Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الإثنين 2 نوفمبر 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

القذافي ورحلة النهاية

3 – كوابيس النهاية 

لم يتسع المقام في الحلقة السابقة كي أشير الى عدد من الهزايب والاهانات الاخرى التى تعرّض لها " حكيم العالم" [ تخيلوا نوع العالم الذي يتحدث عنه برلسكوني عندما يكون القذافي حكيمه ؟!] عند زيارته  اللعناء الى بلاد الامير "كا" وخطابه أمام هيئة الامم المتحدة. 

·       من هذه الهزايب تجاهل سكرتير عام الامم المتحدة بان كي مون للقذافي بالكامل ، فهو لم يقم بالتسليم عليه أثناء لقائهما في قاعة الامم المتحدة قبل إلقائه لخطابه المهزلة ، كما أ ن بان كي مون أسقط القذافي من برنامج زياراته المعتادة لكافة رؤساء الدول المشاركين في أي دورة من دورات الأمم المتحدة. 

·       من هذه الهزايب والاهانات ايضاً رفض رئيس وزراء بريطانيا براون عقد لقاء ثنائي معه على هامش الدورة الأممية ، ورفض كل من كندا واسبانيا الموافقة على قيامه بزيارة خاصة لكل منهما في طريق عودته الى جماهيريته العظمى. 

·       أما أمّ الهزايب والاهانات والصفعات التى تلقاها " القايد" والتى جعلته يتلوى ويبحث كيف يتوارى عن أعين كل من حوله فقد تمثلت في إبلاغه بأنه ليس مرحباً به لحضور جلسة مجلس الامن التى كانت ستعقد برئاسة الرئيس الامريكي أوباما والتى حضرها كافة روساء الدول الاعضاء في مجلس الامن سواء منها الدائمة العضوية أو غير الدائمة العضوية وقد تم استثناء القذافي رغم أن ليبيـا عضو غير دائم في مجلس الامن . 

لقد ادرك القذافي على الفور دلالة هذا السيل من الهزايب والصفعات وصور التحقير والازدراء ، التى تعرض لها  خلال هذه الرحلة المشؤومة والتى كان يؤمل أن تكون " فتحاً مبيناً" كما تكهن كبير سحرته له. لقد ادرك أن هذه الهزايب  ليست مقصودة لذاتها كما تعود هو أن يفعل في علاقاته العربية والافريقية ولكنها هزايب قصد منها أن تحمل اليه رسالة سياسية واضحة مفادها " انتهى الدرس يا غبي" ومفادها أيضا أنه " لم يعد له ولنظام حكمه مكان في المجتمع الدولي " ومفادها " أنه سقط بجدارة سقوطاً مريعاً في آخر فرصة اتيحت له للخروج من المسرح السياسي الدولي بأقل الاهانات والاضرار الممكنة". لقد قرأ القذافي هذه الرسالة في وجوه بعض رؤساء الوفود الذين قابلهم عرضا خلال هذه الدورة من أوروبيين واسيويين وأفارقة وعرب، وفي الكلمات القليلة التى صدرت عن بعضهم وفي التناغم والتشابه في نظراتهم اليه وكلماتهم له،  كما قرأها فيما بعد في نوع الاسئلة التي وجهت اليه اثناء حضوره المبتسر امام المجلس الامريكي للعلاقات الخارجية وخلال المقابلتين التليفزيونيتين اللتين اجرتهما معه قناة سي إن إن ... لقد كانت الاسئلة خلال هذه اللقاءات تكاد لا تعني شيئاً .. كانت اشبه ما تكون بالاسئلة التى توجه إلى مخلوق يحتضر ويلفظ انفاسه الاخيرة ، ولا معنى لمحاولة الحصول منه على أي أجوبة ذات معنى. كما لم يفت القذافي أن يقرأ دلالة هذه الرسالة في الوجوم الذي ظهر على وجه ابن عمه أحمد قذاف الدم ، وفي نظرات الارتباك التى لا تخلو من تشفي وشماتة التى طبعت وجهي كوسة وشلقم أما الأبله المعتصم فيبدو أنه كان مشغولا بقضايا " الأمن القومي " عن كل ما حوله وما كان  يعانيه أبوه في تلك الايام . وأما علي التريكي فقد كان مهموماً بقضية أخرى وهي ماذا يحدث له لو سقط نظام القذافي خلال سنة ترؤوسه للجمعية العامة للأمم المتحدة.. هل سيبقى في هذا المنصب أم سيجرى اسقاطه وطرده هو الأخر من هذا المنصب؟. 

