Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الإثنين 2 نوفمبر 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

حفنة مال ودم مراق

قديماً وفى أزمنةً غابرة من عمر الدهر كثيراً ما تتردد أساطير وحكايا يتناقلها الناس وترددها الأجيال ، وربما تتحول بعضها الى حقيقة راسخة فى أذهان بعضهم لتؤثر فى سير حياتهم وما يتخللها من أحداث ، أحدها أمست ملازمة لكل من يقتل له أخاً أو قريباً وتظل تلاحقهم وتنغص عليهم حياتهم .
إنها أسطورة الطائر الذى يظل يطلق أصواتاً كأنها صرخات مستغيث ولها شؤم زعيق الغراب ، يأتى كل ليلة يحوم ويزعق على قبر الميت وحوله ، وهكذا حتى يؤخذ بثأره ويقتص ممن قتله ، عندها فقط يغيب ذلك الطائر ويختفى ذلك الصوت وتهدأ روح الميت وتسكن فى قبرها .
قد نجزم بأنها مجرد خرافة لامعنى لها ، وأنها صورة من صور الجاهلية والتخلف الفكرى السائد أنذاك ، وهى نتيجة حتمية لما كان يفرضه ذلك الواقع القبلى الملئ بحكايا الحروب والثارات القديمة ، إنما هذه الخرافة تعطى إنطباعاً راسخاً بأن تلك الحقبة كان لها عقيدة ثابتة وهى أن دماء القتلى تعنى لهم الكثير إن لم نقل كل شئ ، فهى عند أصحابها ليس لها ثمن ولايخطر ببالهم المساومة عليها أبداً أو تناسى حق قتيلهم فى الأخذ بثأره والنيل ممن حرمه حق الحياة ، فهم يرونه حقه وحده ، وهم من عليهم إرجاع ذلك الحق المسلوب له .
واليوم يبدوا أننا أصبحنا بحاجة الى بعض فورات تلك الحقبة والتأثر بتلك الحمية والتغاضى قليلأ عن مدنيتنا وحضارتنا المعاصرة لنعود الى عصور الصحراء وقوانينها لعلنا ننفض غبار ما علق بأذهاننا من جمود وجفاء أدى بنا الى أن نقيس كل شئ بمقياس واحد وهو المادة والإنتفاع ، أصبحنا وللأسف الشديد نذيب بنار الطمع وحب المال كل مشاعر النبل والكرامة الإنسانية ، ونصم أذاننا عن سماع صوت الحق والضمير فظلاً عن سماع صوت زعيق طائر الثأر.

نظرت الى الناس اليوم فرأيت العجب وأنصت فسمعت ما هو أعجب ، بالأمس أرواحاً طاهرة زهقت وشباباً مسلماً دمائهم هدرت وكومت جثثهم فوق بعضها وردمت بلا مراسم وبلا تشييع وبلا بواكى لهم ، حرموا من حق الدفاع عن أنفسهم وحرموا من المطالبة بمحاكم عادلة تنظر فى أمرهم ، حرموا من أبسط حقوق السجين التى كفلتها لهم كل الدساتير الدولية وقبلها الشرائع السماوية .
واليوم تواطأ البعض فى سلبهم الحق الأخير لهم بعد الموت وهو القصاص ، وهؤلاء البعض وأقولها بمرارة هم بنى القربى والأهل ، فمنهم من نسى المأساة الحقيقية وراء تلك الكارثة وأصبح تفكيره منصباً حول تقسيم تلك الحفنة الملطخة من المال بين الورثة وكأنها تركة تركها الميت لأهله مثل باقى الموتى ، وكل واحد يتمتع بنصيبه فيها ، فأحدهم يفك بها ضائقة حلت عليه ، والأخر يكمل بها شقة طال إنتظارها ، وثالث يفتح بها محلاً ، وكل تلك المنافع الزهيدة لاتعنى شيئاً البتة بمقابل الجريمة البشعة التى أرتكبت فى حق الشهداء .
بالأمس القريب غلت الأسعار وإرتفع العقار ورأينا سيارات فخمة تجول بتبختر فى الطرقات ، سألنا من أصحابها ؟ ، قيل جماعة الأيدز ! ،واليوم وياللمرارة نبيع دماء شبابنا وأحبتنا بمتاع من الدنيا قليل ، ترى ماذا حل بقومى وأهل بلدى كيف تهون عليهم دماء رجالهم وحقوق صغارهم ، كيف يطيب لهم التمتع بالحياة والثمن هو أولادهم وإخوتهم .
قد يقول قائل الدية وجدت فى الإسلام وتعارفت عليها الأمم ، أقول نعم ولكن لولى الدم الحق الكامل فى القصاص أو قبول الدية وهو بمركز القوة ، لا أن تفرض عليه قيمتها ولايمكنه القصاص من المذنب ، ونحن هنا لدينا جريمة ومجزرة حقيقية تتعدى أن تكون حالة فردية أو قضية عائلة أو قبيلة ، ومحاسبة المجرمين واجب حتمى على كل فرد فينا ، ولايحق لأى كان أن يشطب بجرة قلم إسم شهيد من لائحة المسائلة الحقوقية ويوقع على تعهد بعدم المطالبة بالحقيقة مقابل حفنة من المال .

إنها فقط حق للأمة وللتاريخ الذى لايزور أبداً ولاتمحى من ذاكرته تلك الجريمة .
وأخيراً يتحتم على التوجه بتحية الشرف والإعتزاز الى كل المرابطين الذين وقفوا بعزة وكرامة بوجه الإغراءات والتهديدات ليصدحوا بصوت الحق الذى سيبقى صداه يتردد دوماً حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين .
والسلام .

أم ملاك


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home