيه , تحول دارنس الى مدرسة كروية حديثة يحسب له الحساب , فى ميادين الكرة الليبية والعربية, المجاورة لبلادنا, لقد أدخل المدرب المحترف الإبراهيمى السعيد , فن مصيدة التسلل , وأصبح مهاجمى الفرق التى تقابل دارنس فريسة لهذه المصيدة الكروية .
وبجرة قلم وقّع وزير العمل والشؤون الاجتماعية , عبدالعاطى العبيدى , فى بدايات السبعينات من القرن الماضى , على شطب وإلغاء إسم دارنس , والاتحاد , والاهلى الطرابلسى , ومعظم اسماء الأندية الرياضية فى بلادنا, حدث هذا قبل أن تفرض علينا مقولة الرياضة الجماهيرية , ومقولة إن المتفرجين على رياضة كرة القدم هم المغفلون.
لم ينسى الدكتور حمد فى حكاياته عن " ادرينته" حكم كرة القدم القدير عبدالحميد بوجيدار, وكذلك اللاعب القديم امبارك الشوقى , يحدّثك عن الهوارى ساسى , الدارنيسى حتى النخاع , الذى افنى عمره فى خدمة النادى , فقد كان احد مؤسسى هذا النادى العريق, كان واحدا من جيل المؤسسين لنادى دارنس , وكان الهوارى ساسى , مديرا لبنك باركليز بدرنه , وكان يجيد اللغة الإنجليزيه , كبقية مدراء وكبار موظفى البنوك , قبل ان تتحول البنوك الى مجرد" دكاكين واكشاك لتصريف العملة " والتى اصبحت فيما بعد , تعج بموظفين لاكفاءة لهم , وجهلة , وانتهازيون , ولصوص , ومرتشون, إلآ ما رحم ربى, استطاع الهوارى ساسى , بعلاقاته ان يقنع احد الانجليز الذى يعمل فى الادارة البريطانيه , ان يتحصل منه على مقرا لنادى دارنس , وهو عبارة عن "براريك مقوسة "ومشيدة بطريقة هندسية بديعة . كان الانجليز قد شيدوها كمنشأة إدارية خاصة بهم فى ايام الإدارة البريطانية, يقع هذا المكان فى زنقة " الفنار" وكان أمام هذه " البراريك المقوسة" ملعبا منسقا بالطريقة الهندسية الانجليزية لرياضة التنس الأرضى. " اصبحت هذه البراريك المقوسة " مقرا لنادى دارنس الذى بدأ يثبت جدارته ويشق طريقه كفريق جديد وجدير بالاحترام بين فرق الرياضة الليبية. فى داخل هذا النادى وفى احد زواياه كانت هناك صحيفة حائطية اسمها " الضاد" تصدر شهريا, كان رئيس تحريرها محمد مصلى , ومخرجها , محمد سويسى , ويخطها أنور الدلال, كان ذلك فى حدود اربعة عقود مضت اويزيد, كانت صحيفة الضاد صحيفة , ثقافية , رياضية , تهتم بأخبار المدينه , وكانت تثير قضايا هامة فى تلك المرحلة , لا تستطيع إثارتها صحيفة الزحف الاخضر الواسعة " الانتشار بالمجان " فى عصرالثقافة من حق الجميع , كما تقول نشرات الاذاعة الليبية المشهود لها محليا وعالميا بعدم الصدق , والتضليل .