     على أي حال ،لقد أدرك القذافي الدلالات السياسية لكل ما تعرض له ، أدرك الخطر الداهم الذي بات يتهدده ويتهدد بقاءه وينذر بزواله .. وكعادته فقد بدأ يتحرك وبسرعة فنادى على شلقم الذي كان قد عاد لتوه من جلسة مجلس الامن .. وبعد أن تفرسه القذافي بنظرات هي مزيج من الغضب والاحتقار - قائلا في نفسه كيف يسمح لهذا التافه بحضور مجلس الأمن ولا يسمح لي أنا القائد الاممي بذلك؟!- ماذا فعلت بلقائي المزمع مع الرئيس الامريكي السابق بوش الاب؟ وماذا عن لقائي مع وفد يهود نيويورك؟.. وأجابه شلقم على الفور بأن بوش الاب اعتذر عن اللقاء به لاسباب طارئة لم يوضحها لهم .. أما اللقاء بالوفد اليهودي فما يزال في موعده ويتوقع حضور الوفد خلال بضع ساعات .. لقد ادخل الخبر الثاني السرور على "القايد" وأنساه ما تضمنه اعتذار بوش الاب من أهانة. 

     دخل القذافي الى جناحه الخاص من أجل أن يتهيأ لإستقبال الوفد اليهودي وقبل أن يجلس إلى مكتبه ألقى بجسمه المنهك المهدود على الأريكة الخضراء وشرد بخياله مستعرضا ذكريات واحداث ووقائع وتواريخ واسماء كثيرة .. 

·       تذكر كيف كان أقرانه ينادونه عندما كان طفلاً صغيراً في بادية سرت يا "ابن اليهودية".. 

·       وتذكر كيف أنه كان يسأل "أمه" ( عائشة بالنيران) من هي امي اليهودية ؟ 

·       وتذكر كيف انه شب على حب اليهود منذ كان أهل النجع في سرت يتحدثون عن الحرب العالمية الثانية وكان حديثهم يمتلئ بالرعب من "جرمانيا"  هكذا كان اهل النجع يسمون المانيا التى كانت تضطهد اليهود.. 

·       وتذكر ايضا كيف كان يري في طفولته بعض اليهود بـ"النجع" يحمل الواحد منهم خرجاً فيه بضائع يعرضونها للبيع، وكيف انهم حين يجيئون تخرج النساء ادوات الطبخ المعدنية ليجددون طلاءها.. وكيف أن هذه الاعمال كانت خاصة باليهود، واليهودي في نظر عرب النجع عليه الخزي وهو جبان .. وكيف كان بعض هؤلاء اليهود يتعاملون معه بودّ وحميمية وخصوصية لم يعرف معناها يومذاك... 

·       كما تذكر متى عرف الحقيقة لأول مرة من " عائشة بالنيران" حول نسبه اليهودي وحول الدماء الايطالية التى تجري في عروقه وماذا حدث لأمه الحقيقية. 

·       كما تذكّر الاهانات التى تلقاها من الكبار والصغار ، والاعتداءات بكل انواعها التى تعرض لها اثناء سنوات معيشته  في نجوع سرت واثناء مشيه على رجليه لعدة كيلومترات بين النجع والمدرسة ، وحتى اثناء نومه بمسجد المدينة الصحراوية المقفرة وشبه المهجورة سرت .  وهي الاهانات والاعتداءات التى تواصلت مع انتقاله الى مدينة سبها بالجنوب الليبي.. 

·       وتذكر معاناته اثناء سنوات إقامته بسبها طالباً ومُخبراً وخادما لدي شيخ احدى قبائلها الكبيرة ، والايدي الغامضة التى امتدت اليه بالمساعدة والرعاية خلال تلك السنوات إلى ان تم طرده من الدراسة لإسباب مشينة. 

·       ثم تذكر في ومضات خاطفة قائمة من الاسماء الليبية والاجنبية التي رعته وحدبت عليه حتى وجد نفسه مستوليا على السلطة في ليبيـا .. تذكر اسماء تعرّف عليها ايام كان يتردد على صالة المطالعة التابعة للمركز الثقافي الامريكي في سبها وتذكر دفعة البصاصة التى التحقت بالكلية العسكرية الملكية في بنغازي وكان هو احد افرادها..

·       وتذكر في لمحات خاطفة أماكن وشوارع عديدة بمدينة بنغازي وما حولها كانت له فيها ذكريات شتى والتقى فيها بالكثيرين ، ايام دراسته بالكلية العسكرية أو بعد تخرجه منها ضابطاً بسلاح الاشارة ( المخابرة).. تذكر فندق النهضة وفندق تونس، ودكان المقصبي بشارع سيدي عبدالجليل بالبركة ودكان ضاحية القوارشة ، ومعسكري قاريونس والبركة وبلدتي توكرة وطلميثة شرقي مدينة بنغازي كما تذكر المدينة القديمة وحي اليهود وشارع ميزاران بمدينة طرابلس. 

