Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الخميس 2 ديسمبر 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

تبيان الجهل والبهتان في رد السعيطي على ملاحظات كهلان (10)

قال السعيطي الجاهل : (وإن شئتَ أن أفتح لك باب النقد فإليك هذا الرّدّ من الوجوه التالية:

الوجه الأول: إنّ الكاتب قد نحا بكلامي نحواً من التحريف، ليجد فيه من الشاهد لرأيه مالا يجده حين يُوردهُ على وجهه! فأنا لم أكن أتكلم عن حُكْمِ الخروج على الحكام، وإنما كنتُ أصف شجاعةَ الإمام الحسين، ورفضه الاستسلام للذين حاصروه فقلتُ: إنّ الحسين كان رمزاً للثورة على الظلم والظالمين.

وهل الذين حاصروا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبَوا إلّا أن يُذلُّوه، فقاومهم، فقتلوه ومثّلوا به، هل هؤلاء كانوا مؤمنين عادلين أم ظالمين؟! وهل الحسين أصاب أم أخطأ في مقاومتهم ورفضه لإذلالهم له؟! فإنّما أردت فقط إظهار شجاعة الحسين بروحي أفديه. والكاتب تلقّف كلمة واحدة من المعنى العام، وحرّفها عن موضعها! ولو سألتَ أيَّ رجل من عوامِّ المسلمين، ممّن حضر الخطبة، لأجابك بأنّه ما أدرك إلّا ما أردت إيصاله له من المعنى المذكور.)

التعليق : -

لم يبرح هذا الجاهل كَلِفاً بأغاليط وموارد دخن عاضًّا عليها بنواجذه  في ما زعمه ردًّا، ولقد بينا في الحلقة الماضية أن حاصل معنى ما أنكره مما سمعه كهلان منه وما أقر به واحد، فسيان في البطلان عبارة (الحسين مدرسة في الخروج على الظالمين) كما نقل كهلان وعبارة (الحسين رمز في الثورة على الظالمين) بزعم السعيطي كما سلف أن شرحنا هنالك، فالتحريف الدي يدعيه الجاهل في كلامه لا يدفع عنه سهامَ النقد وطائلةَ ملامه.

وما تطرق كهلان لحكم الخروج على أئمة الجور إلا بالمقدار الذي يقتضيه رد عبارة  السعيطي الباطلة، ولم يمتر أحد في ظلم قاتلي الحسين وجورهم كما لم يُخَطّئْ أحدٌ من أهل العلم – وكهلان من أتباعهم - الحسينَ رضي الله عنه في رفضه خطة خسف سِيمَها ومقام مذلة رامه محاصروه منه، فرغب بنفسه عنه، لكن أفاضل علماء عصره من الصحابة خالفوه في رأيه الخروجَ ابتداء، وتوسموا في من وعدوه بالبيعة والنصرٍ الغدرَ والخذلانَ، وكذلك كان، أما مقاتلته محاصريه فما كانت إلا دفاعاً عن نفسه وقد بدأوه بالقتال أول مرة، يقول ابن حجر  في الفتح: " وأما من خرج عن طاعة إمام جائر أراد الغلبة على ماله أو نفسه أو أهله فهو معذور ولا يحل قتاله، وله أن يدفع عن نفسه وماله وأهله بقدر طاقته" وما دفاع الحسين عن نفسه من الثورة على أولئك الظالمين في شيءٍ، بل كانوا هم العاتين عن أمر ربهم المثيرين لفتنة القتال في وجهه رضي الله عنه وهو (يطلب الكف والإمساك) فإطلاق الثورة على دفاعه عن نفسه غاية في البطلان ، وكون الحسين رمزاً فيها أوغل في البطلان من اعتباره رمزا للثورة المراد بها خروجه أولا الذي اتقاه السعيطي هنا بما هو أفسد منه والذي أَبَنَّا سلفاً بطلانه (والضمير للاعتبار) وما من مدرسة ولا رمز أبداً إلا البرهان البين على بلادة السعيطي وخبطه وخلطه، وقول الجاهل (ولو سألتَ أيَّ رجل من عوامِّ المسلمين ...الخ) ليس بشىء، فمثل هذه المسائل لا تتقرر صحتها من عدمها بالرجوع الى العوام الذين قد يروج عليهم هنا كثيرٌ من الجمل الباطلة أو الحجج الداحضة ، وقد سمعنا ممن شهدوا خطبة السعيطي - وكان لهم بعض إلمام بعلم العقيدة - كثيراً من العيب على الخطبة ونقدها، وما سكتوا عنها إلا بُعداً عن رفع الصوت والإثارة في المسجد، وإن كانوا في سكوتهم مخطئين ، وإنما المرجع في هذا هم الخاصة من أهل العلم، ولقد قلنا سابقاً إن بعض الحضور قد سأل آخر :هل هذا الخطيب شيعي؟ وشجاعة الحسين رضي الله عنه الذي لم ينكرها أحد يلتز إليها السعيطي تهويشاً وخروجاً عن المحل المتنازع فيه وهو بطلان عبارته كما تقدم. وليست معضلة جهله في عبارة أو كلمة واحدة كما يوهم كلامه، بل المعضلة أنك لا تكاد تجد له تعبيراً مستقيماً أو استدلالاً سليماً في مقامه الصحيح وسياقه.

قال السعيطي : (الوجه الثاني: في كلام الكاتب لَمْزٌ لعمل الحسين، وهو صحابيٌّ مجتهد! وأنّ كلّ من قال بالخروج على الحكام الظلمة والفسقة والمبدلين فهو يشبه الرافضة، ويخالف ما عليه أهل السنة، وكذا الحسين – حاشاه من ذلك.)

التعليق : -

هذا تحامل من هذا الجاهل الحاقد على أخينا كهلان وتحريف متعمد لكلامه يتضمن تلبيساً وكذباً من أكثر من وجه :

1-   أن عيب كهلان لعبارة السعيطي الباطلة (الحسين مدرسة في الخروج على الظالمين) بمشابهة كلام الروافض لا يعني بحال لمزَ الحسينِ نفسِه رضي الله عنه، فالحسين ليس مسؤولاً لا شرعاً ولا عقلاً عمن جهل فأطلق عليه نعوتاً بدعية باطلة، بل المؤاخذ الملموز مبتدع هذا الوصف العِوَج ومروّجُه، فقد زعم كثيرٌ من الضالين في بعض أهل الصلاح والتقوى منكراً من القول وزوراً لا يرضاه أولئك الصلحاء الأتقياء، ولو كانوا أحياء حاضرين لفندوا تلك المزاعم وشددوا النكير على أهلها، وقد قال الله تعالى : { وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ} وعقَّب ذلك بقوله { ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} فعاب القائلين لا المقول عنهم معاذ الله، وهذا بيّن لا يخفى.

2-   أن كهلان قد عاب عبارة السعيطي بأمرين:

·    أنها تشبه ما تشتط به أحاديث الروافض، وهذا تشبيه لكلام وهو عبارة(الحسين مدرسة في الخروج على الظالمين) بكلام الروافض، أعني تشبيه كلام بكلام، وليس تشبيهاً لمن قيلت عنه هذه العبارة غلطاً وهو الحسين رضي الله عنه أو من رأى الخروج أنفسهم بالروافض، وبدعة الرفض لم يظهر قرنها بعد، فما ذنب الحسين رضي الله عنه أو من رأى الخروج من الأقدمين فيما لم يقله ولم يُقِرَّه، ثم إن جميع من خُرِجَ عليهم من أولئك الظلمة يراهم الروافض مرتدّين كفاراً فلحكم الخروج عليهم مناط آخر عندهم.