الشهور الاولى بعد إعلان البيان الاول الذى قيل لنا فيه " لامظلوم, ولا مغبون, بل اخوة احرار ترفرف عليهم راية الحرية والعدالة" . فى أواخر شهريونية من عام 70 م , فجعت مدينة درنه بمقتل احد أبرز أبنائها , فى حادثة إجرام لم تشهد المدينة , ولا البلاد مثيلا لها, منذ هزيمة حكومة" الدوتشى الفاشية" فى ليبيا مرورا بعهد الإدارة البريطانية, وإلى عهد الإستقلال المجيد. كان هذا الفقيد شعلة من الذكاء المتّقد , وصاحب خلق كريم , يتمتع بإحترام الجميع بين ابناء جيله, وكل من عرفه, فقد كان كثير الاطلاع , وصاحب ثقافة واسعة , وكان عسكريا محترفا,تخرج من الدفعة الثانية للجيش الليبى , من الكلية العسكرية الملكية العراقية عام57م . أقتيد المقدم عبد الحميد الماجرى , من بيته فى جنح الظلام , وكان واقفا على قدميه, وبكامل لياقته وعافيته, بحجة أنّ القيادة ترغب فى مشورته فى بعض الامور. كانت ليلة مظلمة حالكة السواد , كبقية ليالى الأربعة عقود التى لحقتها فيما بعد . بعد أقل من شهرين على إقتياده أعيد المقدم عبدالحميد الماجرى , الى بيته فى صندوق وسلم لذويه , وقيل لهم أن " المرحوم" قد مات بسكتة قلبية, تم فتح التابوت , فى " مربوعة " والده , فدهش الجميع, وجدوا آثار تعذيب وحشى على جسد عبدالحميد, حروق فى قدميه , معظم اضافر يديه منتزعة , اثار السياط على ظهره, وعلى كل جسده, كذلك آثار كدمات عنيفة على جبينه, قيل وقتها أن " عبيد عبدالعاطى" كان المشرف على تعذيب المقدم عبدالحميد الماجرى وبقية رفاقه الذين حقق معهم , وقيل ايضا أن المشرف العام على تلك الإنتهاكات كان " الحاج مصطفى الخروبى". كانت مدرسة فتحى الذئب أو " الذئب فتحى " قد فتحت فروعا لها فى ليبيا الثورة, لتبادل خبرات " السلخانات البشرية" بين ثورتى يوليو وسبتمبر.
كان مع المغدور به فى تلك القضية, الكثير من الرجال , الذين بقوا فى السجون لمدد تجاوزت الثلاثين عاما, كان الاستاذ راشد الزبير قد قضى فى ظلمات ظلام سبتمبر, ثمانية وعشرون عاما. والشىء الذى ليس غريبا على قائد مسيرة الانعتاق النهائى , أنه فى التسعينات قلد ومنح الزعيم الافريقى نيلسون مانديلا, أكبر وشاح وجائزة فى الجماهيرية العظمى , وهذه الجائزة تمنح عادة للمناضلين, والمبدعين, والزعماء , والقساوسة الكبار, ورجال الدين الاسلامى, وبعض المطبلين, والمرتشين فى هذا العالم الردىء, وإسم هذه الجائزة هى " جائزة القذافى العالمية لحقوق الانسان" , وقد منحت هذه الجائزة للمناضل نيلسون مانديلا , لقضائه فى سجون التميز العنصرى بجنوب افريقيا قرابة ثمانية وعشرون عاما, فالمحزن هنا ليس منح مانديلا هذه الجائزة , بقيمتها الماديه , حيث أن هذه الجائزة من الناحية الادبية لاقيمة لها, كما وصفتها الصحافة الدولية, ورجال الفكر والثقافة أصحاب الضمائرالتى لم تدنسها الدولارات " المغمسة " بدماء وإضطهاد الشعوب فى هذا العالم "الثقيل السمع" لكن المحزن فيها انها يوم منحت للمناضل مانديلا حيث أن المكان الذى منحت فيه تلك الجائزة , لم يكن بعيدا, عن مكان مظلم نتن يقبع فيه المناضل السيد احمد الزبير حيث قضى فى ذلك المكان ثلاثون خريفا, من عمره ولم يخرج من ذلك المكان المظلم , ولم يرى فيها شمس الله ولا خلقه الكرام , إلا بعد عام آخر, حيث أن مجمل ماقضاه فى معتقلات ثورة الحرية والإشتراكية والوحدة سيئة الصيت والعمل , واحد وثلاثون عاما بالتمام والكمال . " فالظلم والفاتح ابدا لن يدوم" هكذا يقول التاريخ الإنسانى .
