Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الإربعاء 3 مارس 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

لماذا هذا الحب وهذا الحنين للعهد الملكي؟ (2)

لماذا يحس الليبيون ومن أعماقهم بشعور ملؤه الحب والحنين تجاه العهد الملكي ، رغم مضي مدة أربعين عاما على اغتيال هذا العهد ؟؟

هل لأن الليبيين ، لمسوا الفوارق الشاسعة بين ما كانوا عليه في ظل هذا العهد ؟ وبين ما آلت إليه أوضاعهم في ظل العهد الانقلابي الحالي ؟

أم أن سبب هذا الشعور بالحب والحنيين يرجع إلى اقتناع الليبيين بأن العهد الملكي كان عهدا شرعيا دستوريا منبثقا عن الإرادة الجماعية الحرة للشعب الليبي ، وليس وليد الغدر أو الغش أو الخيانة ، مثلما هو حال الوضع القائم حاليا في ليبيا ...؟

وسندهم في ذلك ، أن النظام الملكي ، قام في ليبيا ، بعد كفاح طويل خاضه الشعب الليبي من أجل الاستقلال والحرية وبناء دولة القانون والشرعية ، ولم يقم هذا النظام بصورة المفاجأة ، أو عن طريق الغدر والاستيلاء ، أو بواسطة الإكراه ، كما أنه لم يولد ليلا أو جنح الظلام ، بل أعلن عن مولده في احتفال علني عام شارك فيه الليبيون جميعا بأجسادهم أو بأرواحهم ، باعتباره أمنية الأماني الوطنية .

وهذا بخلاف العهد الراهن الذي يؤمن الليبيون بأنه نظام غير شرعي ، وأنه كان نتيجة لمؤامرة كبيرة ، دبرت ونفذت بليل مظلم كالح السواد .

وهي مؤامرة استهدفت الشعب الليبي في أمانيه وأهدافه الوطنية النبيلة ، وكان غرضها الأساسي إعادته إلى الحالة التي كان عليها قبل الاستقلال .

وكأن القوى الخفية التي كانت ومازالت تقف إلى جانب النظام غير الشرعي الذي أوجدته ، تستكثر على الليبيين ، أن تكون لهم دولة دستورية تحمي الحقوق وتصون الحريات ، وأن يستمتعوا بخيرات وثروات وطنهم التي بدأت تتكشف وتظهر ، وتنعكس إيجابا على أحوالهم المعيشية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، وهذا بالفعل ما تحقق خلال سنوات قليلة بعد ظهور واكتشاف النفط في البلاد .

وإذا كان الثابت يقينا أن المواطن الليبي ، قد عرف ، ولأول مرة في تاريخه ، أن لديه دولة تجمع الليبيين جميعا على اسس المساواة والكرامة والمواطنة والأخوة والعدالة ، وأنه لمس فعلا وواقعا ، وجود هذه الدولة من الناحية العملية ، وما ترتب على قيامها من نتائج انعكست بدورها على حياة المواطن الفرد .

ألا يكفي ذلك وحده ، أن يكون سببا يدعو الليبيين إلى أن ينظروا بكل الحب والتقدير للعهد الملكي ؟ وإذا كان هذا هو الواقع الذي عايشه الليبيون ، وصنعوه بإراداتهم الحرة ، فإنه سيظل على مر التاريخ موضع الاعتزاز والإجلال .

بل يكفي العهد الملكي أن يحوذ حب وقبول الليبيين ، لمجرد أنه تبنى مسيرة الكفاح من أجل الاستقلال وقيام الدولة الحرة ، وأنه أنجز هذا العمل التاريخي العظيم .

ولهذا فإن رجال هذا العهد ، يتمتعون بإعجاب وتقدير بني وطنهم ، إذ يكفي هؤلاء الرجال العظام فخرا واعتزازا أنهم شاركوا في صنع الاستقلال الوطني للشعب الليبي ، وإنهم بهذا الانجاز الكبير صاروا أبطالا حقيقيون بمنظور تاريخي ، مثلما كانوا كذلك في مرحلة النضال الوطني لنيل الاستقلال .

واستقلال ليبيا هو أقدس الأقداس بالنسبة للشعب الليبي ، وبالتحديد بالنسبة للمواطن الليبي الفرد . فهذا المواطن الليبي الفرد لم يكن شيئا مذكورا قبل الاستقلال ، فليس لأي ليبي اليوم أن يدعي أو يزعم أنه كان له وجود فعلي قبل الاستقلال .

هذا على مستوى المواطن الفرد ، أما على صعيد الشعب الليبي، فإن الاستقلال ، كان بمثابة ولادة لكائن جديد يتمتع بالشرعية والكرامة والوجود .

وهذا الاستقلال لم يأت مصادفة أو بصورة فجائية أو اعتباطا ، ولم يأت عن طريق الغدر أو الدجل أو الاغتصاب أو الإكراه ، بل كان ثمرة كفاح مرير وتضحيات جسام بذلها الليبيون جميعا ، طواعية واختيارا ، وذلك بفضل القيادات والزعامات الوطنية المرموقة التي قادت مسيرة الكفاح الوطني ، وكأن على رأسهم المغفور له الملك إدريس السنوسي ، مؤسس الدولة الليبية الحديثة . وهو الذي أجمعت على قيادته وزعامته ، كلمة الأمة لليبيية .