·    أنها تومئ إلى اتخاذ خروج الحسين نفسه قدوة ومثلاً يُحتذى رغم ما صاحبه من نصح أهل الحل والعقد له بالتوقف عن ذلك وما قارن ذلك الخروج من تقديرات خاطئة حالت دون ثمرته المرجوّة، ورغم ما استقر عليه الأمر بعد ذلك عند جماهير أهل السنة من الصبر على أئمة الجور وترك الخروج عليهم، بل نقل بعض أهل العلم إجماعَهم بعدُ على ذلك، وما من استنقَاصٍ لأولئك المجتهدين الأبرار الذين خرجوا على أئمة الجور من السلف ولا لمزٍ بسبب خروجهم لأنهم أصحابُ حق دعاهم  للخروج الرغبة في تغيير المنكر وصون حرمات الدين ورد المظالم، وإن أخطأت تقديراتهم في التمكن مما تجشموه والقدرة عليه، فاستفحل المنكر بخروجهم، وزادت المظالم، واشتدت المحن على المسلمين، ثم استقر الأمر من بعدهم على الصبر على أئمة الجور وعدم الخروج عليهم اعتباراً بتلك العاقبة وعملاً بالأحاديث الواردة في ذلك، والله أعلم.  وحشر السعيطي المبدلين مع الظلمة الفسقة وإن كان كهلان لم يتعرض إلا لأئمة الجور فقط - وهم الظلمة – للالتفاف على كلام كهلان والغمغمة عليه بالزيادة والتحريف حتى يأفِكَ عنه القراءَ فيتسنى له من بعدُ التنفيرُ من قائله، فإن لبعض صور التبديل لدى أهل العلم حكماً آخر أشدّ  وشأناً مختلفاً.

قال السعيطي : (وإذا أطلقنا البحث في كتب أهل السنة لوجدنا فِعْلَ الحسين وغيره من أئمة السلف ممّن ارتأوا الخروج على حُكّام الظلم مُسْتَمسَكاً لمن يرون جواز ذلك.  

قال الإمام ابن حجر العسقلاني في كتابه (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) ج12 في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، متعقباً الرافعيّ في حُكمه على الخوارج كحكم أهل الردة ما نصه: "ليس هذا الذي قاله مُطَّرِداً في كل خارجيّ. فإنهم على قسمين:

أحدهما: من تقدّم ذكره [يعني بهم الذين خرجوا على عليّ بن أبي طالب وكفّروه مع عثمان وجمهور الصحابة والأمة الإسلامية جمعاء].

والثاني: من خرج في طلب المُلك، لا للدعاء إلى معتقده، وهم علي قسمين أيضاً: قِسمٌ خرجوا غضباً للدِّين من أجل جَوْرِ الوُلاة، وتَرْكِ عملهم بالسنة النبوية، فهؤلاء أهل حق، ومنهم الحسين بن علي، وأهل المدينة في الحرّة، والقُرّاء الذين خرجوا على الحجاج. انتهى. ويعني بالقُراء زمرة كبيرة من سادات علماء التابعين بالعراق، منهم: ابن أبي ليلى، وأبو البختري، وسعيد بن جبير، والشعبي خرجوا مع عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث على الحجّاج لمّا اشتد ظلمه، وخلعوا عبدالملك بن مروان. فهل هؤلاء الأئمة العظماء ليسوا من أهل السنة؟!) 

التعليق : -

بصرف النظر عن تباين أنظار أهل العلم من الصدر الأول في الخروج على الظالمين وأن الأمر قد استقر بعدُ على منعه فإن الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله لا يرى الخروج على الظلمة من أئمة المسلمين، يقول رحمه الله في الفتح عند شرحه لحديث ( من كره من أميره شيئاً فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية) : "قال ابن بطال : في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها كما في الحديث الذي بعده."

ويقول رحمه الله خلال شرحه الحديث التالي حديث عبادة ابن الصامت (وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان) يقول في تبيان محمل الروايتين (إلا أن تروا كفراً بواحاً) و(إلا أن يكون معصية لله بواحاً) : "والذي يظهر حمل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر، وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية، فإذا لم يقدح في الولاية نازعه في المعصية بأن ينكر عليه برفق ويتوصل إلى تثبيت الحق بغير عنف، ومحل ذلك إذا كان قادراً والله أعلم. " ثم قال"ونقل ابن التين عن الداودي قال: الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر.  وعن بعضهم لا يجوز عقد البيعة لفاسق ابتداء، فإن أحدث جوراً بعد أن كان عدلاً فاختلفوا في جواز الخروج عليه، والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه. "

فتبين بما لا يدع مجالاً لريب وبما يقطع كل شبهة الأمورُ التالية :

1 - أن الحافظ ابن حجر رحمه الله ممن يؤيد المنع من الخروج على أئمة الجور وممن يرى طاعتهم في المعروف.

2 - أن قول السعيطي (وإذا أطلقنا البحث في كتب أهل السنة لوجدنا فِعْلَ الحسين وغيره من أئمة السلف ممّن ارتأوا الخروج على حُكّام الظلم مُسْتَمسَكاً لمن يرون جواز ذلك. قال الإمام ابن حجر العسقلاني  ...........الخ) الذي يفهم منه أن ابن حجر ممن ارتأى الخروج على حكام الظلم استمساكاً بخروج الحسين وبعض السلف قول باطل مردود، فقد تبين مما نقلناه عن ابن حجر أنه لا يرى ذلك. 

3 – أن تنزيلَ كلام ابن حجر الدي نقله المبطل عنه على أنَّ رأيَ ابن حجر جوازُ الخروج على أئمة الجور تنزيلٌ باطلٌ وأن الجاهل لم يفهم مراد ابن حجر من كلامه، وقد أطلق الأميُّ بحثه من كل قيد حتى قيد الفهم والإدراك، وأجراه في ميادين الجهل والهوى، فكبا به  فور انطلاقه كدأبه منه قبل فوقع في أغلاط، ولتبيان ذلك سننقل كلام ابن حجر بسياقه كاملاً :

يقول ابن حجر رحمه الله : "وقال الغزالي (1) في (الوسيط) تبعاً لغيره في حكم الخوارج وجهان : أحدهما أنه كحكم أهل الردة، والثاني : أنه كحكم أهل البغي، ورجح الرافعي الأول، ليس هذا الذي قاله مُطَّرِداً في كل خارجيّ. فإنهم على قسمين : أحدهما: من تقدّم ذكره، والثاني: من خرج في طلب المُلك لا للدعاء إلى معتقده، وهم علي قسمين أيضاً: قِسمٌ خرجوا غضباً للدِّين من أجل جَوْرِ الوُلاة، وتَرْكِ عملهم بالسنة النبوية، فهؤلاء أهل حق، ومنهم الحسين بن علي، وأهل المدينة في الحرّة، والقُرّاء الذين خرجوا على الحجاج، وقسم خرجوا لطلب الملك فقط سواء كانت فيهم شبهة أم لا وهم البغاة.اهـ

ويتبين من كلام ابن حجر الآتي :

أن قول السعيطي عن ابن حجر :( متعقباً الرافعيّ في حُكمه على الخوارج كحكم أهل الردة) غلط بيّن فتعقب ابن حجر هنا ليس للرافعي إنما هو للغزالي فيما قاله في (الوسيط ) تبعاً لغيره حيث ذكر أن لحكم الخوارج وجهين يأخذون حكم المرتدين في أحد الوجهين وحكم الباغين في الوجه الآخر،  وذلك لأدلة منها :  

1 – أن قول ابن حجر (ليس هذا الذي قاله ...) يدل بوضح على أنه يرد قولاً ذكره وليس ترجيحاً حكاه، ولو تعقب ترجيح الرافعي لقال : " ليس هذا الذي رجحه ..." ففاعل قال في كلام ابن حجر ضمير مستتر يعود على الغزالي المذكور قوله لا على الرافعي المحكي ترجيحه.

2 -  أن تعقب ابن حجر تضمن تفصيلاً يُخْرِجُ به الحسينَ رضي الله عنه والخارجين من أولئك السلف عن حكم المرتدين و حكم البغاة أيضاً، ولو كان تعقبه للرافعي لانصب غالباً على إخراجهم عن حكم أهل الردة فقط.

وخَصُّ الغزاليِّ بالتعقب هنا من حكمة ابن حجر رحمه الله، إذ لو تعقب الرافعي في ترجيحه حكمَ أهل الردة للخوارج بأن ذلك لا يتنزل على الحسين ومن معه لبقي الاشتباه في أن يشملهم الوجه الآخر من كلام الغزالي - وهو حكم أهل البغي - قائماً، فلما ردَّ عنهم تَنَزُّلَ الوجهين ضرب بجحر عصفورين واستغنى عن تعقب الرافعي بخروج الحسين.

