Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الثلاثاء 3 فبراير 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

تأملات في شعب لا يهاب الموت!!!

الموت هو الموت والجروح هي الجروح، والآلام هي الآلام والإحساس هو الإحساس، كل هذه المسميات لا تتغير طبيعتها عندما تقع على البشر، فالبشر جميعا تكوينهم دماء ولحم وحواس يفزعون عندما يصيبهم مكروه، ويحسون ويتألمون من عمق الجروح، ويشعرون بقسوة المعاناة وبنفس الدرجة .. فالشعور بالخوف يدعو إلى الهروب، والنظر إلى الموت يرعب القلوب، والإحساس بالآلام يولد البكاء، أما المعاناة فتحتاج إلى الصبر والجلد، هكذا طبيعة البشر منذ الأزل، وهذا ما لا نعتقد إنه يتغير.

عندما نشاهد بشرا هم كذلك بصفاتهم الظاهرة، ولكن تصرفاتهم عكس ما نرى ونسمع ونتصور، رجالا تتلقى الرصاص بصدورها والرصاص يسبب الموت والموت يخافه البشر وهذه طبيعتهم..عائلات تبقى في بيوتها وهم يشاهدون صواريخ وطائرات تقذف القنابل لتنسف المنازل وتدمر الخنادق دون أن يفكروا في الهروب، ألا يدعو هذا للتأمل..أطفال يلعبون في أفنية المدارس يشاهدون قنابل الفسفور تنزل كالمطر وتنير كالمشاعل، لتحرق الأجساد دون أن يفكروا في الهروب منها، أليس هذا مدعاة للتأمل.. أمهات ترى أبناءها يدفنون ونساء تفقد أعزاءها وتزغرد، ترتفع أصواتها لتسمع العالم وتقول نحن هنا لا نقبل العزاء، ونأكد الصمود ونرهب الأعداء، هذا الذي نشاهده، ألا يدعو إلى الاستغراب والتأمل؟... هؤلاء البشر يفضلون الموت الذي يفر منه الجميع، على الحياة التي يحباها الجميع..لعل أن مفهوم الموت مختلف لديهم..أليست المعاناة والتجويع والحصار تحبط العزائم وتضعف الإصرار، فما بال هذا الشعب يغير نواميس الطبيعة عبر الأزمان، وبأرواحهم يخترقون السماوات العلى ليبقوا على أرضهم جثثاً هامدة ليثبتوا للعالم همجية الأعداء وكيف تلون الأرض بالدماء.. أهم ملائكة تنزل من السماء أم بشر من صنف آخر يدعوننا إلى السجود والتأمل.. يا سبحان الله..إننا نشاهدهم ونعد أموتهم وجرحاهم ونتألم لأجلهم ونرسل لهم الكساء والغذاء والدواء ولكنهم يخجلوننا لماذا كل هذا العناء..ويقولون، نحن ولدنا على القصف وأصوات المدافع وترعرعنا في المخيمات حيث العراء وقلة الماء وقسوة الحياة، وأقسمنا على البقاء. أي حياة يريدونها يا ترى.. يقولون، أحرص على الموت توهب لك الحياة.. ولكن أي حياة ينشدون! أنهم لم يرضوا بحياة الديدان، ولا حياة الخانع الجبان، ويرفضون الذل والهوان..ويفضلون مكان الذي لا يغمره الدخان ليروا الشمس من أي مكان هؤلاء هم، فأين نجد لهم الأرض والسماء.. فهم يقولون "هذه الأرض هي العز لنا..."، "صامد، صامد، صامد ..."، "مرفوع الهامة أمشي..."...

هؤلاء القوم قرأوا التاريخ جيدا.. وعلموا أن بني صهيون ليس لديهم لا دمّة ولا رحمة، قتلوا الأنبياء.. وأفسدوا في الأرض، وصفات أخرى يصعب حصرها. ولكن الذي حدث سنة 48 عندما ترجع بنا الذاكرة إلى ذلك العام المشؤم الذي احتلت فيه فلسطين، نجد أن هذا الشعب نفسه واجه تلك العصابات الذين هم أجداد وآباء هؤلاء المجرمين أي إنهم أبناءهم وأحفادهم، وتصدوا لهم بنفس العزيمة والإصرار الذي نشاهده الآن، رغم اختلاف الأزمان، حيث قلة الحيلة وشراسة الأعداء وخيانة الجبناء من حولهم، فتعرضوا للقتل والتشريد والتدمير والتهجير عنوة، ومن العدو ذاته وبكل الوسائل ونفس الأهداف، ولكنهم أصروا على الحياة الكريمة فوق أرض أجدادهم وأنجبوا الأبناء وكذلك طلبوا الموت بشجاعة الشرفاء، هكذا هم. أما نحن وقفنا نتفرج وكيف لنا أن نتأمل فكل همنا يكمن في تصنيف موتاهم فهذا مسلم سنّي وهذا مسلم شيعي وهذا قومي عربي وذاك مسيحى متطرف... وكثرة التصنيفات والموت واحد، ولكن هم لا يلوموننا أيضا، لأننا لا نعرف ما يريدون، ولا نستوعب ما يفعلون.. ونجهل من يقدسون.. ولا هم يعبدون ما نعبد!!.

بقلم/ د. محمد المدني



previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home