·       ثم تذكر بعثته التدريبية الى بريطانيا بعد تخرجه من الكلية العسكرية وتوقفه في ايطاليا عدة أيام في طريق عودته الى ليبيـا أغسطس 1966 بعد انتهاء تلك البعثة .. كما تذكر الزيارات السريعة التى قام بها خلال ذلك التوقف من بينها زيارته لأحدى المزارع بالقرب من مدينة فلورنسا الايطالية ولقائه بوالديه [الحقيقيين] بها.. 

·       ثم تذكر لقاءاته السرية العديدة منذ مطلع عام 1969 مع السفير الامريكي ديفيد نيوسوم ورجال من المخابرات الامريكية ومن البعثة العسكرية الامريكية بالجيش الليبي عند آثار جرمة بفزان وبالقرب من بلدتي سرت والبريقة وفي طرابلس وبنغازي حتى ليلة انقلابه [المشؤوم].. 

·       وتذكر على وجه الخصوص كيف أنه ما أن استولى على السلطة في ليبيـا حتى أقام شبكة من الصلات والصدقات العلنية والخفية مع عدد من الساسة ورجال الاعمال والاعلاميين من اليهود وكبار أنصارهمم من بينهم ارماند هامر وتايني رولاند وكرايسكي وتشاوتشيسكو ودوم منتوف  وهيلموث شميت ( الالماني اليهودي الام) وجوليو اندريوتي وبرلسكوني وموشي ديفيد ( زعيم حركة ابناء الرب) ويعقوب نمرودي وروفائيل فلاح  وأريك رولو وزوجته مدام رولو ( التى لاقت مصيراً غامضا) وملكة جمال امريكا السابقة وحديثا المؤرخ الشهير برنارد لويس ( الذي زاره في أواخر العام الماضي وزوده القذافي بطائرة خاصة نقلته الى اسرائيل مباشرة ) .. وأسماء أخرى تجنب ذكرها وتذكرها حتى بينه وبين نفسه. 

·       كما تذكر قائمة طويلة من النصائح والخدمات الحيوية التى قدمتها له هذه الشخصيات وبالمقابل الخدمات المتواصلة ( منها القذرة ) التى قام بها من أجل اسرائيل داخل ليبيـا وعلى امتداد العالم العربي والقارة الافريقية وبقية دول العالم . كما تذكر الكثير من عمليات الابتزاز التى تعرض لها بسبب علاقاته الاسرائيلية الخفية من قبل اطراف كثيرة من بينها في بعض الاحيان  اطراف يهودية من أجل ضمان استمراره في تقديم هذه الخدمات لإسرائيل. 

·       كما تذكر محاولاته ( الغبية ) الأولى لإبعاد الشك حول جذوره اليهودية عندما نشرت بعض الصحف الايطالية في عام 1970 أن أمه يهودية ، فأدعىى خلال مقابلة اجرتها معه جريدة "البلاغ" الليبية في عام 1973 بأنه كان له ابن عم يشبهه تماما وأنه كان من أم يهودية ، وأن هذا الشبه بينهما كان يسبب له حرجاً ومتاعب كبيرة إلى ان مات هذا القريب . ثم تذكر كيف أنه تدارك الامر بأن طلب من الصحيفة شطب هذه الفقرة من المقابلة قبل نشرها. 

·       ثم تذكر الرسالة التى وصلته في عام 1972 من كاردينال مدينة ميلانو والذي كان راعيا لكنيسة ترهونة خلال حقبة الاحتلال الايطالي وكيف أن هذا الكاردينال ذكره بالدماء اليهودية والمسيحية التى تجري في عروقه وناشده بموجب ذلك أن يلعب دوراً في التقريب بين الديانات الثلاثة اليهودية والمسيحية والاسلام. وتذكر القذافي في هذا السياق كيف أن بابا الفاتيكان السابق صرح  علانية اكثر من مرة بأنه يقوم بالصلاة من اجله كل يوم. 

·       ثم تذكر اسماء عدد من الليبيين الذين أمر بإغتيالهم بسبب اطلاعهم – ولو بدون ارادتهم – على حقيقة جذوره اليهودية .. تذكر عمار ضو التقازي سفيره في روما ( يناير 1984 ) والمقدم صالح بوفروة أمين مكتبه لشؤون التحقيقات  وحتى اليهودي مردخاي فضلون ( اغسطس 1985 ). 