ولا تحسبن أيها القارئ الكريم أن الغزالي رحمه الله فيما ذكر من وجهي الحكم على الخوارج أو الرافعي رحمه الله في ترجيح أحدهما كانا يدور بخلدهما أن الحسين ومن ذكروا معه مشمولون بمصطلح الخوارج هنا أو معنيون بما خاضا فيه من الحكم بالردة أو البغي عليهم ولا أن مخرج الحسين ومن ذكروا معه من كلا الحكمين قد اشتبه عليهما، وإنما كانا يخوضان في حكم (الخوارج) بالمعنى الاصطلاحي الفِرَقي كالذين خرجوا على علي رضي الله عنه ومن تفرع عنهم، وليس (الخوارج) بالمعنى اللغوي العام كالحسين رضي الله عنه ومن ذكر معه، إذ يستحيل أن يعتبر هذان العالمان الفاضلان الحسين رضي الله عنه أو أياًّ من أولئك السلف المذكورين معه مرتدا أو باغياً، ولا تَظنَّنَّ ابنَ حجر في تعقبه كذلك غافلاً عن هذا، وإنما كان تعقبه لما في كلام الغزالي من إجمال ينبغي عند ذكر الأحكام تفصيله واحتراساً من أن يفهم قارئ كلامِ الغزالي من لفظ (الخوارج) عمومَ من يُطلَق عليه ذلك لغةً، فيطرده في كل خارج، والله أعلم. 

3 – أن قول ابن حجر عن الحسين رضي الله عنه وأهل المدينة والقراء : " فهؤلاء أهل حق" معناه أن الذي حملهم على الخروج ودفعهم إليه إنما هو الغضب للدين بسبب جور الولاة وتركهم العمل بالسنة كما ذكر، والغضب للدين أمر محمود وعمل شرعي حق، يعني أنه لم يحملهم على الخروج دعوةٌ لمعتقد فاسد وتأويلٌ باطلٌ أو شبهةٌ عارضةٌ كما وقع لغيرهم، يقول ابن حجر في الفتح : (وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن عبد الله بن الحارث عن رجل من بني نضر عن علي وذكر الخوارج فقال : "إن خالفوا إماماً عادلاً فقاتلوهم، وإن خالفوا إماماً جائراً فلا تقاتلوهم فإن لهم مقالاً" ) ثم أعقبه بقوله "قلت : وعلى ذلك يحمل ما وقع للحسين بن علي ثم لأهل المدينة في الحرة ثم لعبد الله بن الزبير ثم للقراء الذين خرجوا على الحجاج في قصة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، والله أعلم" فقوله عنهم "أهل حق" إذن يتضمن صحة الباعث لهم على الخروج الذي يترتب عليه النهيُ عن قتالهم، ولا يدل هنا بحال على تصويبه خروجَهم أوَّلاً ولا على استمساكه بذلك الخروج دليلاً في جواز الخروج على الظلمة  كما توهم الجاهل لأكثر من وجه منها : -

1 – أن ابن حجر نفسه لا يرى الخروج على أئمة الجور كما تقدم النقل عنه، فكيف يروم له مستمسكاً ابتداءً!! بَلْهَ مستمسكاً من حدث أحَقََّ دافعَه فقط، وساق ذلك في صدد آخر!

2 – أنه لا يلزم من كون الدافع حقاً جوازُ الخروجِ مطلقاً حتى حال كفر الحاكم إذ قد يتخلف شرط القدرة على خلعه ويقود الخروج عليه إلى حال أسوأ وضرر أشد فأولى لو كان ظالماً.                     

قال الجاهل :(وصفوة المقال في هذا المبحث أنّ لأهل السنة قولين في هذه المسألة، وأنّ الرافضة لا وجود لهم فيها هنا إلا في ذهن الكاتب!)

التعليق :-

هذه لثغة من جاهل متحامل دون تحقيق وفي غير محلها، فكهلان إنما وَصَمَ وَصْفَ السعيطي للحسين بـأنه مدرسة في الخروج بشبه شطط الروافض في أقوالهم وبالخطأ في الثناء الضمني - بذلك الوصف - على الخروج نفسه الذي نصح الحسينَ بالعدول عنه فضلاءُ الصحب وعلماؤهم، واستقر رأي جماهير أهل العلم بعدُ على منعه كما أسلفنا، ولم يشِرْ كهلان لا تصريحاً ولا تلميحاً إلى الروافض في غير ما أشرنا إليه من الشبه اللفظي ولا إلى أن الخروج على أولئك الظلمة مذهبهم لأن الرافضة يكفرونهم(2)، ولا شَنَأَ من رأى الخروج من أولئك السلف بمشابهتهم، وإنْ كان خطأ الرافضة في هذه المسألة إلا في المقدمة التي أنتجت لهم الخروج والأُسِّ الذي بنوه عليه، وهو الحكم بكفر أولئك الظلمة الذي هو من أبطل الباطل والذي يخالفهم فيه وفيما نتج عنه وانبنى عليه أهلُ السنة جميعاً على امتداد العصور، ولو صح لهم المقدمة والأساس لوافقهم أهل السنة جميعاً في صحة الخروج بل وجوبه، وهيهات، فتبين بجلاء أن كهلان لم يأت على ذكر الروافض في غير الشبه اللفظي وأن الادعاء عليه بأنه يرمي من يرى الخروج على الظلمة بمشابهة الرافضة أويقحمهم في هذه المسألة لا يصح بوجهٍ، وما هو إلا اختلاق متكلَّف من هذا المفتري ، ولا حقيقة له قط إلا في لَجَج هذا المبطل ووهمه وأكاذيبه وداخل ظلمات ذهنه وسراديبه.

 

قال الجاهل : (الوجه الثالث: تبرّمَ كاتب التعليق بوصف الحسين بالشجاعة، وأراد أن يَسِمَ من وصفهُ بذلك بمِيْسَمِ الرفض أو مشابهة الرافضة.

كيف يضيقُ صدر مؤمنٍ ذرعاً بالثناء على شجاعة الحسين وهو يقرأ قوله صلى الله عليه وسلم: [حسين مِنِّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحب حسيناً، حسين سبط من الأسباط]!

قال الإمام ابن عبدالبر في (الاستيعاب في تمييز الأصحاب): "أخبرنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا بن وضاح قال حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة قال حدثنا عفان قال حدثنا حمّاد بن سلمة قال حدثنا عمّار بن عمّار عن ابن عبّاس قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في ما يرى النائم نصف النهار، وهو قائم أشعث أغبر بيده قارورة فيه دمٌ. فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين لم أزل ألتقطه من اليوم". انتهى).

التعليق : -

سلسلة كذب اختلقها هذا الجاهل ثم اتخدها سُلّماً للنيل من كهلان والحط عليه، فما تبرّم كهلان بوصف الحسين بالشجاعة ولا ضاق ذرعاً بالتنويه بها معاذ الله، بل ضجر بنعت بدعي باطل وعابه أطلقه السعيطي على الحسين، فحاكى به خُوَارَ الروافض كما تقدم، ولم ينسب كهلان السعيطي للرفض أو يسمْه به أو بالمشابهة المطلقة للروافض، بل ذكر محاكاة ما أطلقه من وصفٍ لكلامهم، وإن لم يخل السعيطي – وهو المتصوف الجاهل - من مماثلة الروافض في بعض عقائدهم كالاستغاثة بغير الله كما مضى بيانه، بل بلغ به الأمر إلى العلاقة بالمشعوذين وربط بعض العامَّة بهم(3).

وإن ما ساقه السعيطي من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدح الحسين ورفعة منزلته ووجوب محبته أو منام ابن عباس الذي يومئ الى بالغ تأثره عليه الصلاة والسلام من مقتله لأمر بعيد عن محل النزاع، ولا يخالف فيه أحد، ولكن هذا منهجه وتلك سبيله، يفتعل الكذب، ويبني مثله عليه، ثم يرده بما هو مسلم لدى المكذوب عليه، ألا لعنة الله على الكاذبين.

قال الجاهل السعيطي : (قال الكاتب: "

8.     ذكر قول الشاعر الماجن أبي نواس مقرراً له حين سُئل عن تركه مدح الرضا، فقال: لماذا تركت مدح ابن موسى والخصال التي تجمعن فيه قلت: لا أستطيع مدح إمام كان جبريل خادماً لأبيه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقاً على ذلك: وأيضاً فتسمية جبريل، رسول الله، إلى محمد صلى الله عليه وسلم، خادماً له، عبارة من لا يعرف قدر الملائكة وقدر إرسال الله لهم إلى الأنبياء ولكنّ الرافضة غالب حججهم أشعار تليق بجهلهم وظلمهم وحكايات مكذوبة تليق بجهلهم وكذبهم، وما يثبت أصول الدين بمثل هذه الاشعار إلّا من ليس معدوداً من أولي الأبصار". انتهى.

