Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأحد 1 فبراير 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

دستور 1951م ووثيقة 24 ديسمبر

تعليق على مقالة الأستاذ / إبراهيم صهد
" حول وثيقة 24 ديسمبر والمطلب الدستوري "

بداية أحيّ أخي الأستاذ الفاضل السيد إبراهيم صهد ، تحية صادقة ، نابعة من روح عشق الوطن ونقية ، نقاء دم شهدائنا الأبرار، رموز النضال والجهاد ، على جهده المشكور الذي أجتهد من خلاله في أن يزيل بعض اللّبس والغموض ، الذي شاب الوثيقة المسمّاة " بوثيقة 24 ديسمبر " ، من خلال مقالته المنشورة بتاريخ 27/1/2009م في صفحة ليبيا المستقبل ، تحت عنوان " حول وثيقة 24 ديسمبر والمطلب الدستوري " .

لا شك أنه لكل متابع ومهتم بالقضية الليبية في ساحة المعارضة في الخارج ، يلمس بوضوح ما أثارته هذه الوثيقة حولها من ضجيج ، كان صاخبا أحيانا ، أضفى عليها أهمية بغير ما هي عليه ، و شطّ بها عن روح الإتزان و الحوار المستنير .

ذلك ان هذه الوثيقة لا تعدو في جوهرها أن تكون مجرد رؤى وأفكار لبرنامج تنظيم سياسي أو إئتلاف حزبي ، قد نتفق معها أونختلف ، فهي مسألة لا تعني شىء في واقع الحال لا كثير ولا قليل ، كما أنها لم تأت لتسدّ فراغا فكريا ولا حركيا في ساحة المعارضة الليبية ، لتبني من خلاله جسرا للتواصل بين الداخل والخارج ، وهذا هو ما تفتقده أصلا معارضتنا في الخارج ، التي شغلت نفسها للأسف الشديد بتفاصيل وجزئيات هي منبث خلاف ، شتتث جهدها ورؤاها ، ونأت بها حتى عن مهمتها المفترضة في أن تكون الصوت الإعلامي النضالي ، المحرّض للحراك السياسي الحقيقي في الداخل على أقل تقدير ، وبذلك تظل هذه الوثيقة طرحا في إطار الحوار السياسي – وليس الفقهي – يحكمه توجه ورغبات الإرادات السياسية ، والأمزجة الشخصية أيضا التي تبلور ثقافة كل طرف في الحوار .

ومع أنني لست من أصحاب الأدلجة السياسية ، ولست من المحكومين عليهم بالتوجهات والإرادات السياسية ، التي تتنافى جميعها مع أمانتي العلمية التي تفترض القراءة الموضوعية والتحليل المجرد للوقائع، وحتى دعوتي السابقة للاتحاد من أجل الملكية الدستورية ، هي دعوة أملاها الظرف الموضوعي لواقعنا السياسي والإجتماعي ، وليس الايديولوجي ، وجاءت من خلال بحتي عن عنصر إستقرار وتبات الدولة ، فالملكية الدستورية والجمهورية هي أدوات للحكم وليست من متطلبات العقيدة والايديولوجيا السياسية ، والشعوب الحكيمة هي التي تختار منها ما يشكل لها عنصر الاستقرار لدولها وليس الفوضى ، ويحفظ لها التوازن والسّلم الاجتماعي ، وما يتوافق مع عنصرها الديني و التاريخي والديمغرافي والثقافي ، وأنظمة الحكم عموما وإن أكتشفها الانسان في فترات تاريخية متعاقبة ، فهي ليست بصيحات وصرعات موضة ! ، وإنما هي أتواب بحجم ومقاسات من يرتديها .

ومع أنني كذلك ومن غير المحبدين للحوارات السياسية الخلافية ، إلا إنه ومن خلال قرائتي لمقال الاستاذ إبراهيم صهد أستوقفتني في الحقيقة بعض النقاط التي أوردها ، دفعتني لأهميتها الى التعقيب عليها في إطار الحوار الفقهي وليس السياسي ، متمنيا أن يتسع لها الصدر الوطني الرحب و الغيور الذي عهدناه في أستاذنا العزيز و سأتناولها فيما يلي :

أولا / حول الوثيقة و علاقتها بدستور 1951م :

إن أي قراءة متأنية للوثيقة و متجردة من أية أفكار أو أراء مسبقة ، بغية تحليل مضامينها ستظهر بوضوح أن خطابها هو قفز وتجاوز لدستور 1951م وليس هناك من رابط بين ماتطرحه في الشأن الدستوري وبين دستور 1951م . وهو قفز مقصود بما تؤكده مدلولات ألفاظها التي أستخدمتها ، وأقفلت نصها عن إستعاب ماسماه الاستاذ إبراهيم في مقالته بربط التطور الدستوري ، الذي كان غائبا غيابا مقصودا عن ذهنية الخطاب وقت صياغة الوثيقة ، فبتفكيك مفردات الخطاب نستطيع أن نتبين ذلك بكل وضوح ، كيف تعاملت الوثيقة مع دستور 1951م ؟ .