بعد تخرج الدكتور حمد من القاهرة, ورجوعة الى "إدرينته", عمل طبيبا فى مستشفى " الوحدة" .كطبيب عام ,فى ذلك المستشفى الذى تم تشيده فى عهد الاستعمار الايطالى , ثم تم توسيعه وزيادة بعض اقسامه فى عهد الاستقلال. ومنذ ذلك العهد الى يومنا هذا , لايزال " مستشفى الوحده " وربما اسموه مستشفى " الوحده " بكسر الواو لأنه سيكون الوحيد واليتيم فى تلك المدينة, رغم مرور أربعين عاما على ثورة الإنجازات . كان الدكتور سالم ساسى , هو الذى يتولى إدارة المستشفى , يساعده فى إدارته مجموعة من اصحاب الكفاءات الليبية فى إدارة المستشفيات,وكان من بينهم عبدالجواد الشريف وعدد من أهل الإختصاص والخبرة. استمر الدكتور حمد فى هذا المستشفى قرابة عامين , كون مع الجميع وخاصة المرضى و كبارالسن الذين يتعالجون فى هذا المستشفى علاقات اجتماعية وانسانية حميمية , مع ابناء مدينته , وابناء القرى المجاورة , المحرومة من المستشفيات والرعاية الصحية بالكامل . بعد قيام الإنقلاب الثانى , الذى قاده نفس الإنقلابى الاول , والذى أطلق عليه فيما بعد ( خطاب زواره) . هذا الإنقلاب الذى حوّل بلادنا وشعبها الى مختبر بدائى فاشل , ولست أغالى , فربما كانت المختبرات العلمية للجرذان والأرانب , أفضل حالا مما مورس فيه بحق المواطن والوطن الليبى, وكان من أخطر ما ورد فى بنود ( إنقلاب زوارة) , هو إلغاء القوانين , والثورة الإدارية, التى حرقت الاخضر واليابس معا , وكان فى هذا الانقلاب بنود اخرى سيئة كانت من اهم الاسباب التى جعلت بلادنا الغنية بمواردها وموقعها , فريسة سهلة لكل لص ومحتال وصاحب ضمير ميت , من داخل الحدود أو خارجها, سواء كانوا افراد , اومجموعات , أو حكومات إنتهازية , صغيرة كانت ام كبيرة . فى مستشفى الوحدة بدرنه طبقت , مقولة الثورة الإدارية سيطرت على المستشفى لجنة شعبية من عدة اشخاص, لم يكن من بينهم " انصاف متعلمين" كما يقال فجلّهم " اسداس متعلمين" أو أدنى من ذلك , فرئيس اللجنة الجديد كان يعمل فى وظيفة " تمرجى بدائى" , ونائبه كان سائقا لعربة الاسعاف , وبقية الأعضاء كان منهم " الغفير الّيلى" بالمستشفى والاخر كان طباخا غير ماهرا, طالما اشتكى المرضى من رداءة طبخه "ومرطزته", وكان احد اعضاء هذه اللجنة ( وشيرى) ساعى بريد بين اقسام المستشفى , اجتمعت هذه اللجنة اول مرة بعد سيطرتها على جميع مرافق المستشفى, فى جلسة طارئة , وقررت , طرد جميع المدراء والإداريين , ورؤساء الاقسام , وفى اليوم التالى استدعت اللجنة الجديدة , الدكتور سالم ساسى, الذى كان مديرا للمستشفى, وقال "التمرجى" الذى اصبح مديرا جديدا للمستشفى واضعا " سبابته اليسرى " فى منخره , موجها كلامه للدكتور سالم ,( وين انحطك يا سالم, وين انحطك يا سالم) , ردّ عليه الدكتور سالم ساخرا " حطنى " دكتور يا " فندى" .
كان هذا الافندى الإنتهازى ,بجهد يفك الخط وصعوبة , بعدها بشهور قليله , أهملت هذه اللجنة شؤون الصحة بالمدينة والقرى المجاورة لها, وأهتمت بصحتها وأحوالها الخاصة.