والردُّ عليه من وجوه:

الوجه الأوّل: قوله "ذكر قول الشاعر الماجن ... إلخ" عجز الكاتب عن انتزاع مَغمزٍ مُعتبرٍ في كلامي عن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فحاول أن يمسه بالتحريف وزاد عليه شيئاً من عنده، ولم يكفه هذا التصرف حتّى قوّلني هنا ما لم أقل!! هو يقول بصيغة الجزم "ذكر قول الشاعر ..." واللهُ يَعلمُ أنني لم أقل هذين البيتين اللذين ذكرهما! ولستُ أعرف أبا نواس ولا ممدوحه، وإنّما ذكرت أبياتاً أخرى في مدح آل البيت جميعاً، ضَمَّنَها قائلها ـ وهو من شعراء أهل السنة ـ مِنْ معنى البيت الثاني، فقال:

أنا لا أستطيع أمدح قوماً     كان جبريل خادماً لأبيهم

وسآتي على مُراده من هذا البيت، ولكنّ الأمانةَ في النقل تقتضي نَقْلَ الكلامِ كما قيل، بلا تحريف!).

التعليق : - مع كل ما تقدم من طوام ضلاله وسوء مقاله جهلاً وكذباً وتحريفاً وصخباً مازال هذا المبطل اللجوج ماضياً في مباهتاته الفائلة إلى أبعد مدى حيث ادعي أن لا مغمز معتبراً في كلامه إلا بالتحريف، فما هو ذلك التحريف ياترى؟ وهل استقام من كلامه في جميع هذيانه شيء حتى يحتاج إلى مغمز، أولم يك كله متهافتاً هارياً عارياً إلا من الجهل والبهت والتهويش، وما ذلك المغمز المعتبر الذي عجز كهلان عن انتزاعه من كَلام السعيطي إلا بعد أن حرفه وزاد عليه كما زعم الظلوم الكذاب؟ المغمز إنما هو وصف جبريل بالخادم الوارد بصورة واحدة في نص بيت أبي نواس الأصلي أو المتصرف فيه كما حوَّره ضلَّال المتصوفة وأنشده السعيطي تقليداً لهم، ولبسط ذلك نقول:

لِنصدق السعيطي هنا في ما أثبته بما يشبه اليمين في قوله : (واللهُ يَعلمُ أنني لم أقل هذين البيتين اللذين ذكرهما! ولستُ أعرف أبا نواس ولا ممدوحه، وإنّما ذكرت أبياتاً أخرى في مدح آل البيت جميعاً،  ضَمَّنَها قائلها ـ وهو من شعراء أهل السنة ـ مِنْ معنى البيت الثاني، فقال:  أنا لا أستطيع أمدح قوماً     كان جبريل خادماً لأبيهم).

ولْنعتبر كهلان قد أخطأ في النقل هنا فظنّ بيت أبي نواس الذي سرقه أحد ضلال المتصوفة (أحمد عمر هاشم) أو (برهان الدين أبو الإخلاص) بتصرف لفظي يسير جداً لا تأثير له فيما نحن بصدده، ظنه بيت أبي نواس الأصلي الذي يقول :

(قلت لا أستطيع مدح إمام .  . . كان جبريل خادماً لأبيه) ويروى صدره (قلت لا أهتدي لمدح إمام) ضمن أبيات أخرى هي :

(قيل لي أنت أشعر الناس طراً . . . إذ تـفوهت بـالكـلام الـبـديـه

لك من جوهر القريض مديــح . . .  يُثمر الدرَّ في يـدي مجتنيـه

فعلام تركت مدح ابن موسى  . . . والخصال الذي تجمعن فيه؟

قـــلت لا أهـتــدي لـــمدح إمام  . . .  كـان جـبريل خـادماً لأبـيـه

قــصرت ألسن الفصاحة عـنه  . . .  ولهذا القريض لا يحتويـه)

وينسب بعض مواقع المتصوفة للدكتور أحمد عمر هاشم (رئيس اللجنة الدينية بمجلس الشعب المصري) أنه قال :

قال لى قائل رأيتك تهوى   

آل طه النبى ودائما ترتجيهم

قلت ماذا اقول والكون طرا   

يستمد العطاء من أيديهـم

أىّ معنى للمدح منى وقد جا   

ء الكتاب العزيز بالمدح فيهم

أنا لا أستطيع أمـدح قومـا

كان جـبريل خادما لأبيهم

 

ولعله أخذه مما تعزوه نفس المواقع لبرهان الدين أبي الإخلاص :

قــال لى قــائل رأيـــتـــك تهوى    

آل طــــه ودائــماً تـقـتـفـيــهم

قــلت مـــاذا أقــول والكون طراً     

يـــستــمد الكمال من أيـــديهم

أى مـــعنـى للمدح منى وقد جا     

ء الكتــاب العزيز بالمدح فيهم

أنا لا أســتـــطيع أمــدح قومـــاً     

كان جـبـريـل خـادمـاً لأبـــيـهم

ربــى مـــا لى وسيلة غير حبى     

آل طه وكـــل من يـــصطفيـهم

فـــــأغثـنـى بــــحقهم يـــــاإلهى    

أنــا ضيف نــزلت فى ناديـــهم

واعف عما جنيت فضلا وإحسا     

ناً فإنى قد صرت من مادحيهم

يـــاإلــهي وائذن لسـحـب صلاة     

تـــتــوالى بــمضجع يحويــهم

 

المقارنة بين الأبيات في نصوصها الثلاثة

المآخذ المشتركة بينها جميعاً :

1 – وصف جبريل بالخادم وسنتعرض له بالتفصيل قريباً

2 – المبالغة في المدح في بيت أبي نواس الأصلي : (قلت: لا أستطيع مدح إمام) أو (قـــلت لا أهـتــدي لـــمدح إمام) وفي ما ورد على لسان المتصوفين الضالين (أنا لا أستطيع أمدح قوماً)

 

ما يؤخذ على أبيات أحمد عمر هاشم وحدها :

 

1 -  صرف الرجاء وهو شطر العبادة لغير الله (قـال لى قـــائل رأيتك تــــــهوى    آل طــــه النبى ودائما ترتجيهم)

 

 ما يؤخذ على الأبيات المنسوبة لبرهان الدين أبي الإخلاص

1 – التوسل المبتدع بحق أهل البيت (فأغثني بحقهم يا إلهي)

 

المآخذ على أبياتهما (...هاشم وأبي الإخلاص) معاً :

1 – تأليه أهل البيت بأن الكون جميعاً يستمد العطاء أو الكمال من أيديهم في قول أحد الضالَّين (قلت ماذا اقول والكـــون طـــرا    يـــستـمـد العطاء من أيــديــهـم) وفي قول الآخر (قــلت مـــاذا أقــول والكون طراً      يـــستــمد الكمال من أيـــديهم) فإذا كان الكون طراًّ(بأجمعه) يستمد منهم العطاء أوالكمال فماذا بقي لخالق الكون الله جل وعلا من حاجة هذا الكون المخلوق له وافتقاره إليه؟ وفي أي نص من كتاب الله جل وعز أو من صحيح السنة وجدا هذا الشرك الآثم المناقض لنصوص التوحيد التي استفاضت في الكتاب والسنة فألقياه كأنه حقيقة شرعية ومسلمة ثابتة، ألا قاتل الله الضلال وأهله.

2 – الركة في الأسلوب بوضع الفعل موضع المصدر(4) دون سابكٍ (أنا لا أســتـــطيع أمــدح قومـــاً) وهو شاذ على المشهور كالمثل المعروف "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" فجمع المتصوفان إلى الضلال العي وشابها المعيدي.

3 – أنها دون أبيات أبي نواس سلامةَ صياغةٍ وجودةَ تركيبٍ وبلاغةَ بيانٍ وتجاوزتها انحرافاً باشتمالها على الشرك الأكبر وكثرة المبالغة وزيادة البدع.

 

فالأبيات الأخرى التي أقر السعيطي بأنه ذكرها في خطبته مع هذا البيت تترد بين أن تكون الأبيات المنسوبة لأحمد عمر هاشم وهو ما يرجحه من شهد ذلك الهذيان أو المعزوة لبرهان الدين أبي الإخلاص، ولا تخرج عنهما، وهي أسوأ معنى وأبخس أسلوباً من بيت أبي نواس أو الأبيات التي معه.