لقد جاء ذكر دستور 1951م في الوثيقة في معرض خطاب " الإستذكار والإذانة " الوارد في الصفحة الثانية منها ونصه الآتي " كما يستذكر الموقعون على هذه الوثيقة ويدينون :

- الغاء دستور 1951 الذي أسس وجسد الشرعية الدستورية التي قامت عليها دولة الإستقلال . . .. "

تأمل معي سيدي المفردات المستخدمة في هذا النص ] إ ستذكار وإذانة [ إستذكار لأى أى شىء ، وإذانة على ماذا ؟ إنه إسذكار لإغتصاب سلطة شرعية وإذانة لفعل إجرامي غير شرعي وهو إلغاء دستور 1951م ، اليس كذلك ؟ ، فإذا كان هناك إغتصاب لسلطة من أداة غير شرعية والغاء غير شرعي للدستورومصادرة لدولة قامت على تلك الشرعية كما جاء في النص ، فهل يستحق ذلك مجرد إستذكار و إذانة من قوى معارضة لنظام غاصب . . اليس بتلك المفردات وضعنا خطاب الوثيقة وكأننا نقرأ بيانا صادرا عن مجلس الأمن ، أو تصريحا إعلاميا صادرا عن رئيس دولة ما أو عن أحد رجال دولته ؟؟ . إنها ياسيدي مفردات اللغة السياسية ولغة الديبلوماسية وليست لغة النظال الذي يقاوم قوة شرسة غاصبة . . فكان أولى بخطاب الوثيقة إتساقا مع ما أشار اليه من الغاء غير شرعي أن يتمسك به كمطلب دستوري . لا أن يحلق بعيدا ويجعل من دستور 1951م الذي مازال حيا مجرد مسوّدة يمكن ان لا تتجاهلها الجمعية المقترحة . بل لم يشر اليها النص مطلقا حينما عكف للحديث عن مسألة إعداد الدستور في الصفحات 10 ،11 ،12 . والقول بأن ماورد في هذه الصفحات هو ملزم أو غير ملزم للجمعية الوطنية التي هي في علم الغيب على حد تعبير أستاذنا الفاضل في مقالته قول لا يغير في فهم ما تصبوا اليه الوثيقة في شىء ، فمن البديهي ان الجمعية في علم الغيب ! ، ولكن مبنى العبارة يدل على مقصدها . وعبارات الوثيقة في الصفحات المذكورة تدل دلالة واضحة على مقصدها في تجاوز دستور 1951م ، وهو تجاوز من حق أى شخص وأى فصيل معارض صغر حجمه أو زاد عن الصغر قليلا وكان له إمتداد ضئيلا في الداخل أم لم يكن ، فمسألة التغيير برمتها في علم الغيب ، إنما من حق أى ليبي سواء في الداخل أو في الخارج أن يناقش ويعلق على ما يطرح عليه من أدبيات المعارضة زيادة في التوضيح والفهم ، ومحاولة المساهمة في بلورة رأى عام واعي وسط القوى المعارضة، متحررا من قيود الأفكار المسبقة والنزعات الشخصية .

ثانيا / حول دستور 1951م :

1/ لقد أستوقفني في مقال الاستاذ ابراهيم مصطلح التبني لدستور 1951م ، وهو في تقديري مصطلح لا يتناسب مع قيمة الدستور ، فدستور 1951م ليس فكرة أو طرح قابلة للتبني . . فالمرء يتبنى أفكار . . نظريات أمر صحيح أما أن يتبنى دستور فألامر لا يستقيم مع حقيقة الدستور . . . والصحيح على ما أعتقد هو المطالبون بإسترداد الشرعية المغتصبة التي يمثلها الدستور ، لأن هؤلاء المطالبون – وانا منهم – يدركون جيدا ان حدود سقفهم لا يتعدى هذا المطلب في هذه المرحلة ، وأن أي إجتهاد فيما عدا ذلك هوما تملكه الأمة وليس بضعة عناصر أو فيئة معينة . هم لا يستطيعون أن يجتهدوا إلا في ايجاد الوسيلة التي تمكنهم من تحقيق مطلبهم .. وهذا ما ينبغي أن يكون عليه حالهم .

إن القيمة الجوهرية لدستور 1951م والتي تجعلنا نزداد تمسكا به ، لا تكمن في محتواه وإنما في إنشائه للدولة ، وهو ماعبرت عنه الوثيقة في وصفها له بقولها " الذي أسس وجسد الشرعية الدستورية التي قامت عليها دولة الإستقلال " ، ولكن للأسف تجاوزتها في الصفحات الأخرى !!

