Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأحد 3 يناير 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

القضاء الليبي بين تدخلات القذافي وأحلام الإصلاحيين

إن من أخطر ما تتعرض له أية دولة وأي نظام سياسي هو فقد القضاء استقلاله فيها، بل لعلنا لا نذهب بعيدا عندما نقول بأن ذلك يعادل خضوع الدولة للاحتلال الأجنبي، ففقدان القضاء لاستقلاله يعني في أبسط معانيه أن ليست ثمة قوة في الدولة تستطيع كف المظالم ورد الباغين وإنصاف المظلومين وإعادة الحقوق إلى أصحابها. وبكلمات مختصرة، فإن دولة كهذه لا تحكمها إلا شريعة الغاب.

وهذا هو الواقع في ليبيا حاليا، قضاء هزيل مسيس حتى النخاع، ومخترق من كل النواحي، ينصاع كغيره من الأجهزة والهيئات في ليبيا إلى إرادة القذافي، ويطيعه في كل ما يأمر به.

والأمثلة التي تؤيد ذلك كثيرة جدا وأكثر من أن تعد، ولكننا سنذكر منها مثالين بارزين ومعروفين على نطاق واسع.

المثال الأول هو واقعة تفجير الطائرة الليبية فوق طرابلس في بداية التسعينيات، وما تسببت فيه من عشرات الوفيات. وقد تسرب تفسير لهذا التفجير يعرفه الليبيون ويتداولونه بكثرة، وهو أن التفجير كان متعمدا لغرض التخلص من بعض الأشخاص غير المرغوب فيهم من ركاب الطائرة، ولا مانع طبعا عند شخص كالقذافي من التضحية بعشرات آخرين غيرهم شاءت إرادة الله أن يكونوا على متن الطائرة المنكوبة معهم في تلك الرحلة. ومعلوم لدى كثير من الليبيين أن التفجير تم بطائرة حربية أحد قائديها فلسطيني يبدو أنه مرتزق.

ومع كل ذلك التزم القضاء الليبي الصمت ولم يفتح تحقيقا في الحادثة، ذلك لأنه لا يتحرك إلا بتصريح من القذافي. إن القانون يفرض على السلطة القضائية في مثل هذه الحوادث أن تبادر إلى فتح تحقيق بنفسها ولا تنتظر إذنا من أحد، ودون أن يستطيع منعها أحد، فإذا عجزت عن أداء وظيفتها كان ذلك دليلا على فقدانها الاستقلال.

المثال الثاني هو مجزرة أبو سليم، التي قضى فيها ما يزيد عن 1200 سجين رأي نحبهم في ساعات قليلة، غير أن القضاء الليبي الفاسد لم يستطع أن يتحرك فيفتح تحقيقا في الواقعة، ويزج من تثبت إدانتهم في السجن، لا فذلك من المحال، لأن القضاء ينتظر الإذن (أو الأمر بتعبير أدق) لكي يقوم بواجبه الذي يفرض عليه القانون الليبي القيام به، ومن غير ذلك لا يستطيع القضاء أن يفعل شيئا.

تصوروا لو أن القضاء الليبي امتلك الشجاعة وبادر بنفسه فجأة إلى فتح تحقيق في مجزرة أبو سليم، ثم بدأ يستمع إلى الشهادات، ويصدر أوامر القبض على كبار الفاسدين في النظام الليبي الفاسد من المشاركين في عمليات القتل في المجزرة، فنرى مصطفى الزايدي، والملياردير المخرب القبلي معتوق، وعبد الله السنوسي، وعمار اللطيف، والتهامي خالد وغيرهم من الهمج الفاسدين قد ألقي القبض عليهم، وينتظرون محاكمتهم!! تصوروا لو حدث ذلك حقا بدون إذن القذافي فما الذي سيحدث؟

لا شك أننا سنرى حين ذاك القذافي وقد أمر عَبَدَتَهُ بالهجوم على القضاة والتنكيل بهم وقتلهم شنقا في الشوارع، بتهمة خيانة الثورة المزعومة!!