ولو تغاضى السعيطي عن خطأ كهلان هنا وسلَّمه له لكان ذلك لحاله فيما أنشد أستر وأولى، ومهما يكن الأمر فتسمية أمين الوحي جبريل عليه السلام خادماً للنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو محل النقد في بيت أبي نواس الأصلي لا يختلف عنه في نفس البيت مسروقاً بتصرف لفظي يسير في النصين المعزوين للمتصوفيَّيْنِ المبتدعَيْنِ، فقد جاء في كليهما ذلك، وإطلاق وصف الخادم على جبريل عليه السلام باطل مردود من أكثر من وجه منها : -

 

1- أن لفظ (الخادم) نعت دوني ومهني وضيع لغة وعرفاً يتخذ الناس موصوفَه غالباً من المماليك (الجواري والغلمان) ولا يطلق عادةً على أشراف الناس وسراتهم(5) فكيف يصح إطلاقه على الملائكة ودرجاتهم أرفعُ وأقدارُهُم أعلى خاصة الرسلَ المصطفَيْنَ المقرّبِين منهم كجبريل عليه السلام.

2- أن الله جل وعلا لم يرسل جبريل عليه السلام إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليخدمه ويقوم له بشؤونه الدنيوية المتعارف عليها عملَ الخادم مع المخدوم، وإنما أرسله إليه ليبلغه عنه علوم الوحي وما يتصل به، وتلك أمور أبعد ما تكون عن أحوال الخادم مع مخدومه فيما يأتي من أعمال كما يظهر جلياً في الوجه التالي.

3- أن ما يقوم به الخادم يكون عادة عن أمر المخدوم أو مما يدخل في عقد الخدمة بينهما أو متعارف مدلولها بحيث لو تخلف الخادم عن فعله لأمره به مخدومه، وللمخدوم وقْفُ الخادم عن عمل همّ به أو صرفُه عن إكمال ما تلبس به منه، فهو الذي إليه تدبير شؤون الخدمة وتصريفها على ما يشاء، وليس للخادم إزاء ذلك إلا الطاعة والامتثال.

وما يقوم به جبريل عليه السلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبليغ الوحي إليه وما يتصل به يختلف اختلاف التضادّ عن هذا، فالرسول صلى الله عيه وسلم هو المأمور المطلوب منه الامتثال لما يبلغه جبريل إليه من وحي وما يلقيه إليه من توجيه، فما يقوم به جبريل هنا ليس صادراً عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مشمولا بتعاقد بينهما ولا يدخل في معنى الخدمة المعروف لا لغة ولا شرعاً ولا عُرفاً، ولا يملك الرسول صلى الله عليه وسلم نحو ما يقوم به رسول ربه إليه من تعليم إلا الطاعة والتسليم، فلا يتجه وصف جبريل عليه السلام بخادم للرسول صلى الله عليه وسلم بحال من الأحوال، ولا يُقْدِمُ على ذلك إلا أهل الجهل والضلال.

4- أن ما يقوم به الخادم يكون عادة من الأمور الاعتيادية اليومية والشؤون البسيطة المقدور عليها، يتركها المخدوم للخادم انشغالاً عنها بما هو أهم منها أو استراحة من نصبها أو ترفعاً عنها، وليس كذلك ما نيط بجبريل عليه السلام وأرسل به من الله جل وعلا إلى رسله من البشر عليهم الصلاة والسلام.

5- أنه لو جاز أن يقال عن جبريل (خادم محمد) رسولنا صلى الله عليه وسلم لجاز أن يقال هذا فيه مع بقية الأنبياء والرسل، فيقال إنه خادم نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام وغيرهم إذ شأنهم معه واحد، ولم يقل بذلك أحد، كيف وهو واسطة الرسالة إليهم التي ما بلغ شرفهم وفضلهم مبلغه إلا بها.

6- أن ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم مما كان من جبريل إليه من أول يوم جاءه في غار حراء لا يتصور أبدا من خادم لمخدومه، فقد غطه ثلاثا حتى بلغ منه الجهد، ويرسله بعد كل غطة، وأمره بالقراءة في الأوليين، ولقنه أوائل سورة العلق في الثالثة، فرجع إلى خديجة مرتاعاً فزعاً يرجف فؤاده وقال : زملوني ....

7- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في استئناف نزول الوحي بعد فترته من حديث جابر بن عبد الله : (بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فأنزل الله تعالى: "يا أيها المدثر قم فأنذر - إلى قوله - والرجز فاهجر ) فروعه صلى الله عليه وسلم ورعبه من مرأى حبريل جالساً على كرسي بين السماء والأرض قد سدّ الأفق كما صح في بعض الآثار يقطع شبهة من أطلق صفة الخادم على جبريل من أساسها، وليت شعري أيرتاع ويرعب مخدوم بمجرد رؤية خادمه، وهذا بدهي ظاهر جلي، ولكن أنَّى لمن طمس بصيرته الجهل والغلو وامتلكه التعصب أن يبصر أو يتفكر.

8-   أن الله قد سمى جبريل في القرآن ووصفه بأوصاف كثيرة لا تلتقي مع لفظ (الخادم) في معناه أبداً منها :

·   قوله تعالى: وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ * ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ * وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ * فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ * مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ * إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ * مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ * لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ

               ففي هذه الآيات من الأوصاف 1- معلِّم الوحي (عَلَّمَهُ ) 2- شديد القوى                  3- ذومرة ومعنى المرة هنا القوة النفسية أي ذو نفس قوية 

·   قوله تعالى أيضاً : فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ * ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ * وَٱللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ* مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ

فوصفه بست صفات 1- رسول 2- كريم 3- ذوقوة عند الله أي في الملإ الأعلى4- مكين لديه أي مقرب منه 5 – مطاع ثم أي في الملإ الأعلى من قِبَلِ غيره من الملائكة 6 – أمين أي على الوحي.  واحتمال رجوع هذه الصفات هنا لرسولنا صلى الله عليه وسلم ضعيف غير متجه وإن ذكره بعض أهل العلم للوجوه التالية :

·   أن رسولنا قد ذكر بعدها مظهَراَ غير مضمر في قوله (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) والأصل أن يذكر بضميره لو كان هو المقصودَ بالأوصاف السابقة وأن العطف يقتضي التغاير، ولأن في إجرائها عليه ما يغني عن نفي الجنون عنه إذ لا يوصف بها إلَّا أكمل الخلق عقلاً وأسماهم إدراكاً ونُبلاً.

·   أن  الضمير المنصوب على المفعولية لـ(رأى) البصرية في قوله (وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ ) لجبريل اتفاقاً وهذه الأوصاف معادُه كما هو واضح من السياق، والأصل في الضمائر أن يسبقها ما تعود إليه، والله أعلم.

·   أن هذه الآيات أيضاً قد شابهت معنىً ولفظاً آياتِ سورة النجم ووردت موردها قسماً وجواباً، وقد أجمع من يعتد بهم من أهل العلم على أن النعوت هنالك لجبريل عليه السلام.

·   أن بعض هذه الصفات كـ(ذي قوة عند ذي العرش) و(مطاع ثَمّ)لا يتجه وصفاً  لرسولنا صلى الله وسلم إلا بتأويل يشبه التجوز ولا يخلو من تكلف خاصة في الأخيرة، والله أعلم.

9 - أن الله جل وعلا قد سمى جبريل أيضاً روح القدس ومعناه: مَلَكُ الطُّهْرِ فقال:

( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ) والروح الأمين أي الملك الأمين فقال :

( وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ* عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ *بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ) ولا تلتقي هذه الأوصاف مع نعت (الخادم) لا معنىً ولا مقاماً.

