Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الإربعاء 3 مارس 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

بوسليم تراكم الجرائم

مأساة ما قبل نهاية الألفية:

لا يختلف إثنان "عاقلا طبعا" أن ما حدث صبيحة 29.06.1996 في العاصمة الليبية طرابلس و تحديدا في سجن بوسليم من قتل لما يزيد عن (1200) من السجناء السياسيين العزل، يعد جريمة وطنية كبرى، لم يسبق لها في التاريخ الليبي مثيل.

أعراف الغابة:

تعود الشعب الليبي على أعراف "فطرية - بشرية" سادت لعقود ، تشبث بها الليبيون حتى في أحلك الأوقات و أقسى الظروف ، مثل الحروب أو عند الخصام و الشجار.

فقواعد الشجار بالأيدي تقتضي تماثل عدد المتخاصمين "واحد مقابل واحد" و إلا صارت "نصرة كلاب" و حينها لا يعتد بمن غلب و لا يعد منتصراً.

ضرورة المواجهة و التقابل "وجها لوجه" و عدم الهجوم من الخلف و إلا صارت "خونة" و يعد فاعلها لئيماً غادراً يعير بفعله. بل إن حمل السكين و إشهاره في وجه العدو إن كان أعزلاً ، يعد علامة ضعف في ذاته، و يعتبر حامله جباناً. لقد غابت كل هذه الأعراف البشرية "الأصيلة" عن المجتمع و سادت أعراف حيوانية شرسة ، لم تجد لها موجهاً و لا رادعاً.

ما حدث في ذلك اليوم المشؤوم يجسد إجتماع كل قيم الإنحطاط البشري، فالإقدام على قتل هذا الكم "الهائل" لسجناء "عزًل" أنهكهم "المرض" و أضنتهم "الوحشة" في سجون "وطنهم" و دونما "ذنب" إقترفوه ، و لا وجود ل"منجد" يغيث ، و لا أمل "للهروب" يرتجى ، و "إخلاف" للعهد بالأمان قبل ذلك ، و لا "إكرام لميت" بدفنه بعدها.

صمت زمن الإغلاق

تجاهل مريب و إنكار عجيب خيم على هذه المأساة ، نجحت الدولة في الحفاظ عليه لعدد (8) سنيين متتالية ، إبتدره العقيد القذافي بتصريح "مفاجئ" أمام وفد منظمة العفو الدولية ،و التي كان لها فضل كسر جدار الصمت بإصدارها أول بيان عن الحادثة بعد أسابيع من وقوعها، حين كانت ليبيا في عزلة تامة عن العالم الخارجي و تفعل الحكومة ما يحلو لها من إنتهاكات دون مبالاة بحجج تجيدها كل الأنظمة الديكتاتورية.

كلمة العقيد القذافي مفادها، أن لأهالي الضحايا الحق في معرفة مصير أبنائهم، و قد كان القذافي قبل ذلك يكرر في خطابات عامة "مطمئنا" أهالي السجناء أن تناسوهم، واصفاً إياهم بأنهم مثل مرضى السرطان و مرضى الإيدز لا أمل في حياتهم و أنهم يستحقون الموت لأنهم "إرهابيون" مدندناً على النغمة يطرب لها سمع الغرب قديما و لاحقا.

الغرب ، ورد و شوك

لا شك أن العزلة عن العالم الخارجي التي عاشتها ليبيا لعقد كامل من الزمان و ما سبقها من "تجارب" ثورية لأكثر من عقدين قبلها إنهارت خلالها مؤسسات الدولة ، و أكلت الأخضر و اليابس، كان لها دورها في جهل الغرب – مؤسساته الحقوقية على الأقل - بما يحصل من إنتهاكات يومية على كل مستوى. جملة ما حدث بعد ذلك من ظروف إقليمية و دولية و أهمها طبعا أحداث سبتمبر و ما تبعه من حربي أفغانستان و العراق ولا ننس المقاومة العرقية و دورها الرئيسي في إيقاف المد الأمريكي ، و تمديد عمر النظام الليبي ، الذي تنازل جملة و تفصيلا عن كل المبادئ السابقة التي كان ينادي بها للحصول على شرعيته ، و تنازل أثناءها أيضا كثير من رموز الغرب و قادته متقاطرين على "الخيمة" للحصول على مايمكن الحصول عليه قبل إنتهاء ولاياتهم. و لكن لقبول الغرب و إدماج نظام له سوابق ببشاعة "الجماهيرية" يقتضي التنازل عن بقية "المبادئ" و السماح "بتدنيس" الأرض الطاهرة بأقدام غيرهم من المراقبين لمعرفة ما يجري على الأرض و ضمان تدفق إكسير الحياة العصري "النفط" و كذلك سلامة الإستثمارات المرصودة. فأبوابنا صارت مفتوحة الآن على الغرب بحكوماته ، و مؤسساته، فلم تعد سياسة الطمس و الكتمان تجدي نفعا، و لم يعد التحدث عن "الجماهيرية" كاستثناء كونها تجربة فريدة، يقنع أحدا ، فالمنظومة الدولية لديها من التجارب و الخبرات عن النظم الديكتاتورية ما يكفيها و تستطيع من خلال نظرات رجال الجوازات في المطار أن تشتم رائحة الكبت و الظلم التي تعبق أجواء بقية البلد.