وعلى ذلك فينبغي للجميع أن يكون واضحا لديهم أن تحقيق استقلال القضاء أو خضوع الدولة للقانون أو كفالة الحقوق والحريات العامة غير ممكن الحدوث في ليبيا في وجود القذافي، هذه مسلمة غير قابلة للنقاش، ذلك لأن وجود دكتاتور مطلق مثله يعتبر أن الدولة بما عليها ومن عليها في حكم ملكه الخاص الذي لا يحق لأحد أن يسائله عنه أو يحاسبه عليه ينفي وجود دولة القانون من الأساس، ومن يحاول إيهام نفسه بأن الإصلاح ممكن حتى في وجود القذافي فهو يحاول الجمع بين متناقضين متنافرين: دكتاتور مطلق مجرم سارق ودولة قانون؟!

إن غباء هؤلاء "الإصلاحيين" بلا حدود، فهم يتصورون أن من الممكن تحقيق بعض الإصلاح عن طريق توسيع هامش حرية التعبير، وإطلاق سراح بعض السجناء السياسيين، وتعويض بعض المتضررين. ولكنهم لم يسألوا أنفسهم عن أساس هذا الإصلاح المحدود، أليس أساسه رغبة القذافي نفسه؟ فهو "مكرمة" منه لا غير، اختارها بنفسه لتمرير مخطط التوريث، وبإمكانه التراجع عنها جزئيا أو كليا في أية لحظة. فهذا إذا إصلاح هش مزيف لا يستند إلى أساس قوي، ولا يعول عليه عاقل.

يبدأ الإصلاح الحقيقي من اللحظة التي يعجز فيها القذافي عن فرض رأيه على الليبيين، وعن سرقة أموالهم، وعن التهرب من تبعات جرائمه. فهل يمكن أن يحدث ذلك حاليا؟ يعلم كل عاقل أنه لن يسمح بذلك إلا على جثته. ولا يختلف الحال إذا ما تولى الحكم أحد أبنائه من بعده، طالما ظل الإصلاح المزعوم رهين مشيئته.

وعندما رفع بعض السجناء السابقين وبعض ذويهم دعاوى قضائية يطالبون القضاء الليبي فيها بتحقيق العدالة، لم يكن بوسع هذا القضاء إلا أن يحكم لبعضهم بالتعويض، مع أن القضايا المطروحة أمامه تتعلق بجنايات خطف وتعذيب واحتجاز للحريات الشخصية سنين طويلة مما هو معاقب عليه في قانون العقوبات الليبي أشد العقاب. طبعا لن يتمكن القضاء الليبي من النظر في هذه القضايا باختياره، لأنه يفتقد أهم شيئين يتميز بهما القضاء: الاستقلال والحياد.

فبقي للضحايا وذويهم عزاء واحد هو التعويض. وهو لن يكون كالتعويضات التي دفعها القذافي للأمريكان عن يد وهو صاغر ذليل طبعا، ولكنه على كل حال يخفف الألم عنهم جزئيا. غير أن القذافي لم يعجبه أن يحصل هؤلاء وغيرهم على النقود بأحكام قضائية، حتى ولو كانوا يستحقونها ويستحقون أكثر منها فعلا، فعندما رأى الأحكام بالتعويض: حكم بمائة ألف دينار، وثان بمائتين، وآخر بمليون، استشاط غضبا، فهو يؤمن إيمانا راسخا بأن هذه النقود من ماله الخاص، وهو يريدها ليبذرها في إفريقيا وعلى الصهاينة والأمريكان الذين جاءوا به إلى الحكم، وليس أن تذهب إلى جيوب مستحقيها من الليبيين الفقراء.