كان من أولويات هذه اللجنة الجديدة, تجديد طاقم التمريض , وخاصة العنصر النسائى . سافر معظم اعضاء هذه اللجنة الى يوغسلافيا الإتحادية فى ذلك الوقت , لجلب عدد من الممرضات كان من شروط ومؤهلات قبول هذه الممرضات أن تكون الممرضة شقراء , وذات عيون خضراء , ولا يهم ان كانت مارست مهنة التمريض الانسانية من قبل ام لا. المهم أن تكون على استعداد لممارسة أقدم مهنة فى التاريخ الانسانى , ومن ذلك الزمن البعيد الى يومنا هذا, تآكل , واهترأ , ثم تهدم بالكامل , النظام الصحى فى كل مدينة وقرية فى بلادنا التى كان اسمها الرسمى آنذاك ( الجمهورية العربية الليبية). حدث كل ذلك يوم كان , الدكتور مفتاح الاسطى عمر, وزيرا للصحة, ذلك الطبيب الذى ابتعد عن مهنته وتخلى عن إنسانيته, وتحول الى محترف ومفسرا لشرح الأطروحات " والطّروح" التى سادت فيما بعد. وقد روى عنه والعهدة على الراوى كما يقال. أنه ذات يوم فى إجتماع صاخب ملىء " بكر الحبال والتكشيك" , والمزايدات, اختلف المجتمعون على تفسير إحدى المقولات . وفجأة دون علم الجميع , دخل صاحب المقولة وصاحب كل شىء فى بلادنا. هنا وقف الطبيب مفتاح الاسطى عمر هاتفا ( عندما يأتى الماء يبطل التّيمم ) .ومن باب العلم والتذكير فقط وللسيد مفتاح الاسطى عمر وزير الصحة السابق , ولكل أمناء الصحة الذين تعاقبوا على هذا المنصب فى ربوع جماهيريتنا المريضة. أن الدكتور حمد بوشيحة الذى هو الان فى ذمة الله. قد عولج فى مستشفى " سانت ميرى" فى منطقة بادنغتون بلندن , وحظى برعاية صحية كاملة . لم يعامل على اساس عرقى, او طائفى, او قبلى, او دينى, أو حزبى,أو ثورى . أو رجعى ,عومل على اساس انسانى بحت . وقد صرف عليه طيلة مرضه, الذى استمر عشرة اشهر, حسب تقديرات احد الاطباء, مبلغ وقدره ثلاثمائة وخمسون ألف جنيه إسترلينى . صرف كل هذا المبلغ من قبل وزارة الصحة البريطانية , دون اجتماعات , ووساطات , وولاءات , ومحسوبيات. فمبلغ بهذا الرقم يسيل له لعاب أى لص إنقلب أمينا على احدى أمانات بلادنا, وخاصة عندما يحول مبلغ بهذا الحجم من الاسترلينى الى الدولار الاخضر, الذى تركع له الان الكثير من الجباه , ثم يحول بعد ذلك وإلى الابد فى الحسابات الخاصة , بأسمائهم , واسماء زوجاتهم , وأولادهم القصّر, خارج الحدود .
سهارى الدكتور حمد عن " إدرينته" متدفقة لا تنتهى أبدا, يحدثك عن الحاج محمد مفتاح المعروف " بشميعة الدره ", ذلك الرجل الكادح, الذى عاش ومات فى دكانه , من أجل لقمة عيش حلال له ولأسرته , وبعرق جبينه , كان يقف على قدمية لأكثر من خمسة عشر ساعة فى اليوم. كوّن " شميعة" ثروة لابأس بها من محل بقالة كان يعمل بها مع شقيقة , على مدار الأربع والعشرون ساعة فى اليوم.كانت مدخرات شميعة نقديه ولم يكن يتعامل مع البنوك, وذات يوم وفى سويعاته الاولى وبدون مقدمات, أعلنت الدولة بإيعاز من صاحبها. إلغاء العملة المتداولة فى البلاد, وتم فى نفس الصباح طرح عملة جديدة, واصبحت العملة السابقة عبارة عن ورق لاقيمة له , حتى أن بعض ممن كان يملك تلك الاوراق النقدية قدمها للحيوانات " كعلفة ". خسر الحاج " اشميعة" كل مدخراته التى جمعها بكدّ , وعرق , وشرف ,أصيب بعدها بجلطة أودت بحياته . فأرتاح من الجماهيرية وعذاباتها. ما جمعه المرحوم " اشميعة" وادخره, طيلة نصف قرن من الزمان, لايساوى " لهطة من لهطات " الزّهاد الاشتراكيون الجدد , بمكالمة هاتفية لا تستغرق خمس دقائق, فى عقد صفقة أو رشوة , أو مشروع وهمى على الورق, تسمى الان فى " عصر الواغمة " الجديدة شطارة أو تشغيل " دماغ" .