المناقب و المثالب

"فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً" ، هكذا قال رسولنا الكريم عليه الصلاة و السلام، و قد قدر لنا أن نعيش و أن نرى "الكثير الكثير" من هذا الإختلاف ، و ما لم نكن نتوقعه أن نرى هذا الإختلاف في ذات الجسد، فمعظم – إن لم يكن كل – أولئك المغدور بهم في هذه المجزرة البشرية، وجهت لهم التهمة الجاهزة العمالة للغرب و "لأمريكا" تحديدا ، عندما كانت العلاقة بأمريكا مثلبة تهدر لأجلها الدماء. و الحمد لله - الذي لا يحمد على مكروه سواه - أنهم ماتوا قبل أن يروا من يفتري عليهم هذه "التهمة" صار يفاخر "جهارا نهارا" بما كان ينكره عليهم قبلا ، بعدما صارت "العمالة" منقبة يتبارى القوم لأجلها ، و لأجلها أيضا تشد الرحال ، و بأرضها تستجدى مضارب للخيام.

موقعة بوسليم و الرهان على عامل الزمن

بعد ال (8) سنوات الأولى من الكتمان و (4) سنوات أخرى بعدها من تصريح الأب ، يصرح "الإبن" السيد سيف الإسلام القذافي في مؤتمر سمي "الحقيقة" - في خضم "جعجعة" الإصلاح - بأن التحقيقات قد تمت و أن نتائج التحقيق ستنشر قريبا، و لعل نظرية "أينشتين و النسبية" تكون مبررا لقريباً "هذه" التي تنتظر حولها الثاني ، و بدلا من أن نرى "الطحين" ، نفاجأ بال "الخضار" محققا في "القضية" و يقسم سيادته بأغلظ الأيمان بأنه سيصل إلى "الحقيقة" و ينشرها على الملأ، و يزودنا بما تيسر له من "باكورة" التحقيقات محاولا إقتطاف الثمار قبل نضوجها فله في هذا الميدان باع ، و يأتي بتصريح لم يسبق إليه الأولون و لا الآخرون "بتبرير" مبدئى مفاده أن "موقعة" بوسليم قد سقط فيها من الجانبين المئات. و لن تسعف السيد الخضار "النسبية" حيث أنتهى السقف الذي حدده لنشر نتائج تحقيقاته المبدئية و النهائية .

غراب و سوءات

ربما يكون ل "فقاعة هدم السجن" الإعلامية التي نشرتها "صحيفة ليبيا اليوم"، مخرجا منطقيا لتبرير "المقتلة" و إزالة آثار ما تبقى من أثر على مسرح الجريمة. و رغم تطلعنا لإزالة كل رمز للظلم و أولها سيئ الذكر بوسليم ، إلا إن منطق إبراز الحق وإحقاق العدل يأبى ذلك. و إن فعلها "ولي عهدنا" الميمون يكون قد أقحم نفسه في نفق الظلم مبكرا . و وضع يده "الطاهرة" حتى اللحظة ، في أيدي من دربت أيديهم على إنتزاع أرواح الأبرياء و الولوغ في دماء أبناء الوطن ، و عجزوا حتى أن يكونوا مثل ذلك الغراب فيواروا جثامينهم بما يليق أبناء آدم.

المخرج الآمن

أصحاب الشأن الحقيقي و أعني هنا طبعا أهالي هؤلاء المغدور بهم من زوجات و أبناء و أمهات و أباء و يتعدى ذلك إلى الأقارب من أعمام و عمات و أخوال و خالات و ذرية هؤلاء جميعا ، بل كل مواطن ليبي له على الأقل ضحية واحدة قتلت في هذه المذبحة ، كيف لا و مجتمعنا قبلي من الدرجة الأولى و القتلى يعدون بالمئات. هؤلاء جميعا هم أبعد ما يكونون عن الوجود في حسابات أولئك الساعين في "لفلفة" هذه القضية ، فكيف لعاقل أن يستوعب ذلك.

لقد بادرت حكومة بلادنا - حين غيها - إلى إعتقال الالاف من الشباب ، في حملات إعتقال عشوائية متكررة ، زج بها في السجون و المعتقلات خيرة أبناء الوطن ، و الصقت بهم من التهم ما شاءت ، و عذبت من شاءت و أفرجت عمن شاءت حين شاءت ، و سمحت لمن شاءت بالزيارة و منع آخرون – طبعا كل ذلك بإذن الله تعالى – ثم تأتي بعد ذلك كله و تريد هي أن تملي الحلول ، و المفروض - من وجهة نظر الدولة - أن ما على هؤلاء "المنكوبين" إلا القبول و الرضى ، لا ندري في أي شرعة بشرية يمكن أن يكون ذلك. و ما يزيد الاستغراب أن هؤلاء - رغم الآمهم - يمدون أيديهم رغبة في الوصال مع الدولة رغم ما عانوه من ظلمها و تأبى حكومتهم إلا التجاهل ، وحبك المكائد لهم لإسكات أصواتهم ، و "استدراج" ضعاف النفوس من أهالي ضحايا رجال الأمن من الموات لإحداث مواجهة بين طرفين المنتصر فيها هو "الباطل" و الخاسر فيها هو "الوطن" هي آخر ما تفتفت عنه أذهان رجالات "الأمن" من الحيل ، تساندهم ألة إعلامية "استخباراتية" لا تقنع سفيها فما بالك بعاقل ، و "الذاكرة و الوجع" المعد على عجل لقلب الحقائق و تبرير المجزرة خير دليل.

الحل – إذا كان للدولة رغبة في تحقيقه - لن يكون إلا بإدراك حجم الجرم المرتكب أولا و حجم نتيجته على هؤلاء الضحايا ثانيا ، ثم محاولة جبر كسرهم و ضررهم و لا يتأتى ذلك إلا بخفض الجناح لهم و الاستماع لشكواهم و السعي لتحقيق ما يمكن تحقيقه من مطالبهم، فليس من مصلحة ليبيا "بأزمانها" الثلاث ، الأمس و اليوم و الغد ،مواصلة المسير نحو اتجاه خاطئ.

همام عبدالهادي
01.03.2010


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home