لكل ذلك اجتمع القذافي ببعض أعضاء الهيئات القضائية سرا من حوالي ثلاثة أشهر مضت، وكانت أوامره واضحة: أوقفوا التعويضات التي تعطونها. وأراد القذافي أن يبرر أمره هذا، حتى لا يقع في موقف غريب مع هؤلاء، غير أن التبرير الذي ذكره كان غبيا ككل تبرير قاله في حياته، فقد ذكر بكل وقاحة أن الليبي لا يستحق أي تعويض لأنه يأخذ مرتبه من الدولة!!!! صدق أو لا تصدق!!!!

نعم كان على هذا العسكري الجاهل أن يتعلم أن المرتب مقابل العمل، أما التعويض فلا يكون إلا لضرر غير مشروع ألحقته الدولة بالشخص، كاختطافه وإخفائه عن العالم، وهو عندما يخلط بين الأمرين ويقول: ما دمت تعمل عند الدولة وتأخذ منها مرتبا فإنك لا تستحق التعويض، فإنه يعني أن من حق نظامه الفاسد أن يختطف الناس ويسجنهم ويقتلهم وينكل بهم من دون أن تناله من ذلك أي مسئولية قانونية: لا جنائية بمعاقبة الأشخاص الذين أمروا بارتكاب هذه الجرائم والأشخاص الذين نفذوها، ولا مدنية بتعويض المتضررين منها بحجة أنهم يتقاضون مرتبات من الدولة.

وبالتأكيد فقد استهجن الحاضرون الأمر، ولكنهم لم يستطيعوا مناقشة المجنون في جنونه لأنهم يعرفون العواقب جيدا. ولأنهم يعلمون أن تنفيذ هذا الأمر صعب جدا، لأن تنفيذه بالكامل يعني أن يخبروا جميع القضاة الليبيين به، ويطلبوا منهم رفض كل دعاوى التعويض المرفوعة على الدولة، وهذا الفعل سيؤدي إلى ذيوع الخبر وانتشاره، كما أنه ليس مجديا، لأن بعض القضاة قد يرفضون، فمن الصعب إقناعهم بالتلاعب بحقوق الناس والحكم بالباطل بهذه البساطة!!

من أجل ذلك كان على هؤلاء اتخاذ إجراءات أخرى، تتمثل في إعادة تشكيل الدوائر في محاكم الاستئناف على وجه الخصوص، بحيث يتم إلغاء بعض الدوائر والإبقاء على بعضها فقط، ويتم تشكيل هذه الدوائر من القضاة الثوريين المشهورين بكرههم للشعب ووقوفهم ضده وضد مصالحه، وبأحكامهم المجحفة والخاطئة التي تسرق حقوق الناس. ومن خلال هؤلاء الثوار الأشرار يتم رفض القضايا لسبب أو بدونه أو إنقاص مبلغ التعويض إنقاصا كبيرا في أسوأ الحالات (عندهم طبعا). وعلى كل المراقبين أن يتتبعوا الأحكام القضائية في قضايا التعويض خلال الفترة المقبلة ليلاحظوا الفرق الكبير بين ما كانت عليه سابقا وما هي عليه الآن.

ووسط هذه المؤامرات التي تتم على الأرض ضد استقلال القضاء الليبي، لا تتوقف زغاريد أدعياء الإصلاح المغفلين، فنراهم يرددون ما قاله زيف الأحلام القذافي كذبا وزورا في مهرجانه المسمى الحقيقة الذي ادعى فيه أن القضاء الليبي مستقل وبخير. أريد أن أوجه سؤالا إلى هؤلاء المخابيل: ما الذي ينتظره زيف الأحلام إلى الآن إذا كان عنده مشروع إصلاحي يريد تنفيذه حقا؟؟ ألم يخرج علينا منذ سنوات خلت؟ أين الدستور؟ أين استقلال القضاء؟ أين الإعلام المستقل؟ أين الشفافية؟ أين الأحزاب السياسية؟ أين محاربة الفساد؟ وبالعكس: ألم يزدد المواطن الليبي المسكين فقرا وحرمانا؟ ألم يزدد ثمن المواد الغذائية الأساسية والوقود والغاز والإسمنت؟ ألم تزدد أزمة السكن تفاقما؟ ألم ترتفع أثمان العقارات والإيجارات إلى أرقام خيالية ما كان أحد يتوقعها؟ ألم يتم تمليك الشركات العامة وبيعها لمصلحة الجرذان الثورية والغداوية بحجة الخصخصة وتقاسموا ثمنها بينهم وألقوا بآلاف من العاملين بها إلى الشارع؟ ألم يتم طرد مئات الآلاف من الموظفين من أعمالهم إلى المركز الذي أنشأه لاعق الأحذية معتوق (لا أعتقه الله من النار) في العزيزية؟ ألا يوجد المئات من المعتقلين السياسيين وراء القضبان، ومنهم من هو محكوم بالبراءة ومنهم من أمضى فترة حكمه وترفض عصابات أمن القذافي بأمره الإفراج عنهم؟