يعود بك الدكتور حمد , الى الجبيله , والملعب البلدى, وبعض الشوارع والازقة فى " ادرينته", ويحدثك عن " نعميسى يا طازه", الذى كان يطوف على تلك المناطق ذلك الرجل الاسمر العجوز شبه الكفيف, والذى يضع على صدره صندوق صغير , معلق برقبته, وينادى معلنا عن سلعته, " نعميسى يا طازه" . كان هذا الرجل يبيع الحمص والكاكوية والزريعة الطازجة . ثم يذكرك برجل آخر , يعيش ويقتات بعرق جبينه , فالجميع يعرفونه بإسم " إحويمى ". كان " إحويمى " يبيع الفول والحمص المسلوق , وكان مشهورا بعباراته التى يروج بها لبيع بضاعته . كان دائما يردد وبإستمرار " ساخن ويبوخ .. . يدقل من ناره ... .فول إحويمى". لم ينسى الدكتور حمد بوشيحه , فى سهاريه, " إعباره" و" إعباره" هذا رجل فقد ساقيه من أعلى الرّكبة , وايضا فقد احدى يديه, اثناء غارة جوية على مدينة درنة وبالتحديد امام المبنى الإدارى للإذاعة الليبية بالقرب من الزاوية الرفاعية اثناء الحرب العالمية الثانية, كان "إعباره" من معالم تلك المنطقة , وقد صنعت له احدى ورش النجارة صندوق خشبى, مثبت بأسفله دواليب " كوشينيتى " سهلت عليه عملية التنقل فى شوارع وأزقة المدينة . كثيرا ما ذكّرنا الدكتور حمد , بدراويش المدينة , كان يحدثنا عن بوبكر ذلك الشاب الذى كان رساما موهوبا لكنه كان حاد المزاج , أيضا يحدثنا الدكتور احمد بوشيحه عن سى " حمد باله " قبل ان نتحدث عن " سى حمد باله " ومقولاته وشطحاته وشخصيته لابد هنا ان نعرّف بهذه الشخصية .فى النصف الثانى من عقد الستينات من القرن الماضى وصل " سى حمد باله " الى مدينة درنه قادما اليها من احدى مدننا الغربية وبالذات من منطقة مسلاته ويوم وصوله كان رجلا فى منتصف العقد الرابع من عمره الغير سعيد , استقر فى المدينة وبدأ يعمل مع احدى شركات المقاولة كعامل بناء ويقال عنه أنه كان عاملا نشيطا ومخلصا فى مجال عمله لكن يبدوا أن حظه سىء كحظ المدينة الّتى اختار ان يعيش فيها , فقد كان " سى حمد باله " كل آخر يوم بعد ان يستكمل عمله الشاق ينظف عدة الشغل وهى مكونه من " بالة " ويقوم بسحبها ووضعها على كتفيه ويرجع بها الى بيته شاقا بها كل شوراع المدينة ودروبها ليباشر عمله فى اليوم التالى بعدته الخاصة استمر على هذا المنوال لعدة أشهر فأنتبه الصّبية وبعض الاشقياء لهذه الظاهرة الجديده فقرروا معاكسته ومشاكسته بإسم باله فالكل اصبح يناديه باله باله باله فى البداية لم يرد عليهم ومع اصرارهم على مناداته بهذا اللقب الجديد الذى يبدوا أنه إستفزه واصبح يرد عليهم بأقسى العبارات . رمى " سى حمد باله" عدة الشغل التى سببت له هذا الازعاج وأمتنع عن الذهاب لمقر عمله وقرر أن يتقاعد من تلقاء نفسه واستبدل زيّه ولباسه المكون من اللبس الافرنجى وقرر ان يلبس لباسنا التقليدى الليبيى فرملة وزبون وجرد وطاقية حمراء تارة وتارة سوداء ثم اطلق شاربه ولحيته ثم استبدل منزله فى المدينة ونزح الى احد الكهوف بالقرب من منطقة بومسافر خارج المدينة بعدة كيلومترات وجعل من تلك " الحقفة" مأوى وسكنا له . بدأ " سى حمد باله" يتأقلم مع هذه الحياة الجديدة الّتى لم يختارها ولكنها فرضت عليه . " سى حمد باله" صاحب مقولات مجنونة , لكنها طريفة ومضحكة وبريئة لم تؤذى مقولاته أحد . من مقولات " سى حمد باله" قف فى مكانك لا تمشى على زولى " . عرف سى حمد باله , بخفة دمه , وكثرة مقولاته البديعة , فسى " حمد باله" كان كلما اشتد الحر كلما ازدادت مقولاته وخطبه . وكان " سى حمد باله" يكره الضجيج الذى كانت تبثه سيارات اللإتحاد الإشتراكى عبر مكروفونات مثبتة فى مقدمة السيارات , فيلجأ الى داخل سوق الظلام مسرعا وهاتفا بمقولاته مثل " يا باطاطا فى إحكك " " ياللى ركبوكم فى ايتبوس واحد" " ياللى رئيسكم اومباشى ".