 

10- أن الله جل وعزّ قد وصف الملائكة وجبريل من كبرائهم بمكارم نعوتٍ ما أسماها وأبعدها عن معنى "الخادم" منها:

·       (المقربون) قال تعالى ( لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ)

        (سفرة كرام بررة) قال تعالى : { بِأَيْدِي سَفَرَةٍ *كِرَامٍ بَرَرَةٍ }

 

11- أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول في افتتاح صلاة الليل:(اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطرَ السموات والأرض عالمَ الغيب والشَّهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيمِ) ففي إضافة الرسول الرب إلى جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وتقديمهم في الإضافة على السماوات والأرض والتصدير بجبريل في افتتاح أهم ركن بعد الشهادتين دلالة واضحة على أنهم من أعظم مخلوقات الله وإيماء إلى التوسل بربوبيته سبحانه لهؤلاء الملائكة الكرام وأن جبريل أعظمهم وأكرمهم مما يجعل إطلاق (الخادم) على أي منهم خاصة جبريل من أشد المناكر وأظهر الباطل وأسوأ الأدب مع ملَك مقرَّب ورسول مصطفى من خيرة خلق الله ملإ أعلى فُطِرُوا على الطهر وجبلوا على الصلاح ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون).

 

12 - أنه صح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم - قال:

"هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله عز وجل ؟ . قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور ، وتتقى بهم المكاره ، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء ، فيقول الله عز وجل لمن يشاء من ملائكته : ائتوهم فحيوهم ، فتقول الملائكة : ربنا نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك ، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء ، فنسلم عليهم ؟ قال : إنهم كانوا عبادا يعبدوني ، ولا يشركون بي شيئا ، تسد بهم الثغور ، وتتقى بهم المكاره ، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء . قال : فتأتيهم الملائكة عند ذلك ، فيدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار".

ففي هذا الحديث التصريح بأن الملائكة خيرة الله من خلقه وسكان سمائه ولا يصح أن يُدعى من هذه منزلته خدماً لأحد من الخلق، ومن جهة أخرى فحقيقة الخدمة المعروفة لا تتحقق بين اثنين إلا أن يكونا في مكان واحد من الأرض، فكيف إذا اختلف مستقراهما (السماء والأرض) خِلْقةً وتفارقا مكاناً بِبَوْنٍ شاسعٍ جدًّا صارا به مضرب المثل في البعد والاختلاف، فمحمد صلى الله عليه وسلم من سكان الأرض بحكم آدميته، وجبريل عليه السلام من سكان السماء بحكم ملكيته، ولا يزور محمداً في الأرض إلَّا لماماً إيحاء من الله وتعليماً أو إسراءً وتكريماً أو لما يتصل بهذه الشؤون، فأين هي الخدمة حتى يوجدَ طرفاها "الخادم والمخدوم" ياأيها القراء من أهل الفهوم.

 

قال الجاهل : (الوجه الثاني: قوله " قول الشاعر الماجن أبي نواس مقرراً له ".

 يُريد الكاتب هنا أن يُقابل الجدّ بالهزل، والحُجّة باللغو ... يُريد أن يضع في ذهن القارئ بِمثل هذه العبارات والتهويلات نفوراً من الأبيات التي ذكرتها . فهل كون الشاعر ماجناً، أو عابد صنم يؤثر في قيمة شعره إذا كان حكمةً سائرة، أو حقيقة معتبرة؟!)

التعليق : -

ثرثرة من هذا المريض فأين الجد والحجة في وصف جبريل عليه السلام رسول الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم بالخادم له، ثم إن كهلان لم يأت بشيء من عنده هنا، بل نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الذي رد على من وصف جبريل بالخادم بما لا تعقيب عليه كما بسطناه قريباً، فهل ابن تيمية في رده هذا هو الذي هوَّل فقابل (الجدّ بالهزل، والحُجّة باللغو) ؟ ومن نعَت جبريل بالخادم هو صاحب الحجة والجد؟ يارويبضة الأفن والعمى!!! أم هي سنة الله أن تنقلب حقائق الأمور عند الكذبة الجهلة { فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً } ألا أخزى الله الكذابين الجاهلين، وقد انجلت قيمة الأبيات التي ذكرها بما قدمناه قريباً.

وقول الجاهل :( فهل كون الشاعر ماجناً، أو عابد صنم يؤثر في قيمة شعره إذا كان حكمةً سائرة، أو حقيقة معتبرة؟!)  سفسطة ساقطة فهل عيبت أبيات أبي نواس بكون قائلها ماجناً- وقد اتفق على وصفه بالمجون الأولون والآخرون - أم باحتوائها على منكر باطل وهو إطلاق الخادم على جبريل عليه السلام كما نقل كهلان عن ابن تيمية، وهل البيت الشعري الذي يصف جبريل بالخادم حكمة سائرة أو حقيقة معتبرة؟؟؟ أأدركها غلاة الروافض وضلال المتصوفة في بيت أبي نواس دون غيرهم؟ فاحتفوا به أوتصرَّفوا فيه سرقةً ونسجوا عليه ما هو أضل وأفسد، أم أن سلطان الجهل والتعصب قد أطبق على قلوب الجاهل وزمرته وأرخى سدوله عليهم، فأفقدهم الفرقان بين الحِكم والضلالات وبين الحقائق والأباطيل.

قال الجاهل السعيطي : (هؤلاء سلفنا الكرام، وعلماؤنا الأعلام جيلاً بعد جيل ما زالوا يروُون، ويتناقلون أشعار الشعراء الجاهليين، ولا يجدون في أنفسهم حرجاً من الاستشهاد بها، ما دامت محتوية على حكمةٍ لا تتعارض مع عقيدتنا وديننا! )

التعليق : وهل ما هذوت به من أبيات تصف جبريل بالخادم بل تشطح بالشرك والغلو هل هذه الأبيات "محتوية على حكمةٍ لا تتعارض مع عقيدتنا وديننا" ؟؟؟ !!! سبحانك هذا بهتان عظيم، نعوذ بالله من طمس البصائر واستحكام الهوى، يامقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك.

قال الجاهل : ( بل إنّ الرسول الأعظم، والحبيب الأكرم صلوات ربي وسلامه عليه؛ وصحابته الكرام رضوان الله عليهم  قد أثنوا على شعر شعراء مشركين. ولأقم شواهد على ذلك:

1-     أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كُلُّ شئ ما خلا الله باطل. وكاد أمية بن أبي الصلت أن يُسلم". قلتُ: وأمية مات كافراً.

2-     أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من حديث الشريد بن سويد الثقفي "أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم استنشده من شِعر أمية بن أبي الصلت. قال: فأنشدتُه مائة قافية، فلم أنشده شيئاً إلّا قال: إيه إيه، حتى إذا استفرغت من مائة قافية قال صلى الله عليه وسلم : كاد أن يُسلم."

3-     أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عبدالرحمن بن عبدالله بن دينار عن أبيه قال:" سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب: وأبيضُ يُستسقى الغما بوجهه ... ثِمالُ اليتامى عصمةٌ للأرامل. وقال عمرو بن حمزة حدثنا سالم عن أبيه: ربما ذكرتُ قولَ الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي، فما ينزل حتى يجيش كلُّ ميزاب:                         

وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه .. ثمال اليتامى عصمة للأرامل. وهو قول أبي طالب".

قلتُ: وأبو طالب مات مشركاً.

4-     وقد ثبت أنّ أُمَّنا عائشةَ رضي الله عنها تمثّلت شِعْرَ أُبي طالبٍ هذا في سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال أبوبكر بروحي أفديه: ذَاكَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.

فهل أدرك الكاتب الآن أنّ كون الشاعر مشركاً أو فاسقاً لا ينبغي أن يُحشَر في تعليقه على الأبيات؟!)