وكان الرجل في مستوى الأمانة والثقة والمسؤولية ، وكذلك كان غيره من القادة والزعماء الوطنيين الذين أتخذوا من ليبيا الوطن وليبيا الغاية وليبيا المستقبل ، غايتهم ومنتهى أمانيهم ولم تشغلهم عن هذه الغاية ، أي غاية أخرى ، فكل شيء بالنسبة لهم غير ليبيا ، لم تكن له أهمية ، كانوا مخلصين للوطن ، وقدموا له كل غال ونفيس ، وبفضل تضحياتهم ، صنعوا لنا دولة دستورية تحمي الحقوق وتصون الحريات ، وتحترم كرامة المواطن .

إذا كان هذا هو حال رجالات المملكة الليبية ، أفلا يكون ذلك سبب كاف لوحده أن يشعر الليبيون تجاههم بكل الحب والتقدير والإجلال ؟

وعندما غاب العهد الملكي في ظروف مشبوهة ، وغامضة وبغير مبررات ، ضاعت الحقوق والحريات وانتهكت الكرامة . وفقدنا الدولة التي تحمي الحقوق وتصون الحريات .

وعندما قام في ليبيا ، نظام جديد بعد العهد الملكي ، قام هذا النظام على البلطجة والعبث والتسلط ، وجاء إلينا غدرا وعن طريق الخيانة والخسة والاستيلاء ، وهو أسلوب اللصوص وقطاع الطرق ، وفي ليلة كالحة السواد ، وتحت جنح الظلام .

وكان من أولى النتائج الكارثية التي ترتبت على النظام الانقلابي المشبوه ، إن فقدت الدولة ، الاستقلال ، ومن ثم فقد الشعب الليبي ، وبالتحديد المواطن الفرد ، الدستور والقانون والشرعية والأمن والأمان .

وبدأ هذا الشعب مسيرة المعاناة ، معاناة مع القمع ، معاناة مع البطش ، معاناة مع التجويع والتشريد والتهميش ، وكأن العهد الجديد ، يريد العودة بالبلاد إلى ماكان عليه الحال قبل الاستقلال وقبل قيام الدولة الحديثة في ليبيا ، بل الحق والموضوعية تفرض علينا أن نقول أن هذا النظام الانقلابي أعادنا ليس إلى الحال التي كنا عليها قبل الاستقلال ، بل إلى حالة أسواء من حالة ما قبل الاستقلال ، فهذه الحالة الاخيرة لم تشهد مثل هذه الموجه العارمة التي أصابت الشعب الليبي ، من التقتيل والتنكيل ومصادرة الحقوق والحريات .

وهكذا تذكر الليبيون ما قاله لهم الملك الصالح إدريس السنوسي ، وكان قليل الكلام ، وكان ذلك بعد الإعلان مباشرة عن قيام المملكة الليبية المتحدة في الرابع والعشرين من ديسمبر 1951 ، قال الملك إدريس لنا " إن المحافظة على الاستقلال ، أصعب من نيله " .

وهكذا لم نحافظ على الاستقلال ، بل فرطنا فيه ، والمفرط أولى بالخسارة ، وهكذا خسرنا كل شيء ، وعلى نحو لا مثيل له ، حتى الدول والشعوب والأقاليم الخاضعة للإحتلال الأجنبي لم تتعرض لمثل ما تعرضنا له من مهانة وبطش واستبداد .

وهذا في حد ذاته ، يكفي ، لأن يكون سببا رئيسيا كي نشعر تجاه العهد الملكي بكل الحنين وكل الحب وكل التقدير ، وشعورنا هذا يقودنا وبصورة آليه إلى الإحساس بالنقمة والكراهية والبغضاء نحو النظام الانقلابي الذي سفك الدماء التي حرم الله قتلها ، وشن حربا شرسة على الشعب الليبي الأعزل ، وصادر الحقوق والحريات ، ومارس علينا اسوأ وأقبح واحط مما يمارسه علينا المحتل الإيطالي .

المحتل الإيطالي كان في حربه ضد الليبين ، ملتزما بحد أدني من الضمير والذوق والأدب والمسؤولية الأخلاقية ، أما العصابة التي حكمت ليبيا بعد الانقلاب المشؤوم ، فلا ضمير لها ولا أخلاق ، فهي مجردة من كل معاني المسؤولية والذوق والأدب ، بعد أن حولت الوطن بكامله إلى سجن كبير ، وكل ذلك يكفي بذاته ، لأن يحتقر الليبيون هذه العصابة ، وإن يكون إحساسهم تجاهها هو الاحساس بالبغض والإزدراء والكراهية .

على أن هذا الاحساس ليس هو في حقيقة الأمر هو الذي يجعل الليبيين يشعرون تجاه العهد الملكي بالحب والحنيين ، بل هناك اسباب موضوعية أخرى تكمن وراء ذلك الشعور الطبيعي التلقائي ، وهو ما سنحاول معالجته في الجزء التالي .

علي أبوشنة الغرياني
________________________________________________

الحلقة (1) : http://www.libya-watanona.com/letters/v2009a/v27feb10m.htm


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home