·       ثم استعرض القذافي في مخيلته قائمة من القرارات والقوانين التى اصدرها منذ مرحلة مبمكرة من استيلائه على الحكم خدمة لمصالح اليهود وتثبيتا لحقوقهم في ليبيـا والتى كان من اشهرها تلك التى شرع في اصدارها منذ فبراير 1970 [ عندما كان رئيسا للوزراء] والمتعلقة بأملاكهم وأموالهم التى تركوها في ليبيـا بعد مغادرتهم لها. 

·       ثم استعرض في مخيلته قائمة اخرى لأسماء ليبية ، رجالاً ونساءً ذات جذور يهودية في مقدمته سعد مجبر والدكتور عبدالحفيظ الزليتني وفوزية شلابي وكريمة بشيوة  وكريمان جبر وأختها سعاد كما تذكر الممرضة خيرية حسان. 

·       ثم تذكر اليهودية ملكة جمال أمريكا السابقة التى استقبلهاا منذ عدة سنوات والتقط معها صوراً كثيرة وأغدق عليها بالهدايا وتذكر اليهودية الاسترالية الاخرى صديفة ابنه سيف والتى يزمع الزواج منها ، واليهودي الامريكي شريك ابنه الساعدي في شركة الانتاج السينمائي و... 

     بعد هذه السرحة الطويلة اعتدل القذافي في جلسته وأخذ يقهقه مردداً في نفسه :مساكين هؤلاء الليبيين وحتى هؤلاء العرب .. إنهم لا يعون شيئاً وذاكرتهم مثقوبة .. وإرادتهم مهزومة. 

     في هذه اللحظة طرق عليه الباب الأعور وشلقم ليخبراه بأن الوفد اليهودي قد وصل وأنه في انتظاره.. وعلى غير عادته ، فلم تمض سوى دقائق قليلة حتى كان القذافي يسلم على أعضاء الوفد الزائر بكل حرارة وترحيب وتواضع ومسكنة. 

     ولم تمض لحظات حتى وجد القذافي نفسه مسترسلا في حديث طويل مع أخواله  لم يكن فيه محتاجاً الى مترجم ليبي فقد كان أحد أعضاء الوفد يجيد العربية ،  تناول فيه ما تعرض له اليهود من اضطهاد في العالم ولم ينس أن يمر على المحرقة [التى كاد أن يجهش بالبكاء عند ذكرها ] كما اشاد بقدراتهم الابداعية في شتى المجالات العلمية والمعرفية وذهب الى حد القول بأنه لولا اليهود لما أستطاع العالم ان يتوصل الى ما توصل اليه من تقدم وحضارة ثم عرّج بحديثه على اصدقائه من الساسة ورجال الاعمال والمفكرين اليهود واستعرض امامهم زيارة المؤرخ برنارد لويس له في نهاية العام الماضي وما دار بينهما من حوار حول مستقبل الشرق الاوسط  وعند هذه النقطة أخذ القذافي يتحدث عن حبه للسلام وأنه يتطلع الى اليوم الذي يقوم فيه السلام بين اسرائيل وبين افريقيا والعالم العربي والعالم الاسلامي وأنه يعتبر نفسه جنديا في هذه المهمة المقدسة وأنه على استعداد في هذا الصدد لأن يقوم بزيارة اسرائيل في القريب ، ثم عرّج في حديثه على قوى التطرف والارهاب في الدول العربية والاسلامية وكيف أنه لم يأل جهداُ في حربها. 

     ثم تناول "القايد" اليهود الليبيين الذين غادروا ليبيا وأكد استعداده لإستقبال من يرغبون منهم في العودة اليها ورد ممتلكاتهم اليهم او تعويضهم عنها تعويضاً مجزياً. ولم يفت القذافي أن يتوسل الى الوفد اليهودي بأن يوظفوا نفوذهم في ادارة الرئيس أوباما لإقناعه بإستخدام ما لديه (اي القذافي ) من مكانة وامكانيات في القضاء على " الارهاب " وتحقيق " السلام" ،ظل اعضاء الوفد صامتين جلّ الوقت ولم تصدر عنهم سوى ملاحظات محدودة انصبت معظمها على انتقاد مواقف الدول العربية  " المتطرفة " و " الارهابيين" . غير أن الذي ازعج القذافي كثيرا خلال تلك المقابلة أنه لم يظهر على الوفد اي ترحيب أو حماس لفكرة زيارته لإسرائيل [على غير ما كان يتوقع] كما لم يعلقوا بأي كلمات على توسله اليهم بإستخدام نفوذهم في إدارة أوباما لصالحه، الامر الذي اعتبره القذافي بمثابة صفعة وهزيبة أخرى ونذير شؤم اضافي[ حتى اخوالي يبدوا انهم يريدون التخلي عني]. 

يتبع الحلقة القادمة : الهروب الى الهاوية.  

بقلم على الفزاني

A.Fazzani57@gmail.com     


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home