التعليق :-

1 – الجاهل يشاغب هنا بإقامة شاهدٍ على أمر معلومٍ خارج عن محلِّ النزاع لغطاً وتهويشاً، فالكلام منظوماً أو منثوراً لا يُمدح فيُقبل أو يُقدح فيه فيُردُّ إلا وفق ما يتضمنه من المعاني، فبيتُ لبيد ومعظمُ شعر أميةَ ابنِ أبي الصلت مواعظُ وحكمٌ راقت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأثنى على ما تضمنها من المنظوم أو استنشده فاستصوبه وأحب سماعه، وكذلك ما تمثل به ابن عمر من قصيدة أبي طالب هو مدح لرسول الله صلى الله عليه وسلم صادق صحيح لا غلو فيه فلا نكير عليه، أما بيت أبي نواس المحفوظ أو المسروق بيسير تصرف ففيه غلو وباطل إضافة إلى ما جاء مع المسروق من أبيات تضمنت الشرك الأكبر وطرفاً من الغلو والبدع مع شذوذ التركيب وضعة الصياغة كما سلف بيانه، فقياسه وحده أو مسروقاً مع أبيات أخرى على شعرابن أبي الصلت أوبيتي لبيد وأبي طالب قياس مع الفارق الذي هو كالشمس جلاء ووضوحاً، فهو قياس باطل إذ لا تماثل، وهل يستوي الحق والباطل؟

قال الجاهل : ( الوجه الثالث: إنّ قول الشاعر كان جبريل خادماً لأبيهم لا يدل بوجه من الوجوه على ما ذكره .. غاية ما فيه أنّ الأمين جبريل عليه السلام كان يساعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور الوحي، وينافح عنه.. وهذا المعنى ممّا تسعه اللغة العربية ببلاغتها وتعابيرها الواسعة .. وجبريل ملكٌ مُقرّب معظّم، ومحمد صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق أجمعين! وقد حشر الكاتب قلمه في هذه الأبيات، ليجد موطئاً للرافضة فيها .. والرافضة لا موضع لهم في الخطبة كلها إلّا في الوساوس التي تُلقى إلى الكاتب.)

التعليق : -  لقد بينا من قبل أن نفث الروافض في مضمون الخطبة ونبرتها واضح، وما فتئ الروافض يذكرون بيت أبي نواس هذا تنويها به من قديم العصور، وما رد ابن تيمية ما جاء فيه من وصف الخادم إلا تفنيداً لابن المطهر الحلي في ايراده ضمن حديثه عن النص على الإمامة واعتماده.

ولم تكن علاقة جبريل عليه السلام بمحمد صلى الله عليه وسلم مجرد المساعدة في أمور الوحي أو النفاح عنه كما عبر الأمي، وإنما هي علاقة ملك مرسل من الله مأمور بتبليغ الوحي مع مرسَلٍ إليه ملزَمٍ بقبول ما أرسل به جبريل وتبليغِه، وليست إعانة طوعية تتعلق بالوحي أو ميلاً مروئياً إلى الإحسان بالنفاح أو غيره، ومن المضحك – وشر البلية ما يضحك – أن أحد الإخوة الذين شهدوا الخطبة سأل السعيطي إن كان لديه مسوغ في إطلاق خادم على جبريل عليه السلام وكان بجوار السعيطي مومياء الفخر الزائف والتصنع (الخطيب الأصلي) فابتدر الجواب وقال ما معناه "إن من مظاهر تلك الخدمة ومسوغات إطلاقها أن أتى جبريل بالبراق وقدمه إلى الرسول ليركبه" فقاس أخو الخيلاء إتيانَ جبريل بالبراق وأمرَه لمحمد بركوبه على أخذ الخادم في العرف الدابة جملاً كانت أو حصاناً أوبغلاً أو حماراً من اصطبل دواب المخدوم وإناختها له أو تهيئتها لركوبه، وتَعامَى عن أن البراق ليس من دواب الأرض ولا يسير عليها وأن وظيفته في تلك الرحلة الكريمة ليست لها ولا تقدر عليها وأن تقديم جبريل البراق لمحمد كان عن أمر الله له بذلك، ولم يكن عن أمر محمد الذي فوجئ به وبمنظره غير المعهود، ولا يملك رد الأمر بركوبه على جبريل، بل ليس له حيال ذلك الأمر إلا الطاعة والتسليم، فكما كان المركوب مختلفاً فكذلك شأن الركوب، وكما لم يكن لمحمد إذ ذاك حال المخدوم فليس لجبريل حال الخادم، فالتنظير في كل أركانه معلول لا سالم، ولا يصدر إلا من مكابر متعنت أو جاهل واهم ، لكن المهم عند مريض العصبية وعبد الهالات هو درأ الخطإ عن صنوه وصويحبه ولو ركب اعتسافاً في تسويغ صنيعه يدعو للتندر ويخالف المعقول والمنقول.

وللجاهل الذي قال:( وهذا المعنى ممّا تسعه اللغة العربية ببلاغتها وتعابيرها الواسعة .. وجبريل ملكٌ مُقرّب معظّم) نقول : إذا كانت البلاغة قولَ الباطل الذي لا وجه لصحته أبداً واجترارَ التكلف جهلاً في تسويغه فقد تربعت ومن شاركك في هذاالهذيان على ذراها وتخمت بطعمها واحتكرت هواها، فلتشرح للقراء إذن كيف يكون من البلاغة العربية وتعابيرها الواسعة أو الضيقة أن يقال عن (ملك مُقرّب معظّم) كجبريل :"خادم" ؟ وما النكات البلاغية البديعة في ذلك؟ أيها الموسوس المختال والغمر البليد، فمنك القراء تستفيد، فَصِّلْ لهم بلاغةَ إطلاق الخادم على جبريل على ما عهدوه في يراعك البديع من غزارة علمٍ وبلاغة منطق وفصاحة بيان، وإنا لفي تحَفُّزٍ لذلك التفصيل وناظرون إناه!!!

ولقد أجمع المسلمون على أفضلية نبينا صلى الله عليه وسلم على جميع بني جنسه وعلى مزايا وفضائل عظيمة له في الدارين لحديث " أنا سيد ولد آدم ولا فخر"

ويقال عنه صلى الله عيه وسلم أفضل الخلق بالاتفاق على أن "ال" عهدية أي أفضل الناس ولأن له عليه الصلاة والسلام الشفاعة العظمى والمقام المحمود والحوض المورود وغير ذلك من الفضائل.  

أما ما أطلقه كثير من أهل العلم من أنه صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق على اعتبار أن المقصود بالخلق هم الآدميون فمحل اتفاق وموطن إجماع، أما على اعتبار أن "ال" في الخلق للاستغراق فيكون هذا اللفظ شاملاً عاماًّ في كل ما خلق الله حتى المصطفَينَ من رسل الملائكة والمقربين، ويدخل فيهم جبريل عليه السلام، فلم يأت من قال به بأدلة يقينية وبراهين قواطع على هذه الأفضلية، وإنما هي أدلة عقلية عامة ونقلية ظنية الدلالة عليها قد ترجحها لدى بعض أولي النظر من أهل العلم، لكنها لا تجعل ثبوتها قطعياً يقينياًّ.

ولهذا اختلف آهل العلم هل الملائكة أفضل من صالحي البشر أو صالحوالبشر أفضل كما اختلفوا في رسل الفريقين تبعاً لذلك، واستدل من فضل مؤمني البشر ورسلهم بأدلة عقلية عامة ونقلية ظنية الدلالة على ذلك التفضيل وإن ذهب إلى شيء منها بعض السلف اجتهاداً، كما استدل من فضل الملائكة ورسلهم بأدلة نقلية وعقلية أيضاً، وردَّ أدلة الفريق الأول بصلوحها لمحامل أخرى أو بالدلالة على الفضل لا على الأفضلية، كما رد من فضل صالح البشر ورسلهم أدلة مخالفيهم بتفكيك مناحي الأفضلية فيها والاجتهاد في تخصيص منحى ورودها وقصرها عليه أو حملها على أوجه محتملة أخرى، وترجح لبعض أهل العلم دليل الفريق الأول فقالوا به، وذهب البعض الآخر إلى اعتماد المذهب الآخر حيث اطمأن لدليله، وتوسط البعض  فأخذ من كلا القولين بمقدار ما ترجح لديه، وتكافأت الأدلة عند آخرين فتوقفوا، وسكت آخرون عن الخوض في هذه المسألة سكوتَ المرءِ عمَّا لا يعنيه ولم يُكَلَّفْ بتقصيه، ولسنا الآن بصدد بسط أدلة كل فريق، بل القصد أن المسألة خلافية بين أهل السنة أنفسهم خارج نطاق الرافضة والمعتزلة وأن القطع فيها غير ممكن، يقول القرطبي بعد أن ساق شيئاً من أدلة الفريقين : (وقال بعض العلماء: ولا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة، ولا القطع بأن الملائكة خير منهم؛ لأن طريق ذلك خبر الله تعالى وخبر رسوله أو إجماع الأمة؛ وليس هاهنا شيء من ذلك)اهــ

أمَّا ادعاء السيوطي في الحبائك بأن الخلاف إنما هو في غير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأن الإجماع قد انعقد على أفضليته على كل ما خلق الله نقلاً عن بعض أهل العلم فنقلٌ غير دقيق وكلام غير محرر.