ما الذي ينتظره زيف الأحلام إلى هذا الوقت؟ صحيح ما قالته الهيومن رايتس ووتش "الحقيقة والعدالة لن تنتظرا" فما الذي تنتظرانه في ليبيا يا مغفلين؟

ويا ليت الأمر توقف عند هذا الحد، حيث ينوي القذافي في الفترة المقبلة سن قوانين جديدة تحت عباءة الإصلاح تزيد الوضع سوءا، ولكن الغريب أن أدعياء الإصلاح يدافعون عنها ويسوقون لها على أنها الإصلاح بذاته؟؟ قانون جديد للعمل والخدمة المدنية بقصد إنقاص العمالة، قوانين لزيادة سعر الكهرباء والمواد الغذائية، قوانين لخصخصة التعليم أي توزيع الجامعات بين الجرذان التي تعبد القذافي لكل واحد جامعة يتصرف فيها كما يشاء (مثلما حدث فعلا مع طالح إبراهيم الذي تفضل عليه سيده بأكاديمية الدراسات العليا على حساب الشعب الليبي)، ثم فرْض رسومٍ دراسية عالية على الطلاب، قانون لخصخصة المستشفيات العامة أي نقل ملكيتها للجرذان وفرض مقابل علاج باهض على المواطنين.... كل هذا يحدث بحجة الإصلاح الذي هو ليس إلا الخراب والدمار والهلاك لليبيا ولليبيين على السواء.

فإذا كان الذين يسمون أنفسهم إصلاحيين يدركون الشيء الذي يطبلون ويسوقون له فهم إذا أخطر على البلاد والعباد من الثوريين القدامى، لأن كثيرا من هؤلاء الثوريين القدامى عبر عن رفضه لكثير مما يحدث من هذا الخراب بصراحة، أما إذا كان "الإصلاحيون" أي أتباع زيف الأحلام لا يعرفون هذه التفاصيل، بل هم يؤيدون زيف لأنهم مقتنعون به بدون أن ينظروا إلى التفاصيل، فهم صبية مغرر بهم لا يفقهون من السياسة شيئا أو هم مجرد متسلقين لا دين لهم ولا مبدأ عندهم، وفي كل الأحوال فليس من حقهم تضليل الليبيين بشأن هذا الإصلاح الموهوم والمزعوم، إن من يرضى لنفسه أن يكذب على الناس ليدفعهم إلى قبول الخراب القادم فقط لأنه يريد تأييد زيف الأحلام لا يختلف في شيء عن التهامي خالد ومعتوق والزايدي الكذاب، بل ربما يكونون أسوأ منهم، لأن المذكورين مجاهرين بعبادة القذافي من عشرات السنين، ولم يقدموا وعودا لأحد بالإصلاح أو بغيره، أما أتباع زيف الأحلام فيريدون جر الشعب إلى هاوية لا قرار لها، وهم يتلحفون عباءات الإصلاح، ويرتلون الأوهام والأحلام والله الوارث لكل شيء وعلى يديه نهاية الظالمين.

محامي ليبي


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home