إن هذه القيمة هي التي تميزه عن وضعية الدساتير التي عرفتها البلاد العربية ، فأنظر معي الى دول عربية نالت إستقلالها ولكن لم تضع دستورا قبل إعلان ذلك الاستقلال الا بعد مضي سنوات بعد إستقلالها ، وخير مثال على ذلك المغرب ، لقد إنتهى عهد الحماية فيها سنة 1958م ولم تضع دستورا لها إلا سنة 1962م وهو دستور منحة من الملك ، ثم أستبدل بدستور 1970م ثم دستور 1972م وتوالت عليها الدساتير الى دستور 1996م ، هل عرفت لماذا إستبدال هذه الدساتير ؟ لأن الدستور لم ينشىء الدولة لم يشكل الحجر الأساس . كان هبة من سلطان حاكم، يغيره بحسب مزاجه ! أما الدستور الليبي فهو حجر الأساس التي قامت عليه الدولة وبوشرت من خلاله السلطات فكيف لعاقل أن يتجاوزه أو أن يجعله مجرد أفكار تصلح بأن تكون مسودة لجمعية وطنية ؟ ، مع العلم أن الأباء المؤسسون واضعي دستور 1951م لم يصادروا من خلاله حق الأجيال المقبلة في تطويره بما يتلائم وعصورهم المختلفة .

2/ لقد أشار الأستاذ إبراهيم الى ان حكومات العهد الملكي لم تبدي أية عناية بالثقافة الدستورية . والحق يقال ان الحكومات ليس من مهمتها نشر هذه الثقافة ، وإنما هي مهمة النخب المثقفة في دسترة المجتمع ، وللأسف فإن إهتمام النخب في ذلك الوقت كان مشدودا إما الى صوت العرب أو إلى صراع البعث موصولا تارة الى القومية واليسارية وتارة أخرى الى الإخوانية . . وهي حال غلبية النخب التي تكلست في ثقافة الحرب الباردة وسمفونيات قضايا التحرر . وما كنا نقرأ عن المواطنة وحقوق الإنسان والمجتمع المدني في الخطاب العربي إلا في منتصف السبعينات . فالمسؤولية هي مسؤولية النخب المثقفة ، وفي الحقيقة إنني مستبشر خيرا في شباب يقظ وواعي بما يحيط به ومتحررمن الطروحات والأفكار التي أدت بنا الى الحال التي نحن عليها الآن .

3/ تناول الأستاذ إبراهيم مسألة الفراغ الدستوري ، ولكنه صور لنا معالجتها بإشكاليات تفظي الى الإستحالة ، والأمر ليس كذلك ، فلقد سبق وان أشرت الى هذا الفراغ في مقالة سابقة لي [*] وحاولت الإجابة على بعض الاسئلة التي أفترضتها والتي يمكن أن تطرح في مثل هذا الشأن ، وأضيف هنا الى إلى أن المطلب بإسترداد الشرعية يقضي بأن تقوم أداة التغيير كيفما كانت بإستئناف العمل بالدستور، وتقوم بإجراء انتخابات تشريعية وفقا لقانون مؤقت للانتخابات تعده سلفا ويراعى فيه المتغيرات الديمغرافية وتكون مهمة المجلس المنتخب تمكين وريث العرش من أداء القسم الدستوري ، وتستأنف الدولة إنطلاقتها حفاظا للاستقرار المطلوب في مثل هذه الأوضاع وينظر في وضع الدستور من حيث تطويره بما يتلائم ومتطلبات الوقت . ولنا في التجربة الأسبانية شبه قريب جدا من حالتنا ، فلا ينبغي أن نضخم إشكالياتها ، فحينما يتحقق المطلب في إسترداد الشرعية ، عندها يكون لكل حادث حديث . وإني حقيقة أحمد الله في عدم تراكم الإنقلابات العسكرية في بلدنا ، كما هي الحال في العراق وسوريا !!

وفي الختام أكرر تحيتي الصادقة من داخل الوطن لأستاذنا الفاضل إبراهيم صهد على جهده وإجتهاداته المغرية للحوار ، وما إختلافي معك إلا إثراءا لحوار فكري بعيدا عن ترهات الخطابات السياسية وإنزلاقاتها . . . دمث في رعاية الله ووفقك ووفق الجميع الى مافيه الخير والصالح العام لبلدنا ليبيا .

محمد أمين العيساوي
________________________________________________

(*) أنظر مقالتي " دعوة للاتحاد من أجل الملكية الدستورية " ، نشرت بصفة ليبيا المستقبل بتاريخ 10/6/2008م


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home