وعلى فرض أن أدلة تفضيله صلى الله عليه وسلم على جبريل عليه السلام وغيره من الملائكة وكل ما خلق الله من اللوح المحفوظ والعرش والكرسي والقلم وغيرها قواطع لا مجال فيها لرأي آخر - إذ لا اجتهاد في قطعي - فإنه لا يلزم من ذلك صحة تسمية جبريل عليه السلام خادماً له صلى الله عليه وسلَّم، إذ الأفضلية وحدها لا تدل على صحة اعتبار المفضول خادماً للفاضل، لأن معنى الأفضلية اعتباري - والاعتباريات عدميات كما يقال - فلا يدل بذاته على صلة عملٍ مَّا بين الفاضل والمفضول، فكيف بتخصيص الخدمة التي لها معنى خاص في اللغة والعرف قد لا يتحقق بينهما، ولو لزم صحة ذلك لأمكن أن يطَّرد ذلك اللزوم في غير جبريل من المخلوقات المفضولة - على هذا الرأي - كاللوح المحفوظ والقلم مثلاً، ولصح حينها أن يقال عنهما : إنهما خادمان له أيضاً ويأتمران بأمره، فيفضي ذلك إلى إضفاء بعض صفات الألوهية على رسولنا صلى الله عليه وسلم ويوقع في الشرك الأكبر – والعياذ بالله - ومازال جهلة المتصوفة يترنمون ببيت "البردة" الباطل الذي يخاطب به البوصيري الرسولَ صلى الله عليه وسلم :(فإنَّ مِنْ جُودك الدنيا وضرَّتَها .  .  .  ومن علومك علم اللوح والقلم ) وأشباهه رغم مخالفة معنى هذا البيت وأمثاله لنصوص مستفيضة قطعية الدلالة في الكتاب والسنة.

وما أرسل محمد صلى الله عليه وسلم إلا لانتشال الناس من الشرك واجتثاث مظاهره وسد ذرائعه، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم قوله : "يا أيها الناس عليكم بتقواكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل" وقال " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم وإنما قولوا عبد الله ورسوله"

وبلغ به تواضعه صلى الله عليه وسلم وكراهته اتخاذ التفاضل بين الرسل حمية وتعصباً أن نهى عنه رغم ثبوت ذلك التفضيل فقال " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى" كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس وغيره وفي السنن أيضا، وثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما يهودي يعرض سلعته أعطي بها شيئا كرهه فقال : لا والذي اصطفى موسى على البشر. فسمعه رجل من الأنصار فقام فلطم وجهه وقال : تقول والذي اصطفى موسى على البشر والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ؟ فذهب إليه فقال : أبا القاسم إن لي ذمة وعهدا فما بال فلان لطم وجهي ، فقال صـلى الله عليه وسلم :لم لطمت وجهه؟ . فذكره فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى رئي في وجهه ثم قال : ( لا تفضلوا بين أنبياء الله فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أم بعث قبلي ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى ) ومثله في مسلم.

قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى في هذا السياق عن يونس عليه السلام :

(وَقَوْلُهُ: {إنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ} فِيهِ اعْتِرَافٌ بِحَقِيقَةِ حَالِهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْعِبَادِ أَنْ يُبَرِّئَ نَفْسَهُ عَنْ هَذَا الْوَصْفِ، لَا سِيَّمَا فِي مَقَامِ مُنَاجَاتِهِ لِرَبِّهِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى}. وَقَالَ: {مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ} فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَرِفَ بِظُلْمِ نَفْسِهِ فَهُوَ كَاذِبٌ، وَلِهَذَا كَانَ سَادَاتُ الْخَلَائِقِ لَا يَفْضُلُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى يُونُسَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، بَلْ يَقُولُونَ: كَمَا قَالَ أَبُوهُمْ آدَم وَخَاتِمُهُمْ مُحَمَّدٌ صلى الله عليهم وسلم).اهــ

والذي دفعنا إلى الإشارة باختصار إلى مسألة التفاضل هذه إنما هو إيماء هذا الجاهل إلى اتكائه عليها في إساغة إطلاق (الخادم) على جبريل عليه السلام، وهو ما حمل بعضَ أئمتنا من أهل العلم – وقد تكافأت أدلتها لديه – على بسط الكلام فيها، يقول الإمام القاضي ابن أبي العز الدمشقي رحمه الله في شرح الطحاوية : (وحملني على بسط الكلام هنا : أن بعض الجاهلين يسيئون الأدب بقولهم : كان الملَكُ خادماً للنبي صلى الله عيه وسلم! أو : أن بعضَ الملائكة خُدَّامُ بني آدم!! يعنون الملائكة الموكلين بالبشر، ونحو ذلك من الألفاظ المخالفة للشرع المنافية للآداب) اهــ.

رحم الله القاضي ابن أبي العز الدمشقي فما اختلف الجهلة في عصره عنهم اليوم، وسيظل الجهل يوحد بين كلمة بنيه رغم تباعد الأزمان واختلاف الأوطان، وصدق من قال:

ألا إنــمــــا الأيــــــــــامُ أبــنـــاءُ واحـــدٍ

وهــذي اللــيـــالِي كــلُّــها أخــواتُ

فلا تَطلُبَنْ من عندِ يومٍ ولا غدٍ

خلافَ الذي مرَّت به السنواتُ

 

هذا وقد أُتِيَ بنيانُ هذا الأميٍّ في تسويغ إطلاق الخادم على جبريل عليه السلام من القواعد، وهُدَّتْ شبهه وذرائعه إلى ذلك، فكُبِتَ وبُهِت، ولله الحمد والفضل.

يُتْبَع بالحلقة الأخيرة إن شاء الله.

أبو أيوب الأثري

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بالرجوع إلى نص كلام الغزالي في الوسيط تبين أن ابن حجر رحمه الله نقله بمعناه.

(2) بل يكفرون ويلعنون أفاضل الصحابة وأطايب السلف وأقرب الناس إلى الله بعد الأنبياء الخلفاء الراشدين أبابكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وأرضاهم ولعن لاعنيهم وأخزاهم.

(3) جاء السعيطيَّ في المسجد أحدُ العامةِ يعاني من مرضٍ راجياً أن يجد لدى موظف في المسجد - زخرف له المزينون الكذبة ومرضى الجهوية بهرجاً غَروراً - حَلاًّ من رُقًى شرعية أو نصحاً بإرشاده لمن يقوم بذلك، فأخذ السعيطي من الرجل عنوانه، وقال له : إن راقياً سيأتيك في بيتك فانتظره، وحضر الراقي – وكان باكستانياًّ – وترك للرجل المريض أوراقاً "تعويذات" حملها الرجل إلى أحد طلبة العلم سائلاً عن محتواها، فلما حاول طالب العلم قراءتها وجدها طلاسم أقرب للشعوذة والسحر، لا يتبين منها شيء، ولا تمت إلى الرقى الشرعية بصلة، فحذر السائلَ من استعمالها ونصحه بحرقها، ففعل.  لاحظ أيها القارئ الكريم أن السعيطي أخفى عن المريض شخصية الراقي ولم يَدَعْ له سبيلاً لمعرفته لتَعْلم أن ثَمَّ ما يلزم ستره عن الناس من أحوال كاتب الطلاسم، وليس كذلك أحوالُ الراقين الشرعيين، ولعل وراء ماظهر قصصاً خافيةً وأحوالاً، فأبواب الجهل والضلال شارعة ومحروسة والبسطاء كثيرون. 

 (4) ولا يصح إعراب "أمدح"بدلاً هنا لأنه خلاف المراد.

(5) ولا يناكد هذا مدح أنس بن مالك رضي الله عنه بوصفه "خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم" فشرفه بهذا إنما هو لما ينال بملازمة رسول الله ومشاهدة أحواله من تربية وعلم وحكمة، لأنه من أمته وأتباعه، وما يقوم به تجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عملٍ داخلٌ في معنى الخدمة لغة وعرفاً، أما مكانة أمين الوحي جبريل عليه السلام السامية فأبعد ما تكون عن هذا الوصف، وما يقوم به تجاه الرسول صلى الله عليه وسلم يختلف عما يزاوله أنسٌ من خدمته صلى الله عليه وسلم اختلافاً عظيماً واضحاً كالشمس لا يلتبس إلا على عميان الجهلة ومتعصبتهم كما سيتلو بسطه. 


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home