ذات مرة ضايقه احد الاصدقاء بمداعباته , إنفعل" سى حمد باله " وبعباراته التى يعرفها الكثيرممن عاصروه . قال له , عليك اللعنة من هنا الى سابع سماء " تستيف لاميته ". لم يخلع " سى حمد باله" عباءته الصوفية الثقيلة , فى كل المواسم, ودائما يضع على عينيه نظّارة بعدسات كبيرة قاتمة الإصفرار, أطلق عليه أحد الظرفاء لقب " البيجو" حيث ان سيارات البيجو تبث نورا شديد الإصفرار فى عتمة الليل , وكان يحب التدخين بشراهة . ذات مرة كنت مع صديقين متجهين الى درنه, وبالقرب من وادى " الناقة" ذلك الوادى, الذى انقلبت فيه شاحنة عسكرية كانت تقل دبابة قادمة من الجزائر, لنجدة مصر فى حربها عام73 م , ولايزال هيكل تلك الدبابة فى قعر وادى " الناقة " الى يومنا هذا. وما أن ابتعدنا عن وادى الناقة بقليل حتى توقف صديقنا السائق, فقد لمح سى حمد باله متجها الى درنه سيرا على الاقدام , ركب معنا فى السيارة الى ان وصلنا المدينه , فطلب سى حمد باله من السائق ان ينزله امام مقهى النجمة , وما أن وصلنا الى المكان الذى يريده , حتى قلت له, انت وصلت يا سى حمد فرّد على الفور, بطريقته وقال " اناواصل بيكم وبلاكم ".
أيزنهاور درويش آخر , عرفته المدينة , يقال أنه فقد عقله عندما كان فى العاشرة من عمره , بعد غارة جوية على المكان الذى كان يأويه مع اسرته, اثناء الحرب العالمية الثانية. فقد اطلق عليه هذا اللقب لأنه يرتدى دائما معطفا عسكريا , زيتى اللون, من بقايا ملابس ومعاطف جيوش الحلفاء , وخاصة الجيش البريطانى. زيّن أيزنهاور كتفيه , وياقته , وصدره بكثير من " مغاطى القازوزه", والنياشين وكان يضع خلف ظهره خشبة مربوطة من اطرافها , ومعلقة بعنقه , كأنها بندقية.
كان أيزنهاور دائم التّواجد على شواطىء المدينة , وخاصة فى نهاية الوادى حيث تلتقى نهاية الوادى بالبحر مباشرة . كان " الجنرال" أيزنهاور , يجمع " القزّ " الحجر الصوانى الموجود بكثرة على الشاطىء والوادى معا , ثم يقوم ببناء أكوام , وسواتر من " القزّ ", بحجم طوله , ثم يبدأ معاركه الوهمية , متنقلا من ساتر لآخر بحركات سريعة , كأنه فى معركة حقيقية, فتارة يخفض رأسه خلف كوم" القزّ " وتارة يطل برأسه بحذر شديد ملوحا ببندقيته الخشبية , ثم يخرج من خلف السواتر , ويقترب من الشاطىء البحرى , ويبدأ بالمشى بخطوات كأنه فى طابور ( من طوابير عيد الفطر والجلاء) , لايكلم احدا ولا يعير اهتماما لأحد. لقد قرأ ايزنهاور الطالع وتنبأ بأن الشعب المسلح غير قابل للهزيمة فسبق الجميع وسلح نفسه بنفسه , " بمغاطى القازوزه " ونياشين وسواتر من "القزّ" وبندقية خشبية لم تكلفه مئتى دينار, كما حدث مع بقية ابناء وطنه فيما بعد .

فتح الله بزيو


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home